يشكل فهم العلاقة الجدلية بين الفيلسوف الفرنسي رينيه جيرار ورجل الأعمال والمستثمر الشهير بيتر ثيل مفتاحاً لفهم صعود اليمين التكنولوجي الجديد في الولايات المتحدة. جيرار، بخلاف كونه فيلسوفاً، يمثل مرجعاً فكرياً أساسياً لجيل من المفكرين والفاعلين السياسيين، أبرزهم ثيل، الذي يعتبر أحد “الأبناء البارّين” فكرياً لأستاذه.
التقى ثيل بجيرار لأول مرة في جامعة ستانفورد أواخر الثمانينيات. هذا اللقاء لم يغير حياة ثيل وحده، بل أثر في تيار واسع من الشباب الذين كانوا يبحثون عن تفسيرات جديدة للعالم الحديث المتشظي. تميز جيرار بأسلوبه الفلسفي المكثف والمبتكر، مما جذب ثيل، وقدم لهما لغة لفهم الدين، النزاعات، والتنافس البشري.
الرغبة والمحاكاة: أساس الفكر الجيراردي
ينظر إلى جيرار كشخصية فريدة في الفكر المعاصر، حيث قدم نظرية شاملة في الأنثروبولوجيا واللاهوت تركز على أصول الرغبة والعنف. على الرغم من أن أفكاره لم تلقَ رواجاً كبيراً في فرنسا إلا في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها اكتسبت زخماً قوياً في الولايات المتحدة، خاصة بين الأوساط الفكرية التي تبحث عن تفسيرات لأزمات المجتمع الحديث.
تتمحور نظرية جيرار حول مفهوم “الرغبة المحاكية”، التي يرى فيها أن الرغبة الإنسانية ليست فطرية، بل هي نتاج تقليد ورغبات شخص آخر. يفسر جيرار أن هذا النوع من الرغبة، خاصة عندما يكون “النموذج” قريباً من الذات (“الوساطة الداخلية”)، غالباً ما يؤدي إلى التنافس والصراع، حيث يتحول الهدف إلى أن يصبح المرء هو “النموذج” بدلاً من السعي وراء الموضوع المرغوب.
عندما يتصاعد هذا التنافس، يصل المجتمع إلى حالة “اللاتمايز” أو “العدوى المحاكاتية”، حيث تتلاشى الفروقات وتصبح الهوية الجماعية مهددة بالانهيار. في هذه المرحلة، يظهر خطر “فوضى شاملة” يمكن أن تدمر النسيج الاجتماعي.
آلية كبش الفداء: الحل الاجتماعي القديم
لمعالجة هذه الفوضى، طرح جيرار “آلية كبش الفداء”. عندما يصل التنافس المحاكي إلى ذروته، يتحد المجتمع ضد ضحية واحدة، “كبش الفداء”، التي تُحمّل مسؤولية كل المشاكل. هذا الفعل الجماعي، الذي يغيّر طبيعة العنف من “الكل ضد الكل” إلى “الكل ضد الواحد”، يؤدي إلى استعادة السلام المؤقت وتطهير اجتماعي.
يُشير جيرار إلى أن هذه الآلية كانت أصل العديد من الممارسات الدينية القديمة، مثل الطقوس التضحوية والأساطير. ولكن، مع ظهور الأديان التوحيدية، تم كشف “كذب” هذه الآلية، خاصة من خلال إبراز براءة الضحايا. وهذا الكشف، الذي يعتبره جيرار “السقوط كبرق” للشيطان، أدى إلى إضعاف قدرة آلية كبش الفداء على استعادة النظام في العصر الحديث.
نتيجة لذلك، حذر جيرار في سنواته الأخيرة من “مأزق أبوكاليبتي” قائلاً إن العالم الحديث يفتقر إلى الوسائل “المقدسة” لاحتواء العنف المتصاعد. فالعولمة قللت من قدرة المجتمعات على تصدير عنفها أو إيجاد “خارج” للتخلص من “كبش الفداء”، مما يجعل العنف يرتد إلى الداخل ويتصاعد نحو مواجهة شاملة.
