لطالما اشتهرت مدينة نيويورك بمعالمها الأيقونية، من تمثال الحرية الشامخ إلى ناطحات السحاب التي تزين أفق مانهاتن. هذه المدينة، التي تعد مركزًا عالميًا للمال والأعمال، تحتضن أيضًا مقر الأمم المتحدة، مما يجعلها نقطة التقاء دولية. حتى عشاق الرياضة يربطون اسم نيويورك بفرق شهيرة في كرة القدم الأمريكية وكرة السلة، بالإضافة إلى فريق البيسبول الأسطوري، نيويورك يانكيز.
تُظهر أفلام هوليوود الشهيرة، مثل “ذئب وول ستريت” و”العراب”، بالإضافة إلى المسلسلات الكوميدية مثل “الأصدقاء”، جوانب مختلفة من حياة نيويورك. مدينة نيويورك، التي تضم أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل، تحمل عبق التاريخ والثقافة المتنوعة، وهو ما يتجلى في اختياراتها السياسية.
الدين والسياسة في أمريكا: مفارقات وتوازنات دستورية
وسط الانقسام السياسي في الولايات المتحدة، الذي يتراوح بين الدعم التاريخي لإسرائيل وتنامي التعاطف مع القضية الفلسطينية، أظهرت مدينة نيويورك قدرة لافتة على استيعاب التنوع. فقد اختارت المدينة لتوها عمدة مسلماً، زهران ممداني، وهو مهاجر من خلفية محافظة، ولكنه يحمل مواقف تقدمية ويتسم ببعض الانتقادات تجاه الحكومة الإسرائيلية. اللافت أن انتخابه جاء بدعم من شريحة واسعة من سكان نيويورك، بما في ذلك نسبة من الناخبين اليهود، مما يعكس نضجًا سياسيًا وقدرة على تجاوز الانقسامات.
يأتي هذا التطور اللافت في نيويورك ليضع سياقاً هاماً للمشهد السياسي الأمريكي الأوسع. ففي الوقت الذي ينتخب فيه الناخبون المسلم ممداني لمنصب العمدة العريق، يعود الرئيس الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مدعومًا بقاعدة انتخابية واسعة من المسيحيين البيض المتدينين. هذه الثنائية بين نيويورك وواشنطن، بين العمدة المسلم والرئيس المحافظ، تجسد المفارقة الواضحة حول العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة.
في واشنطن، نجد تزايدًا في الاستعانة بالخطاب الديني في السياسة الخارجية، حيث يتم استدعاء القساوسة للصلاة مع الرئيس، وتستخدم لغة دينية حادة في الحديث عن المواجهات الدولية. كما تصل تقارير عن جنود أمريكيين يصفون الصراعات بأنها “حرب إلهية” أو جزء من “معركة نهاية الزمان”. هذه الظواهر قد تثير الالتباس حول دور الدين الحقيقي في السياسة الأمريكية.
إن العلاقة بين الدين والسلطة في الولايات المتحدة ليست دائمًا واضحة، لكنها مدفوعة بعقد اجتماعي وسياسي تأسس قبل حوالي 240 عامًا. وضع الآباء المؤسسون للولايات المتحدة أسسًا دستورية حاسمة تنظم العلاقة بين الدين والدولة، محدّدة بدقة الحدود الفاصلة بين المجال العام والمجال الديني.
يهدف هذا المقال إلى تتبع قصة الدين في الدستور الأمريكي، وكيف سعى النظام السياسي الأمريكي إلى حماية الدولة من أي هيمنة دينية، مع ضمان في الوقت ذاته حضور الدين الفعال في المجتمع. على عكس بعض الدول الأوروبية التي اتجهت نحو “اللادينية” تدريجيًا، بقي الدين حاضرًا بقوة في الحياة العامة والاجتماعية في الولايات المتحدة.
من الجدير بالذكر أن هذا المقال سيركز على الإطار الدستوري الأمريكي والسياسات التي أسسها، وليس على الأفراد الذين يشغلون المناصب. فالأشخاص والسياسات تتغير، وقد تكون محل خلاف، أما النظام الدستوري فقد أثبت قدرًا كبيرًا من الاستقرار والنجاح في إدارة هذا التوازن الدقيق.
