جريمة على ضفاف النيل.. هل أصبح السودان “وكر” الكبتاغون العالمي الجديد؟

فريق التحرير

في منطقة الجيلي شمال الخرطوم، وعلى الضفة الشرقية لنهر النيل، كشفت وحدة استطلاع عسكرية سودانية خلال فبراير/شباط 2025 عن مصنع متكامل لتصنيع مادة الكبتاغون المخدرة. يأتي هذا الاكتشاف، الذي تعود آثاره إلى شهور سابقة حيث منعت قوات الدعم السريع الاقتراب من الموقع، في وقت تتفاقم فيه مخاوف تحول السودان إلى مركز جديد لإنتاج هذه المادة الخطرة على مستوى العالم.

داخل المباني الخرسانية المتآكلة، عثر الجنود على معدات إنتاج ضخمة، بما في ذلك مكابس خلاطات صناعية عملاقة، وأكياس لمكملات دوائية بيطرية تبين أنها تخفي مسحوقاً أبيض يستخدم في تصنيع الكبتاغون. لم يكن الموقع مجرد مخزن أو نقطة تهريب، بل خط إنتاج يعمل بكفاءة، قادر على ضخ ملايين الحبوب في السوق، بالقرب من مصفاة الجيلي النفطية.

ما الكبتاغون؟

الكبتاغون، أو الفينثيلين، هو مركب كيميائي بدأ استخدامه في صناعة الأدوية كبديل لمنشطات الجهاز العصبي المركزي في ألمانيا عام 1961. استُخدم في البداية لعلاج اضطرابات مثل نقص الانتباه وفرط الحركة وبعض حالات الاكتئاب. لكن مع مرور الوقت، تراكمت الأدلة على آثاره الجانبية الخطيرة، بما في ذلك الهلوسة والسلوك العدواني والإدمان.

بحلول الثمانينيات، خرج الكبتاغون من المجال الطبي القانوني ليصبح مادة متداولة في الأسواق غير المشروعة. ينتمي من حيث تأثيره الطبي إلى عائلة منشطات الجهاز العصبي المركزي، ويعمل على زيادة مستويات النواقل العصبية مثل الدوبامين، مما يمنح المتعاطي شعوراً بالنشاط والثقة بالنفس والقدرة على التحمل لساعات طويلة.

هذه الاستجابة العصبية، رغم جاذبيتها الأولية، تضع الأساس البيولوجي لخطورته، حيث يؤدي الاستخدام المزمن إلى ما يعرف بـ”التحمل الدوائي”، مما يتطلب جرعات أكبر لتحقيق التأثير نفسه. عند التوقف المفاجئ، تحدث أعراض انسحاب مرهقة تشمل التعب والاكتئاب والقلق، مما يجعل التعاطي هروباً من الانهيار الداخلي أكثر من كونه سعياً للمتعة.

تاريخ قصير في السودان

لم يكن وجود الكبتاغون في السودان أمراً مستجداً، فقد كان يُعدّ لفترة طويلة ممر عبور هامشياً لشحنات مخدرة متجهة من مناطق الإنتاج، خاصة سوريا، إلى أسواق استهلاكية مثل دول الخليج. تشير بيانات شرطة مكافحة المخدرات السودانية إلى ضبطيات كبيرة للكبتاغون في أعوام مثل 2010 و2014.

لكن نقطة التحول بدأت مع مداهمة أول مصنع موثق للكبتاغون في أبريل/نيسان 2015 بجبل أولياء جنوب الخرطوم، والذي كان يديره أجانب. وفي عام 2018، فككت السلطات منشأة أخرى في العاصمة. بين عامي 2015 و2025، تم توثيق 19 حادثة ضبط، منها أربع مداهمات لمختبرات، مما أشارت إلى تحول تدريجي نحو التصنيع المحلي، وإن كان بكميات محدودة في البداية.

الانهيار السوري وفراغ السوق

شهدت سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024 تغييراً سياسياً كبيراً مع دخول المعارضة دمشق وانهيار نظام الأسد. عُرفت سوريا في عهد الأسد بأنها “أحد أكبر دول المخدرات في العالم”، وشكلت نقطة انطلاق لغالبية الكبتاغون المتجه إلى أسواق الخليج. أشارت تقديرات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن 80% من عمليات ضبط الكبتاغون في المنطقة العربية بين عامي 2019 و2025 كانت تشير إلى سوريا كبلد المنشأ.

مع التغيير السياسي، تحركت الحكومة السورية الجديدة بقوة لتفكيك البنية التحتية للكبتاغون، لتعلن بحلول يونيو/حزيران 2025 عن تفكيك كبير لهذه الشبكات. إلا أن سقوط نظام الأسد لم يقضِ على اقتصاد الكبتاغون، بل أدى إلى تفكك مركزه التقليدي وإعادة توزيع شبكاته. اضطر المنتجون والمهربون إلى نقل خبراتهم ومعداتهم إلى ساحات أخرى أقل انكشافاً وأكثر هشاشة أمنياً.

