في خضم التصريحات المتناقضة حول السياسة الخارجية الأمريكية، يبرز دور إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات، كصانع إستراتيجية مؤثر. ينحدر كولبي من عائلة لها تاريخ طويل في آسيا، حيث أمضى طفولته في اليابان، بينما خدم جده، وليام كولبي، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق، في الصين وفيتنام. هذه الخلفية الأسرية والتاريخية تمنح كولبي رؤية استراتيجية فريدة تركز على الصين كـ “رهان أمريكا الأكبر” في التنافس العالمي.
استراتيجية المنع: رؤية إلبريدج كولبي لمواجهة الصين
في كتابه “استراتيجية المنع: الحرب الأمريكية في عصر صراع القوى العظمى”، يطرح إلبريدج كولبي رؤية شاملة لكيفية الحفاظ على الهيمنة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب. يؤكد كولبي أن عصر الأحادية القطبية قد انتهى مع صعود الصين، وأن الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية جديدة لمواجهة هذا التحدي المتنامي. يرى كولبي أن اندلاع حرب كبرى أصبح احتمالاً وارداً، وأن الاستعداد لهذه الحرب هو السبيل الأمثل للحفاظ على السلام.
يستند كولبي في تحليله إلى فكرة أن منع أي دولة أخرى من بسط سيطرتها على منطقة رئيسية في العالم هو هدف استراتيجي حيوي للولايات المتحدة. هذه السيطرة، بحسب رؤيته، تمنح الدولة قوة تسمح لها بالتأثير على النظام الدولي بشكل يتجاوز حدودها الإقليمية، مما يضر بالمصالح الأمريكية. تعتبر آسيا، وفقاً لكولبي، المنطقة الأكثر أهمية نظراً لحجم ناتجها الإجمالي والنمو الاقتصادي والتكنولوجي الذي تشهده، وبالتالي، فإن السيطرة عليها تحمل أهمية قصوى لأي قوة عالمية.
ويرتب كولبي المناطق الجغرافية حسب أهميتها الاستراتيجية، واضعاً آسيا في المقدمة، تليها أوروبا، ثم أمريكا الشمالية. أما منطقة الخليج العربي، فيشير إلى أهميتها المتعلقة بالطاقة، لكنه يضعها في مرتبة أقل من آسيا وأوروبا من حيث التأثير المباشر على الأمن والازدهار الأمريكي. وتأتي مناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى في مراتب أدنى.
في ضوء هذا التصنيف، يرى كولبي أن منع الصين من تحقيق هيمنة داخل آسيا يجب أن يكون الهدف الرئيسي للولايات المتحدة. ويشدد على أن هذا المنع يجب أن يشمل الدول التي لديها طموحات هيمنة محتملة، وليس فقط تلك التي تعلن عنها صراحة، مؤكداً أن نوايا الدول يمكن أن تتغير بسرعة.
مواجهة الهيمنة الصينية: استراتيجية التحالفات والشراكات
يقترح كولبي أن الحل يكمن في بناء توازنات قوى إقليمية مواتية للمصالح الأمريكية. يرى أن تحالفاً قوياً يضم اليابان والهند يمكن أن يكون حجر الزاوية في مواجهة النفوذ الصيني، مع دعم الولايات المتحدة كقوة موازنة خارجية. ويحذر من محاولات الصين لتفكيك التحالفات الأمريكية أو إضعافها.
يؤكد كولبي على أهمية الوفاء بالالتزامات الأمنية كمعيار لمصداقية التحالفات الأمريكية، لكنه يدعو إلى إعادة تقييم هذه الالتزامات. ويرى أن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى التراجع عن بعض التعهدات الأقل أهمية لتعزيز قدرتها على الوفاء بالالتزامات الأكثر حيوية، خاصة في آسيا. يعتبر الدفاع عن تايوان اختباراً حاسماً لهذه المصداقية، وأن فشل الولايات المتحدة في الدفاع عنها سيقوض ثقة الحلفاء.
يقدم كولبي رؤية لإستراتيجية أمريكية مضادة ترتكز على حرمان الصين من تحقيق شروط النصر، خاصة فيما يتعلق بمسألة تايوان. يقترح جعل مضيق تايوان “ساحة اصطياد” للسفن الصينية، وشن ضربات على الأراضي الصينية لرفع تكلفة الحرب. كما يدعو إلى تعزيز إدراك الحلفاء لمخاطر الصين وتشجيعهم على مواجهة التحدي الآن بدلاً من الانتظار.
روسيا وحلف الناتو: إعادة توزيع الأعباء
في سياق آخر، يتناول كولبي العلاقة مع روسيا وحلف الناتو، حيث يرى أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة قد انتهت، وأن الحلف بحاجة إلى إعادة تشكيل. يقسم كولبي تاريخ الناتو إلى ثلاث مراحل، معتبراً أن “الناتو 3.0” يتطلب من أوروبا تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها التقليدي، خاصة في مواجهة التهديد الروسي، بينما تركز الولايات المتحدة على مسرح المحيطين الهندي والهادئ.
يؤكد كولبي على ضرورة تجنب الانخراط في حروب ثانوية تستنزف الموارد الأمريكية، مثل التدخل في الشرق الأوسط، ما لم تخدم مصالح أمريكية مباشرة ومحددة. ويدعو إلى تركيز الجهود والموارد على التحدي الرئيسي المتمثل في الصين، مع التأكيد على الحاجة إلى موازنة دقيقة بين الاستجابة للأزمات المختلفة والتركيز على التنافس الاستراتيجي مع القوى الكبرى.
ماذا بعد؟
تثير استراتيجية إلبريدج كولبي تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على تنفيذها وسط التحديات الاقتصادية والسياسية المتزايدة. سيشكل مدى استجابة الحلفاء في آسيا، وقدرة الولايات المتحدة على تحقيق توازن بين الالتزامات الإقليمية وتجنب الاستنزاف، مؤشرات رئيسية لنجاح هذه الرؤية الاستراتيجية.