الفقه السياسي الشيعي: من الانتظار إلى ولاية الفقيه
نشأ الفقه السياسي الشيعي عند تقاطع ثلاثة أنماط من السلطة: السلطة اللاهوتية المستندة إلى مفهوم الإمامة، والسلطة السياسية للدولة، والسلطة الإمبريالية التي بدأت مفروضة منذ القرن التاسع عشر. لفهم هذا الفقه، لا بد من العودة إلى المعضلة الكبرى التي واجهت الشيعة الإمامية منذ عصر “الغيبة الكبرى” عام 329 هـ، وهي فترة غياب الإمام الثاني عشر. تمثلت هذه المعضلة في تحديد مصدر الشرعية السياسية في ظل غياب “الإمام المعصوم”.
لم تكن الإمامة في العقيدة الشيعية مجرد منصب سياسي، بل كانت تمثل نيابة عن “المعصوم” وتهدف إلى تأسيس حكومة عالمية. مع غياب الإمام الثاني عشر، نشأ فراغ نظري في مسألة السلطة، حيث لم يعد هناك إمام معصوم يُرجع إليه أو يُمارس الحكم نظرياً، أو يُتوقع منه ممارسة السلطة عملياً.
فقه الانتظار ورحلة البحث عن الشرعية
على مر القرون، تشكلت صيغة فقهية “انتظارية” تؤكد أن السلطة الشرعية الكاملة مؤجلة إلى زمن ظهور الإمام. واقتصر دور الفقيه في هذه الفترة على ما هو “حسبي” فحسب، أي إدارة الشؤون الدينية والاجتماعية للمجتمع. ورغم وجود خروقات لهذا المبدأ، مثل عهد الصفويين الذين استعانوا بالشيخ المحقق الكركي لتعزيز شرعيتهم وإباحة العمل السياسي، إلا أن مبدأ الانتظار ظل راسخًا في الفكر السياسي الشيعي.
لكن القرن التاسع عشر أدخل “فقه الانتظار” في أزمة عميقة. أصبح العالم الإسلامي جزءًا من النظام الإمبريالي العالمي، مما جعل الاكتفاء بالحياد السياسي أو الانسحاب من المجال العام غير ممكن.
حركة التنباك والثورة الدستورية: بداية التحول
شهدت الحوزة الشيعية تحولات فكرية بدأت مع حركة التنباك في أواخر القرن التاسع عشر (1892)، وبلغت ذروتها مع الثورة الدستورية الإيرانية (1905). كانت الثورة الدستورية أول محاولة جادة لصياغة تصور دستوري للسلطة السياسية من قبل الفقهاء.
كان الميرزا محمد حسين النائيني، صاحب كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، من أبرز منظري هذا الاتجاه. خرج النائيني عن المسلمات الفقهية المعهودة، مثل فقه الانتظار السلبي والنأي بالنفس عن السياسة، والرضا بالاستبداد كقدر حتمي، حتى ولاية الفقهاء ووصايتهم على العامة.
أسس النائيني لفقه سياسي شيعي يقوم على تقييد السلطة السياسية عبر الرقابة الشعبية “مقبولية المؤمنين” والمؤسسات الدستورية. تُعد هذه المحاولة أول محاولة دستورية جادة في الفقه السياسي الشيعي، ويُقال إن النائيني تأثر بالشيخين الأفغاني ومحمد عبده في ذلك.
حركة التنباك.. تشكل الوعي السياسي الشيعي
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، تأثرت إيران بالبعثات العلمية إلى أوروبا، وبرزت أنفاس إصلاحية. ومع تنافس الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية في إيران، فُرضت امتيازات اقتصادية وسياسية “استعمارية” قيدت سيادة الدولة القاجارية.
بلغت هذه السياسة ذروتها مع امتياز التبغ عام 1890، الذي منح شركة بريطانية احتكار تجارة التبغ. أثار هذا الامتياز موجة احتجاجات شعبية واسعة، لكونه رمزًا لفقدان السيادة الوطنية.
أصدر الميرزا الشيرازي فتواه الشهيرة التي حرمت استعمال التبغ، وتحولت إلى حركة جماهيرية أجبرت الشاه على إلغاء الامتياز. كانت هذه الفتوى فارقة في تاريخ التشيع الحديث، حيث أدرك فقهاء الشيعة قوتهم ومكانتهم في المجتمع، مما أحدث تحولًا في الحوزة وعلاقتها بالعامة والمجتمع.
الثورة الدستورية.. الحق السياسي للأمة
كانت الثورة الدستورية عام 1905 لحظة فارقة في تاريخ إيران والعالم الإسلامي. انبثقت الثورة عن وعي الجماعة الإيرانية والشيعية الذي تشكل في أحداث التنباك.
انقسم الناس في الثورة الدستورية إلى فريقين: مؤيد للدستورية يؤصل لها من داخل الشريعة، وفريق يعارضها ويتهم الدستوريين بتقليد الغرب.
أسس فقهاء، على رأسهم الميرزا محمد حسين النائيني، للدستورية من داخل التراث الإسلامي. رد النائيني على المتهمين بالبدعة باعتبار أن الاستبداد هو البدعة ذاته. ركز النائيني على تقييد سلطة الحاكم، والحق السياسي للأمة في المراقبة والتشريع والمحاسبة، وضمان المشاركة الشعبية الكاملة، ومساواة الشعب بالسلطان، والحرية.