“حجر الفلاسفة” عند بيتر ثيل
وجد بيتر ثيل في فلسفة جيرار “حجر الفلاسفة” الذي مكنه من تحويل المفاهيم الفلسفية إلى استراتيجيات عملية في مجالي المال والتكنولوجيا. يتجلى ذلك بوضوح في كتابه “من الصفر إلى الواحد”، حيث يجادل بأن الابتكار الحقيقي يأتي من تخطي المنافسة، التي يرى أنها نتاج “التشابه” الشديد وليس الاختلاف.
يطبق ثيل مفهوم “كبش الفداء” على عالم الأعمال، حيث يمكن للمؤسسين أن يصبحوا أبطالاً أو كباش فداء بناءً على نجاحاتهم أو إخفاقاتهم. كما استثمر في شركات مثل فيسبوك، مدركاً كيف يمكن استغلال “الرغبة المحاكية” لتحقيق الربح. لكن ثيل لم يقتصر على الجانب التجاري، بل أصبح محرضاً أيديولوجياً، مستخدماً رؤية جيرار “القيامية” لبناء أيديولوجيا تتجاوز الليبرالية.
تأثير جيرار على اليمين التكنولوجي الجديد
أصبح إطار جيرار الفكري أساسياً لما يُعرف بـ “اليمين الجديد” في الولايات المتحدة، والذي ظهر بوضوح مع صعود دونالد ترامب. يعتمد هذا التيار الفكري، الذي يعد ثيل وجي دي فانس (نائب الرئيس الأمريكي الحالي) من رواده، على رؤية العالم كعالم عالق في دوامات التقليد والمحاكاة، لا يمكن حل أزماته إلا بحدث “مزعزع”.
يُطبق فانس، المدعوم مالياً وفكرياً من ثيل، رؤى جيرار على الصراع الثقافي واللاهوت، حتى أنه اعتنق الكاثوليكية. يرى ثيل وفانس في سلوك ترامب وتجاوزاته للأعراف “حجراً للعثرة” يكشف زيف النخب ويعجّل بانهيار النظام الليبرالي. هذا المنظور يتيح استغلال “مظلومية” قاعدة ترامب ودفعهم نحو تبني رؤية “خلاصية” لدوره.
يعتمد اليمين الجديد على طاقة “كارثية” مفادها أن “نهاية التاريخ” الليبرالية قد ولّت، وأن التنافس يرتد إلى الداخل بفعل العولمة. ولذلك، يسعون إلى إغلاق الحدود وتصعيد الحمائية، لخلق “خارج” يستوعب هذا الفائض من العنف. يحولون فلسفة جيرار التي تسعى لفهم العنف ونبذه، إلى أداة لتغذية الصراع.
يثير هذا الاستخدام لفكر جيرار تساؤلات حول ما إذا كان الفيلسوف سيعلن براءته، أم سيجد في بيتر ثيل “عقبة” لا مفر منها أمام شيوع أفكاره خارج حدود اليمين المتطرف. ما حدث لأفكار جيرار يبدو كـ “اختطاف” لها، حيث تحولت من أداة لفهم العنف ونبذه إلى استراتيجية سياسية لتبرير السلطوية.
ماذا بعد؟
سيستمر النقاش حول مدى تأثير فلسفة رينيه جيرار على المشهد السياسي الأمريكي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات. يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجيات المبنية على “الحجر الجيراردي” ستؤدي إلى نظام سياسي جديد، أم إلى تفكك كارثي في ظل عجز عن تقديم بديل بناء. سيتطلب المستقبل مراقبة الحركات السياسية التي تستلهم هذا الفكر، ومدى قدرتها على تغيير مسار السياسة الدولية.