في قلب العاصمة التونسية، يتجاوز معرض تونس الدولي للكتاب كونه موعداً سنوياً لعشاق القراءة، ليصبح مساحة حية تتشابك فيها الحكايات وتُقاس فيها العلاقة المتجددة بين التونسيين والكتاب في عصر تهيمن عليه الشاشات وتتعدد فيه الوسائط. تعرض الدورة الأربعون من المعرض، التي تُقام في قصر المعارض بالكرم بين 23 أبريل/نيسان و3 مايو/أيار 2026، مشهداً ثقافياً غنياً يعكس ثراء المشهد الأدبي المحلي والدولي.
يجذب المعرض هذا العام مشاركة 394 دار نشر، تضم 210 جهات أجنبية و184 تونسية، مقدمةً حوالي 148 ألف عنوان مختلف. وتستقبل الدورة مشاركات من 37 دولة، مع احتفاء خاص بإندونيسيا كضيف شرف، مما يسلط الضوء على البعد العالمي للمعرض كمنصة للحوار الثقافي وتبادل الخبرات.
بين الحرية والهواجس
يأتي المعرض في سياق ثقافي يثير تساؤلات حول حرية التعبير، خاصة بعد الجدل الذي صاحب الدورة السابقة. ورغم أن الأجواء تبدو أكثر هدوءاً هذا العام، إلا أن النقاش حول هامش الحرية المتاح للكتاب والمبدعين يظل قائماً.
منصف الشابي، مدير دار النقوش العربية للنشر، يوضح أن الأدب التونسي شهد تحولات هامة في السنوات الأخيرة، مستفيداً من مناخ الحرية المتنامي. ويرى أن “عدداً من المحرمات سقطت، وبرزت تيارات أدبية جديدة بروح مختلفة”، مما جعل النص التونسي المعاصر يحمل “مضامين أكثر جرأة وتنوعاً”.
أصوات شابة ونصوص متمردة
تُبرز أروقة المعرض حضورا قوياً للأصوات الشابة، التي تقدم أعمالاً يصفها بعض النقاد بـ”المتمردة” أو “العصرية”. ومع ذلك، لا تخلو هذه التجربة من التحديات، حسب الكاتب والشاعر رضوان العجرودي. ويشير إلى أن الكاتب الشاب في تونس غالباً ما يتحمل مسؤوليات إضافية، مثل البحث عن ناشر ومتابعة توزيع أعماله، مما قد يثقل كاهله ويؤثر على مسيرته الإبداعية.
من جانبها، تؤكد الطالبة الجامعية علياء الطويلي أن زيارتها السنوية للمعرض تمثل “فرصة للعثور على كتب قد لا تتوفر بسهولة خارج هذا الفضاء”، معتبرة إياه محطة أساسية لا غنى عنها.
صعوبات وصمود
يشير الكاتب التونسي الشاب مهدي الغانمي إلى أن قطاع النشر يواجه تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق. ويؤكد أن “غلاء الورق وصعوبات التوزيع تفرض ضغوطاً كبيرة”، لكن القطاع “يواصل الصمود بفضل إصرار الفاعلين فيه”.
“يواجه الكاتب الشاب أعباء إضافية تؤثر على تجربته الإبداعية، وقطاع النشر يصارع غلاء الورق وصعوبات التوزيع، لكنه يواصل الصمود بإصرار الفاعلين.”
أكثر من معرض
لا يقتصر معرض تونس الدولي للكتاب على عرض الكتب وبيعها، بل يشمل برنامجا ثقافيا متنوعا يتضمن ندوات فكرية، ولقاءات مع كتاب، وقراءات شعرية، وفعاليات مخصصة للأطفال.
في هذا الإطار، يتحول المعرض إلى ما هو أبعد من مجرد تظاهرة ثقافية؛ إنه مساحة لإعادة طرح أسئلة حول القراءة ودورها في المجتمع، في ظل تنافس الاهتمامات. ورغم التحديات، يظل للكتاب قدرة على جمع قرائه حول معنى مشترك يتمثل في البحث عن المعرفة والتمسك بفعل القراءة كخيار ثقافي.