شتاء فيرجينيا: الفضيلة بين الحرية والقانون
تُقاس قيمة النصوص الدستورية بمدى قدرتها على الصمود أمام تحديات الزمان، والتكيف مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والأمنية، دون المساس بقيم المجتمع الأساسية. كما تُقاس بقدرتها على الحد من تجاوزات الدولة دون إعاقة تقدمها. وتزداد قيمة الدستور كلما نجح في تقديم إجابات للأسئلة الجوهرية المتعلقة بالهوية والدين والسلطة.
يُعد الدستور الأمريكي أقدم وثيقة دستورية لا تزال سارية المفعول في العالم. لقد سمح لدولة اتحادية بالتوسع، وتجاوز حرب أهلية وصراعات داخلية وحربين عالميتين، والتكيف مع تحولات علمية واقتصادية هائلة. ظلت “نحن الشعب” التي كتبت قبل 240 عامًا، نظامًا سياسيًا قويًا ورصينًا.
بدأت قصة هذا الدستور في شتاء عام 1784، في فيرجينيا، التي كانت الولاية الأكثر نفوذًا وتأثيرًا بين المستعمرات البريطانية. كانت الولاية تمر بارتدادات الثورة الأمريكية، التي اندلعت عام 1775 وانتهت رسميًا عام 1783. لم تكن الثورة مجرد انفصال سياسي عن بريطانيا، بل كانت قطيعة مع نظام الامتيازات الملكية والدينية المرتبطة به.
كانت الكنيسة الأنغليكانية هي الكنيسة الرسمية في فيرجينيا قبل الاستقلال، وتتلقى دعمًا ماليًا عبر الضرائب. مع انهيار الحكم الملكي، لم تعد هناك كنيسة رسمية مفروضة قانونيًا. لكن سؤالًا أعمق برز: كيف تُحفظ الفضيلة العامة في جمهورية بلا كنيسة رسمية؟ وهل تحتاج الأخلاق إلى سند قانوني جديد بعد زوال الإطار القديم؟
في هذا السياق، ظهر باتريك هنري، الخطيب الثوري، الذي آمن بأن الدولة إذا لم تدعم الدين، فإنها تضعف نفسها. اقترح هنري مشروع قانون يفرض ضريبة عامة لدعم “معلمي الدين المسيحي”، مع منح دافع الضريبة حرية اختيار الطائفة المستفيدة. لم يكن هدفه إعادة الكنيسة الأنغليكانية رسميًا، بل إيجاد صيغة تضمن بقاء الفضيلة الدينية عنصرًا مؤثرًا في الحياة العامة.
لكن الإكراه، حتى لو كان مقنعًا، يقتل صدق الإيمان. بين من آمن بذلك كان جيمس ماديسون، الذي جادل بأن الإيمان علاقة بين الإنسان وربه، وأن فرض ضريبة يجعل الدولة وصية على الضمير. لم يكن ماديسون خصمًا للدين، بل رأى أن قوته تكمن في حريته.
على نفس الخط، برز توماس جيفرسون، كاتب إعلان الاستقلال. صاغ جيفرسون قبل سنوات مشروع “قانون فرجينيا للحرية الدينية”. كتب جيفرسون أن الحقوق المدنية لا يجوز أن تعتمد على المعتقد الديني، وأنه لا يُجبر أحد على دعم جهة دينية. كان جيفرسون وماديسون حليفين فكريين في هذه المسألة.
في عام 1786، سقط مشروع هنري، وأُقر قانون جيفرسون للحرية الدينية. انتهى النقاش لصالح رؤية ماديسون وجيفرسون، مما يعني أن فيرجينيا اختارت عدم إعادة إنتاج صيغة الكنيسة الرسمية، وعدم استخدام الضرائب كأداة لحماية الفضيلة العامة. لم يكن هذا إعلانًا بعدم أهمية الأخلاق أو الإيمان، بل انتقالًا إلى تصور مختلف لكيفية صون الفضيلة في مجتمع جمهوري حديث.
حين رفض الدستور اختبار الإيمان
في صيف عام 1787، اجتمع مندوبو الولايات في فيلادلفيا. كان النقاش يدور حول شكل السلطة التنفيذية وتوازن الصلاحيات، ولم يتطرق شكل مباشر إلى الحريات العامة. لكن بندًا قصيرًا سيُدرج في المادة السادسة سيحمل دلالة بعيدة المدى.
في إنجلترا، سادت لقرون “قوانين الاختبار”، التي اشترطت الانتماء إلى الكنيسة الأنغليكانية لتولي المناصب العامة، مما أقصى أتباع الطوائف الأخرى. كانت هذه التجربة، والصراعات الدينية الحادة في أوروبا، سبباً في حذر واضعي الدستور الأمريكي من الدين الرسمي أو الاختبار الديني.
