“سامب/تي”.. هل تهدد المنظومة الأوروبية عرش باتريوت؟

فريق التحرير

“تمثل اللحظة الراهنة نقطة انكسار تاريخية في عقيدة الدفاع الجوي عالميا”، هذا ما يؤكده الخبراء العسكريون عند تحليل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. يكشف استهلاك مخزونات الأسلحة الأمريكية عن حدود منظومات الدفاع الجوي، محولاً النقاش من التفوق التقني إلى القدرة على استدامة حرب استنزاف. تُعد هذه الحرب نقطة تحول تؤثر بشكل كبير على استراتيجيات الدفاع الجوي العالمية، مما يدفع باتجاه إعادة تقييم شامل للقدرات والمخزونات.

خلال الأيام الـ 16 الأولى من الصراع، استُنفدت أعمدة الدفاع الجوي الأمريكية الرئيسية، بما في ذلك صواريخ “ثاد” (THAAD) لاعتراض الصواريخ في الطبقات العليا، وصواريخ “إس إم-3” (SM-3) من منظومة “أيجيس” (Aegis) لاعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي، وصواريخ “باتريوت باك-3 إم إس إي” (PAC-3 MSE) للتصدي للصواريخ قصيرة المدى وصواريخ كروز. تقديرات معهد باين للسياسات العامة تشير إلى استهلاك ما يزيد عن 11 ألف قطعة ذخيرة بتكلفة حوالي 26 مليار دولار.

كشفت البيانات التفصيلية عن استهلاك 1300 صاروخ “باتريوت باك-3” في 16 يوماً، وهو ما يعادل إنتاج عامين كاملين، خاصة وأن الإنتاج السنوي الأمريكي لا يتجاوز 600 صاروخ. كما أُطلق أكثر من 340 صاروخ “ثاد”، الذي يُنتج منه 96 صاروخاً سنوياً، مما يعني أن تعويض ما استُهلك يحتاج أكثر من 3 أعوام. وبالمثل، استُخدمت 431 صاروخاً بحرياً من عائلة “أيجيس” (SM-2, SM-3, SM-6) التي تتراوح تكلفتها بين 8-25 مليون دولار للصاروخ الواحد، وتُنتج بأعداد محدودة سنوياً.

إعادة تصميم “العمارة الدفاعية الأوروبية”

يدفع هذا الاستنزاف المتزايد واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها الدفاعية، مما أدى إلى نقل عدد كبير من صواريخ “باتريوت” من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط. حذرت مسؤولون أمريكيون من تأخير شحنات الأسلحة المجدولة، لا سيما تلك الموجهة لأوكرانيا وتايوان، نظراً لإعطاء الأولوية لإعادة تزويد القوات الأمريكية في المنطقة. يتزامن هذا مع تصاعد التوترات داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) والخلافات حول أعباء الدفاع الجماعي.

تجد أوروبا نفسها أمام مأزق دفاعي متصاعد، مما يحتم عليها البحث عن بدائل لسد الفجوة في ظل تراجع اليقين بالضمانات الأمريكية. تتحرك القارة الأوروبية في اتجاهين لمعالجة هذا الوضع: أولاً، زيادة المشتريات وتوسيع القاعدة الصناعية لضمان قدرة إنتاجية تسمح بتعويض الاستهلاك في حال اندلاع حرب طويلة. ثانياً، إعادة تصميم “العمارة الدفاعية” نفسها داخل أجواء القارة.

“المنظومات مثل باتريوت لا تعمل كسلاح منفرد يُوجَّه نحو هدف ويُطلق، بل هي نظام متكامل يشبه في بنيته غرفة عمليات متحركة. تبدأ العملية برادارات بعيدة المدى ترصد التهديد، ثم يتولى مركز القيادة تحليل طبيعة الهدف وحساب مساره وسرعته، قبل أن تُطلق صواريخ اعتراضية متخصصة. إنها عملية معقدة تتطلب دقة فائقة، تشبه محاولة إصابة رصاصة برصاصة أخرى في الهواء.

تتميز باتريوت بقدرتها على التعامل مع طيف واسع من التهديدات، من الطائرات والصواريخ الجوالة (كروز) إلى الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، بل وحتى الصواريخ الفرط صوتية. هذا التنوع في المهام، إلى جانب سجلها القتالي الممتد، يجعلها حجر الزاوية في منظومات الدفاع الجوي لدى الناتو.

مفيد أمام المُسيّرات.. عاجز أمام الباليستي

يواجه الأوروبيون تحدياً في إيجاد نظام دفاعي منفرد قادر على تغطية كافة المهام، فكل نظام مصمم لمواجهة نوع معين من التهديدات. يُعدُّ نظام “أيريس-تي إس إل إم” (IRIS-T SLM) الألماني فعالاً للغاية وبتكلفة معقولة ضد الأهداف الهوائية المتحركة مثل الطائرات والمُسيَّرات وصواريخ كروز، وقد حقق نجاحات ملحوظة في أوكرانيا. طورت شركة “ديهل ديفنس” (Diehl Defence) هذا النظام لزيادة إنتاجه.

