في 11 نوفمبر 1982، استهدف انفجار ضخم مبنى تابع للقوات الإسرائيلية في مدينة صور جنوب لبنان، مما أسفر عن مقتل 91 شخصًا. وعلى مدار أربعة عقود، أصرت إسرائيل على أن الحادث كان تسربًا للغاز، قبل أن تؤكد لجنة تحقيق إسرائيلية في عام 2024 أن الانفجار كان على الأرجح هجومًا متعمدًا بسيارة مفخخة. هذه الحادثة، التي اعترف حزب الله بأنها أول عملية استشهادية نفذها، تمثل بداية لنمط من العمليات التي أثرت بشكل كبير على المسار العسكري والسياسي في المنطقة.
تكتيكات الثمانينيات: عودة المواجهات الدموية
قبل أيام، أكد قيادي عسكري في حزب الله أن الحزب يتجه لاعتماد “تكتيكات الثمانينيات”، وهي فترة ارتبطت بسلسلة من الهجمات “الدامية” ضد القوات الإسرائيلية والأجنبية في لبنان. وتشمل هذه التكتيكات تفعيل “مجموعات الاستشهاديين” بهدف منع القوات الإسرائيلية من ترسيخ وجودها. يشير هذا التوجه إلى احتمالية نشوب مواجهات برية شبيهة بتلك التي شهدتها الثمانينيات.
كانت عمليات الثمانينيات، التي بدأها حزب الله حتى قبل تأسيسه رسميًا، ردًا على الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. تميزت هذه العمليات باستخدام العبوات الناسفة المرتجلة في سيارات يقودها “استشهاديون” لتستهدف نقاطًا محصنة ذات قيمة استراتيجية.
تُعرف العبوات الناسفة المرتجلة (IED) بأنها قنابل محلية الصنع تتكون عادة من مصدر طاقة، ومفتاح تشغيل، وبادئ تفجير، وشحنة متفجرة رئيسية، وحاوية تحتوي على مقذوفات. يمكن تصنيع هذه العبوات باستخدام مكونات عسكرية أو مدنية متوفرة، مما يجعلها مرنة وسهلة الإنتاج.
“تمكن حزب الله من تفخيخ السيارات واستخدامها في هجمات محكمة التخطيط، ومصممة لإلحاق خسائر فادحة في الأرواح في حادثة واحدة”
شهدت بداية الثمانينيات تنفيذ هجمات بارزة، منها انفجار سيارة مفخخة استهدف السفارة الأمريكية في بيروت الغربية في أبريل 1983، والذي أودى بحياة 63 شخصًا. كما وقع هجوم أكثر دموية في أكتوبر 1983، عندما اقتحمت شاحنة مفخخة ثكنات مشاة البحرية الأمريكية في مطار بيروت الدولي، مما أسفر عن مقتل 241 جنديًا أمريكيًا، تبعته بفترة وجيزة مهاجمة ثكنات الجنود الفرنسيين.
مكاسب استراتيجية: حرب غير متكافئة
تتميز هذه العمليات بنسبة “تكلفة إلى أثر” عالية، حيث يمكن لمقاتل غير نظامي، باستخدام جسده والمتفجرات الرخيصة، إحداث تأثير كبير على أهداف ذات قيمة عسكرية أو سياسية عالية، مما يحول ضربة واحدة إلى أزمة أمنية وسياسية للخصوم. هذه الظاهرة أصبحت أكثر بروزًا في الصراعات الحديثة.
منح تعدد الجهات المسؤولة عن العمليات، مثل منظمة الجهاد الإسلامي التي ارتبطت بحزب الله، قدرًا من “الإنكار” السياسي وساهم في تشتيت جهود المطاردة الأمنية. استهداف مبانٍ محصنة مثل السفارة الأمريكية وثكنات المارينز، أثر بشكل سياسي مباشر على الداخل الأمريكي، وساهم في تراجع الدعم الشعبي للتواجد الأمريكي في لبنان، مما عجل بقرار الانسحاب الأمريكي في فبراير 1984.