وضع النائيني فكرة “مجلس الشعب” على أصول السنة، وجعل انتخاب هذه المجالس من الشعب هو ما يعطيها صفة “أهل الحل والعقد”. واعتبر وجود لجنة من الفقهاء في مجلس الشورى كافياً لإضفاء المشروعية على عمل المجلس.
في الفكر السياسي التقليدي، كانت الأمة موضوعًا للسلطة، لكن النائيني حولها إلى فاعل سياسي يمتلك حق الرقابة على الحاكم. استند في ذلك إلى مبادئ مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوكالة العامة للأمة، ومنع الظلم.
لم يقبل النائيني بالسيادة الشعبية المطلقة، بل وضعها في إطار ديني، حيث تخضع القوانين لرقابة لجنة من العلماء لضمان عدم تعارضها مع قطعيات الشريعة.
تيار المستبدة والصراع الفكري
ظهر في مقابل التيار الدستوري “تيار المستبدة” الذي قاده بعض العلماء مثل الشيخ فضل الله النوري، الذي رأى في الدستور المستوحى من أوروبا تهديدًا لسيادة الشريعة. كشفت الثورة الدستورية عن صعوبة التوفيق بين اللاهوت السياسي التقليدي ومفاهيم الدستورية.
هاجم النائيني العلماء الذين دافعوا عن الاستبداد، معتبراً أنهم يروجون ادعاءات باطلة بأن المطالبة بالإصلاح هي تبديل للدين.
انعكس الخلاف حول الدستورية في إيران على النجف، فانقسمت حوزتها بين مؤيد للمشروطة وآخر داعم للمستبدة. دافع الميرزا الخليلي والآخوند الخراساني وعبد الله المازندراني عن الدستورية باعتبارها وسيلة لمنع الاستبداد السياسي وحماية العدالة.
كان محمد كاظم يزدي منافس الآخوند الخراساني، ودعم التيار المناهض للدستورية. بينما كان النائيني تلميذ الآخوند الخراساني.
ولاية الفقيه المطلقة: ردة عن الدستورية
في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت قراءة جديدة لمسألة السلطة عند روح الله الخميني. في سلسلة دروسه “الحكومة الإسلامية”، قدم الخميني تصورًا جديدًا للسلطة في عصر الغيبة، حيث رأى أن الفقيه يمتلك نيابة عامة عن الإمام المعصوم تمنحه حق ممارسة السلطة السياسية الكاملة.
بهذا المعنى، لم تعد وظيفة الفقيه مجرد الرقابة، بل ممارسة للسلطة نفسها. الأهم في نظرية الخميني أن الولي الفقيه لا يُنتخب، بل يُنصّب.
بخلاف النائيني، لم يركز الخميني على الرقابة الشعبية أو المحاسبية السياسية. أدى هذا التحول إلى إعادة تعريف العلاقة بين الديني والسياسي، حيث أصبح الفقهاء قلب الدولة ومصدر شرعيتها.
اتهم الخميني الدستورية بأنها ثورة مدعومة من الغرب. وصاغ نظرية ولاية الفقيه المطلقة، معتبرًا أن الفقيه الذي يتولى أمر تشكيل الحكومة يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي.
يتحول في نظرية الخميني، الولي الفقيه إلى قائد أعلى للدولة، يحل محل المعصوم، وتتحول الأمة من فاعل سيادي إلى قاعدة اجتماعية للنظام السياسي.
معارك اليوم: بين الحرب والفكر
لا تزال الخلافات الفكرية حاضرة بين الإصلاحيين الذين يعودون بجذورهم إلى النائيني، والولائيين الذين يعودون بجذورهم إلى من عارضوا الدستورية.
في نظرية النائيني، تظل الشرعية الكاملة للسلطة السياسية غير ممكنة في عصر الغيبة، ولذلك يسعى إلى نظام يحد من فسادها. أما الخميني، فيرى أن للفقيه نيابة عامة تمنحه سلطة شرعية كاملة مطلقة.
يعكس هذا الاختلاف تحولًا عميقًا في تصور العلاقة بين الفقيه والسياسي. في نظرية النائيني، الفقه يمثل إطارًا أخلاقيًا يحد من السلطة. أما في نظرية الخميني، يصبح الفقه مصدر السلطة نفسها.
يعود السؤال الكامن في قلب تلك التحولات إلى مسألة السيادة: من يملك السيادة في عصر غيبة الإمام؟ وهو سؤال أعمق من سؤال من يحكم؟
تبدو هذه المسألة أكثر من مجرد جدل نظري مع الحرب الراهنة، إذ تكشف مواجهة إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل حدود الصيغة التي تأسست عليها الدولة الإيرانية.
يعود السؤال الذي طرحه النائيني قبل أكثر من قرن: هل الطريق إلى حماية المجتمع يمر عبر تركيز السلطة، أم عبر تقييدها وإخضاعها للرقابة الدستورية؟ هنا تتجلى مركزية الدستورية وأهميتها في المنطقة.