أشار تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى بدء المهربين في إنشاء طرق جديدة عبر أوروبا وشمال أفريقيا. ويبدو أن السودان، بسبب هشاشته الأمنية وطبيعة الصراع الدائر فيه، قد ورث جزءاً كبيراً من هذه الشبكات التي تبحث عن بيئة مواتية لازدهارها.

حرب السودان وازدهار التصنيع

اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، مما أدى إلى تفكك الدولة وانهيار منظومات الأمن والجمارك في مناطق النزاع. في ظل هذا الانهيار، شهد تصنيع الكبتاغون المحلي توسعاً سريعاً وموثقاً. ففي يونيو/حزيران 2023، استولت السلطات على موقع إنتاج بطاقة 7200 حبة في الساعة، وفي أغسطس/آب 2024 صادرت شرطة الأمن الداخلي نحو 10 ملايين حبة. وتصاعد الأمر في فبراير/شباط 2025 مع تفكيك الجيش السوداني لمختبر الجيلي.

تُظهر هذه التطورات زيادة هائلة في القدرة الإنتاجية، حيث انتقلت المنشآت من إنتاج أقل من 10 آلاف حبة في الساعة إلى ما يقارب 100 ألف حبة في الساعة في غضون عامين. وقد شهد عام 2025 أكبر عمليات ضبط للمخدرات في تاريخ السودان. اللافت أن المعدات المكتشفة في الجيلي تشبه تلك التي شوهدت في مختبرات سورية، كما أن بعض مواد التغليف تم توجيهها إلى شركات سورية.

يعتبر الموقع الجغرافي للسودان، بساحله الطويل وصعوبة مراقبته، ممراً مباشراً وفعالاً عبر البحر الأحمر إلى الأسواق المستهدفة، وخاصة منطقة الخليج. تواصل السلطات السعودية والإماراتية تسجيل ضبطيات كبيرة للكبتاغون، مما يؤكد استمرار نشاط هذا الممر. كما تم ضبط شحنات كبيرة من الميثامفيتامين والهيروين قرب ميناء بورتسودان.

إذا دخل لا يخرج

غالباً ما يُعرف الكبتاغون بـ”كوكايين الفقراء” نظراً لسعره المنخفض مقارنة بتأثيره القوي. هذا العامل الاقتصادي يلعب دوراً حاسماً في انتشاره، حيث يمكن الحصول على المواد الكيميائية اللازمة لإنتاجه ومعداته بسهولة نسبية، ويمكن تصنيعه في معامل منزلية، مما يجعل مراقبة انتشاره أصعب بكثير مقارنة بالمخدرات النباتية.

على عكس المخدرات النباتية، لا يرتبط إنتاج الكبتاغون بأرض زراعية، مما يسمح بنقل عملية الإنتاج بسهولة. كما أن حجم الحبوب الصغير يجعل إخفاءها ونقلها أمراً يسيراً. هذه العوامل مجتمعة تجعل من الصعب اقتلاع هذه التجارة بمجرد تأسيسها.

المخدرات والحرب

هناك علاقة وثيقة بين تفكك الدولة وانتشار اقتصاد المخدرات، خاصة في أوقات النزاعات العسكرية. تؤدي عوامل مثل تعدد مراكز القوة، وضعف التنسيق الأمني، وانشغال الأجهزة العسكرية والأمنية بمهام قتالية، وصعوبة مراقبة الحدود، إلى تهيئة بيئة مواتية لازدهار تجارة المخدرات.

علاوة على ذلك، يخدم الكبتاغون سوقين رئيسيين: الشباب وفئات عمرية صغيرة، والمقاتلون في مناطق النزاع. يُطلق عليه أحياناً “الشجاعة الكيميائية” لدوره في تعزيز القدرة على التحمل والتغلب على الخوف. يشير الباحثون إلى أن الكبتاغون يمثل طفرة في استخدام المخدرات في أعمال العنف، بما في ذلك أعمال الشغب.

ومع انخفاض الدخل وارتفاع البطالة والتوتر النفسي الناتج عن الحرب، يزداد لجوء الأفراد إلى المخدرات كآلية للتكيف. يتفاقم الوضع مع اختلال البنية التحتية للدولة وانهيار خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، مما يضعف الاستجابة للمشكلة.

مشكلة العالم الكبيرة

يشكل الكبتاغون، كغيره من المخدرات المصنعة، أحد أكبر التحديات العالمية في مجال مكافحة المخدرات، نظراً لسهولة إنتاجه وتنقله. في عام 2023 وحده، استخدم حوالي 30 مليون شخص الأمفيتامينات، وشكلت هذه الفئة نصف جميع ضبطيات المخدرات الاصطناعية عالمياً.

تتسم شبكات تهريب المخدرات الحديثة باللامركزية، مما يجعل تفكيكها أمراً معقداً. كما تطورت أساليب التهريب لتشمل استخدام الطائرات المسيرة. تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تعاوناً عابراً للحدود وتبادلاً فورياً للبيانات بين السلطات المختصة. إن سوق المخدرات الاصطناعية المزدهر عالمياً يفرض تحديات مستمرة تتطلب جهوداً دولية متواصلة.

شارك المقال
اترك تعليقك