“استهداف السفارة الأمريكية وثكنات المارينز وهي من ضمن أكثر الأهداف تحصينا مثل في جوهره رصاصة سياسية أصابت الداخل الأمريكي”
لم تكن الهجمات وحدها سبب الانسحاب الأمريكي، لكنها كانت عاملاً حاسمًا في تقويض الثقة بالمهمة وتسريع الانقسام داخل الإدارة الأمريكية، وفقًا لدراسات حديثة.
حرب الثمانينيات: التحول التكتيكي
بحلول عام 1985، انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية، واقتصر احتلالها على “منطقة أمنية” في جنوب لبنان. هذا التغيير الجغرافي أجبر حزب الله على تكييف أساليبه القتالية.
تحول الحزب من الهجمات الانتحارية بالسيارات المفخخة ضد أهداف حضرية ثابتة، إلى استخدام “ثالوث” تكتيكات المقاومة: العبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق، والصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ “كاتيوشا”.
“منذ منتصف الثمانينيات، تحول حزب الله إلى ثالوث تكتيكات المقاومة: العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدبابات، وصواريخ كاتيوشا”
أصبحت العبوات الناسفة السلاح الأبرز، وتم استخدام أنواع مختلفة منها، بعضها بدائي الصنع يعمل بضغط، وبعضها أكثر تعقيدًا يعمل عن طريق الإشارات الراديوية. استُخدمت هذه العبوات لتعترض القوات المهاجمة، وتُركب في المداخل أو المباني، بل وتُثبت مباشرة على المدرعات والدبابات.
ساهم هذا التطور التكتيكي في إلحاق خسائر متراكمة بالجيش الإسرائيلي، مما أثر على معنوياته ورأيه العام. وقد استوحيت منه تكتيكات مشابهة استُخدمت لاحقًا في الصراعات بالعراق وأفغانستان، حيث أصبحت العبوات الناسفة مسؤولة عن نسبة كبيرة من الخسائر البشرية.
حرب غير متماثلة: تطور مستمر
في “الثالوث” السابق، مثلت صواريخ “كاتيوشا” أداة لبسط نفوذ حزب الله خارج الشريط الأمني إلى العمق الإسرائيلي، مما خلق إنذارات ونزوحًا وتعطيلاً للحياة اليومية. تطور استخدام أسلحة مثل الصواريخ المضادة للدبابات، بما فيها صواريخ “كورنيت”، ليواجه التفوق التقليدي لإسرائيل في المدرعات.
شكّل هذا “الثالوث” القاعدة الأساسية لاستراتيجية حزب الله في القتال القريب، وهو ما تطور لاحقًا ليشمل استخدام الطائرات المسيرة، بما فيها مسيرات “FPV” التي تسجل مقاطع فيديو لحظة ضرب الأهداف، مما يمثل ضغطًا نفسيًا إضافيًا على العدو.
“في حرب لبنان عام 2006، استخدم حزب الله أكثر من 1000 صاروخ مضاد للدبابات، معطلا نقطة تفوق تقليدية لإسرائيل على خصومها”
تحول حزب الله على مدى العقود إلى قوة هجينة، تجمع بين حرب العصابات واستخدام أسلحة ثقيلة، مع هيكل قيادة مرن. يهدف المنطق الاستراتيجي لحزب الله إلى التراكم التدريجي للخسائر لدى الخصم، مما يجعله يرى أن تكلفة المهمة غير مقبولة، وهو ما أثبت فعاليته في سحب القوات الإسرائيلية من لبنان عام 2000.
يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة حزب الله على الصمود في المواجهات المستقبلية بتطبيق نفس الاستراتيجيات، وما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد جهز نفسه بشكل أفضل لمقاومة الخسائر المتراكمة والضغط السياسي.