اقترح تشارلز بينكني، مندوب شاب من كارولاينا الجنوبية، نصًا يمنع اشتراط أي اختبار ديني لتولي المناصب الفيدرالية. كان بينكني سياسيًا عمليًا، حريصًا على بناء اتحاد وطني لا يُقصى فيه أحد بسبب عقائده. في 30 أغسطس، صيغ النص النهائي في الدستور: “لا يُشترط أي اختبار ديني كشرط لتولي أي منصب أو وظيفة عامة تحت سلطة الولايات المتحدة”.
كان المناخ الأمريكي العام بعد الثورة أقل تعصبًا مما كان عليه في أوروبا. اجتمع هذا البند مع الاعتراف بوجود تنوع ديني عملي في المجتمع الأمريكي. رأى البعض، مثل روجر شيرمان، أن النص قد يكون “غير ضروري” نظرًا لـ “الليبرالية السائدة”. ومع ذلك، لم يعارض شيرمان إدراجه، وتم إقراره بأغلبية واضحة.
غير أن النقاشات لم تخلُ من معارضة. عبّر معارضون عن خشيتهم من أن يسمح غياب الاختبار الديني بوصول “يهود أو أتراك أو محمديين” إلى أعلى المناصب. عكست هذه العبارات تصورًا بأن الدولة الجمهورية يجب أن تبقى ذات هوية مسيحية واضحة.
في ولاية ماساتشوستس، تساءل البعض ما إذا كان البند ابتعادًا عن الإرث “البيوريتاني” الذي ربط الحكم بالإيمان. كانت ماساتشوستس قد تأسست على يد البيوريتان، الذين رأوا تلازمًا وثيقًا بين الإيمان والنظام السياسي.
في مواجهة هذه المخاوف، قدم مؤيدو البند حججًا أعمق. جيمس إيريدل، المحامي من كارولاينا الشمالية، قال إن الاختبارات الدينية لا تضمن الفضيلة، بل قد تشجع على النفاق. وأكد أوليفر إلسورث، لاحقًا رئيس المحكمة العليا، أن القسم على الدستور كافٍ سياسيًا، وأن الضمان الحقيقي يكمن في نظام انتخابي يتيح للناخبين اختيار من يثقون به.
بهذا المعنى، لم يكن بند “لا اختبار ديني” إعلانًا بأن الدين غير مهم، بل نقل لمعيار الشرعية السياسية من العقيدة إلى الدستور، ومن الفحص اللاهوتي إلى قرار الناخبين. لقد رأى المؤسسون أن المجتمع يستطيع أن ينتخب من يشاء، والدولة الاتحادية لن تضع نفسها في موقع الحكم على صدق الإيمان.
التعديل الأول: الحرية في سطر واحد
عندما أُقرّ الدستور عام 1788، لم يكن هناك وثيقة حقوق. جادل ألكسندر هاملتون بأن إدراج وثيقة حقوق قد يكون غير ضروري، لأن الحكومة الفيدرالية لا تملك إلا الصلاحيات المحددة لها. لم تحتاج إلى نص يمنعها من ممارسة سلطات لم تُمنح لها.
أما جيمس ماديسون، فدعم فكرة إضافة وثيقة حقوق، وقاد صياغتها في الكونغرس استجابة لمخاوف الولايات والرأي العام، خاصة بشأن حرية الضمير والدين.
في 8 يونيو 1789، قدم ماديسون مسودته الأولى، التي نصت على أن “الحقوق المدنية لأي إنسان لا يجوز أن تُنتقص بسبب معتقده الديني… ولا يجوز إقامة دين وطني”. أثارت هذه الصياغة نقاشًا حول ما إذا كانت تعني منع أي دعم رمزي للدين.
تبرزت فكرة التأكيد على حرية ممارسة الدين. اقترح فيشر أميس صياغة أقصر تتضمن عبارة “حرية ممارسة الدين”. وجرت تبسيطات إضافية، قبل أن يُعاد تشكيل النص في لجنة مؤتمر مشتركة.
كما رأى بعض الأعضاء أن الصيغة قد تترك الباب مفتوحًا لتفضيل طائفة دون إعلانها كنيسة رسمية. لذلك، عُدلت الصياغة لاحقًا لتصبح أوسع: “لا يسنّ الكونغرس قانونًا فيما يتعلق بإقامة دين”.