يتكون نظام “أيريس” من رادار متعدد المهام، مركز عمليات تكتيكي، ومنصات إطلاق. الرادار قادر على كشف الأهداف وتتبعها بزاوية 360 درجة، بينما يحلل مركز العمليات المعلومات لتحديد نوع التهديد وسرعته ومساره. تُطلق الصواريخ من منصات تحمل كل منها 8 صواريخ جاهزة للإطلاق العمودي، مما يسمح بسرعة الاستجابة والتعامل مع أهداف متعددة.

تعتمد صواريخ “أيريس” الاعتراضية على توجيه بالأشعة تحت الحمراء عالي الدقة وقدرة عالية على المناورة، مما يفسر فعاليتها ضد المُسيَّرات وصواريخ كروز. ومع ذلك، يواجه النظام صعوبة في اعتراض الصواريخ الباليستية بسبب سرعتها الهائلة ومسارها شبه العمودي، والذي يترك وقتاً قصيراً جداً للاكتشاف والاعتراض.

وبالمثل، يعتمد نظام الدفاع الجوي النرويجي الأمريكي “ناسامز” (NASAMS) على بنية مشابهة، ولكنه يفتقر، مثل “أيريس”، إلى القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية، مما يحد من دوره ضمن منظومة دفاع جوي متكاملة.

إدارة التكلفة القتالية

في المقابل، يُعدُّ نظام الدفاع الجوي الفرنسي الإيطالي “سامب/تي” (SAMP/T) الأقرب أوروبياً إلى منظومة باتريوت، حيث يوفر نطاقاً أوسع من القدرات. صُمم للتعامل مع طيف كامل من التهديدات، بما في ذلك الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمُسيَّرات والطائرات، ضمن شبكة دفاع متكاملة قادرة على الاشتباك مع أهداف متعددة.

يصل مدى الاشتباك لصواريخ “سامب/تي” إلى أكثر من 150 كيلومتراً، مدعوماً برادار متعدد المهام قادر على كشف الأهداف على مسافات تصل إلى نحو 350 كيلومتراً، مما يمنحه قدرة إنذار مبكر متقدمة. أظهر النظام فعاليته في الحرب الأوكرانية، بما في ذلك اعتراض مقاتلة روسية في مارس/آذار 2025.

يتكون النظام من عدة وحدات مترابطة، تشمل ما يصل إلى 48 صاروخاً جاهزاً للإطلاق، مع قدرة على الانتشار السريع والإطلاق الفعال خلال حوالي 15 دقيقة. يتمتع “سامب/تي” بتوافق كامل مع أنظمة الناتو، مما يجعله قابلاً للدمج ضمن الشبكات الدفاعية القائمة.

تسعى الدول الأوروبية لبناء شبكة دفاع متعددة الطبقات تتكون من طبقة قريبة المدى للمُسيَّرات منخفضة التكلفة، وطبقة متوسطة للصواريخ الجوالة والطائرات، وطبقة بعيدة المدى لمواجهة الصواريخ الباليستية. يوفر هذا التوزيع للأدوار درجة أعلى من الأمان والفعالية، وهو أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية، حيث يهدف إلى مواءمة تكلفة الاعتراض مع طبيعة التهديد.

“سامب/تي” في مواجهة “باتريوت”

على المستوى التقني، يتميز “سامب/تي” بتصميم راداري يوفر تغطية كاملة بزاوية 360 درجة، مما يمنح المنظومة قدرة التعامل مع تهديدات قادمة من عدة اتجاهات في آن واحد. تعتمد النسخة الفرنسية على رادار “غراوند فاير” (GF300) الذي يعمل في “نطاق إس” (S-band) المنخفض التردد، وهو مناسب للإنذار المبكر ورصد التهديدات البعيدة. أما النسخة الإيطالية فتعتمد على رادار “كرونوس” (Kronos) الذي يعمل في “النطاق الترددي سي” (C-band)، لرسم صورة أدق للهدف وتمييز نوعه وحجمه على مدى أقصر.

في المقابل، يواجه رادار “باتريوت” قيوداً في زاوية التغطية، مما يفرض نشر البطاريات بطريقة متداخلة. ورغم أن رادارات “الاستشعار الدفاعي الجوي والصاروخي منخفض المستوى” (LTAMDS) الحديثة تعالج هذه المشكلة وتوفر تغطية 360 درجة، إلا أن انتشارها الواسع قد لا يكتمل قبل عام 2032.

يحتفظ “باتريوت” بتفوق نسبي في اعتراض الصواريخ الباليستية عالية السرعة والمناورة، ويرتبط ذلك بآلية الاعتراض التي تعتمد على الاصطدام المباشر بالهدف. في حين يستخدم “سامب/تي” أسلوب “التفجير القريب بالشظايا”، حيث ينفجر الصاروخ على مسافة محسوبة منه، مطلقًا سحابة كثيفة من الشظايا تُدمر الهدف، مما يمنحه هامش خطأ أكبر ومرونة أعلى.

ومع ذلك، يواجه كلا النظامين قيوداً في القدرة على الإنتاج الكمي. ظهرت مؤشرات عام 2025 على نقص في صواريخ “أستر 30″، ما يكشف أن التحدي يتعلق بالقدرة على تغذية المنظومة واستدامتها في سياق حرب طويلة. تسعى أوروبا إلى تقليل الاعتماد المفرط على واشنطن وبناء قدرات موازية، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة الاستغناء عنها.

شارك المقال
اترك تعليقك