أخيرًا، استقرت الصيغة النهائية لافتتاحية التعديل الأول على عبارة موجزة لكنها مفتوحة على التفسير: “لا يسنّ الكونغرس قانونًا فيما يتعلق بإقامة دين، أو يمنع حرية ممارسته”.
في كلمات قليلة، صاغ واضعو الدستور مبدأ بالغ الاتساع. حملت هذه الجملة تصورًا عميقًا لحرية الضمير والمعتقد، وتركت المجال مفتوحًا للمجتمع ليعيش تنوعه الديني خارج سلطة الدولة.
التعديل الرابع عشر والجدل المستمر
قيّد التعديل الأول الكونغرس فقط. لكن التحول الكبير جاء بعد الحرب الأهلية، مع إقرار التعديل الرابع عشر عام 1868، الذي نص على أن أي ولاية لا يجوز لها أن تحرم أي شخص من “الحرية” أو “الحماية المتساوية للقوانين”.
عبر تطور الاجتهاد القضائي في القرن العشرين، اعتبرت المحكمة العليا أن حرية الدين جزء من هذه “الحرية” المحمية. أصبح بندا “عدم إقامة دين” و”حرية الممارسة الدينية” ملزمين للولايات.
من هنا، انتقل النقاش إلى ساحة القضاء الدستوري. في قضية إيفرسون ضد مجلس التعليم عام 1947، قررت المحكمة أن بند عدم إقامة دين ينطبق على الولايات.
في قضية إنجل ضد فيتال عام 1962، رأت المحكمة أن صلاة مدرسية رسمية تتعارض مع الدستور. لم تنهِ هذه الأحكام الجدل، بل نقلته إلى مستوى أعمق حول حدود الحياد الدستوري.
في العقود التالية، استمرت القضايا المتعلقة بتمويل المدارس الدينية، والرموز في الفضاء العام، والإعفاءات الدينية. أحيانًا مال التفسير نحو تشديد الفصل، وأحيانًا نحو توسيع حماية حرية الممارسة.
الدستور في وجه العواصف السياسية
هذه المواد الدستورية لم تبقَ نصوصًا نظرية، بل شكلت إطارًا عمليًا للحياة السياسية الأمريكية. منذ القرن التاسع عشر، دخل يهود إلى الكونغرس، ثم عُيّن قضاة يهود في المحكمة العليا، وانتُخب أول رئيس كاثوليكي عام 1960. وفي العقود الأخيرة، انتُخب مسلمون في مجلس النواب، ووصل زهران ممداني المسلم إلى رئاسة بلدية نيويورك.
لم تكن هذه التطورات دائمًا موضع ترحيب كامل. ظهرت حملات سياسية وإعلامية قوية ضد بعض المسؤولين المنتمين إلى ديانات غير مسيحية. شهدت البلاد وصول رؤساء ومسؤولين ذوي توجهات راديكالية أو خطاب ديني حاد.
ومع ذلك، ظل الإطار الدستوري نفسه قائمًا. لا يمكن فرض اختبار ديني، ولا يمكن إقصاء مرشح بسبب عقيدته. هذه الحماية لا تخدم الأقليات الدينية وحدها، بل تحمي حق جميع المواطنين في اختيار من يثقون به.
لم تُغلق “الجدل حول موقع الدين في الدولة”، بل أصبح جزءًا دائمًا من الحياة الدستورية الأمريكية. مع كل موجة سياسية جديدة، يعود السؤال بصيغ مختلفة، فيما يبقى الدستور مرجعية يصعب تجاوزها.
لا يعني هذا أن الدستور يضمن نزاهة المسؤولين أو حكمة السياسات. فالتاريخ الأمريكي مليء بالنماذج السيئة. لكن قيمة الدستور تكمن في أنه إطار حكم مرن يمنح المجتمع أدوات للمراجعة والتصحيح. وقد واجه هذا الإطار في السنوات الأخيرة اختبارات صعبة.
ليست هذه القصة عن الولايات المتحدة بقدر ما هي عن مسار تطور فكري في فهم العلاقة بين المقدّس والسياسي. انطلقت من افتراض أن مكانة الدين لا ينبغي أن تُربط بأداء الحكومات أو بتقلبات الأحزاب. فقد رأى المؤسسون الأمريكيون أنه حين تتحول القيم الجامعة إلى أدوات في التنافس السياسي، فإنها تدخل مجالًا لا يشبهها.