تتغير الأجواء في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث يعيش حزب الله أوقاتاً عصيبة بعد انخراطه في الحرب الدائرة ضد إسرائيل. يبدو الحداد أعمق، والنحيب أشد، والحيرة أكبر، مع شعور سائد بالسير نحو المجهول. تثير ضربات إسرائيل الموجعة تساؤلات حول مستقبل الحزب وقدرته على استعادة ثقة الجماهير في مشروع المقاومة.
لم تعد شعارات الانتصارات الماضية هي السائدة، بل أصبحت الشعارات تدعو للنهوض من ضربات الحرب الأخيرة. يدرك الجميع أن إسرائيل لن تفوت فرصة استهداف الحزب، الذي يرى فيه امتداداً للنفوذ الإيراني في المنطقة. هذه الضغوط الداخلية والخارجية دفعت طهران للاهتمام بترميم صفوف الحزب وقدراته.
استفاقة متأخرة
في أغسطس/آب 2025، التقى الأمين العام لحزب الله “نعيم قاسم” بمسؤول إيراني رفيع، مؤكداً رفض طهران لأي مساعي لنزع سلاح الحزب. تأتي هذه الزيارات في وقت تسعى فيه الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة، مما يعكس التوتر السياسي الداخلي. ردت طهران بالتأكيد على دعمها المستمر “للمقاومة ضد العدو”.
“أدركت طهران أنه من الضروري أن يستعيد حزب الله بعض قوته ليلعب دوره كقوة ردع في التوازن الإقليمي”.
هدفت زيارة المسؤول الإيراني لتأكيد موقف طهران الداعم لحزب الله. إلا أن إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، استهدفت إيران بعد ذلك، مما زاد من تعقيد المشهد. تواصل طهران رغم ذلك توجيه رسائل دعم لحزب الله، مؤكدة على استمرار الدعم للمقاومة.
في مارس/آذار 2026، أعلن حزب الله عن تنفيذ هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية في شمال ووسط الأراضي المحتلة. شملت الهجمات استخدام مسيرات وصواريخ، بالإضافة إلى اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية. واعتبر الحزب هذه الهجمات رداً على الخروقات الإسرائيلية المستمرة.
“لم يتغير خطاب حزب الله، فقد ذكَّر نعيم قاسم بأن إسرائيل تشكل خطرا وجوديا على الجميع، في لبنان وغيرها”.
أكد نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، أن صبر الحزب له حدود، وانتقد الحكومة اللبنانية لتبنيها سياسات تتماشى مع المطالب الإسرائيلية بنزع سلاح الحزب. شدد قاسم على أن الحزب لن يتخلى عن سلاحه إلا “بالقضاء على آخر مقاتل”، في موقف يعكس التصعيد العسكري للحزب.
حزب الله بعد 7 أكتوبر
بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، كان الجميع ينتظر موقف حزب الله. ورغم إعلانه فتح جبهة شمالية، تحمل الحزب ثمناً باهظاً، حيث تحولت الضربات الإسرائيلية القوية من قوة إقليمية إلى حركة مقاومة محلية. كانت إسرائيل تستعد منذ عام 2006 لتوجيه ضربات قاصمة للحزب، الذي كان منهمكاً في دوره الإقليمي.
أظهرت تحركات إسرائيل استهدافاً واضحاً لخصومها، خاصة بعد اغتيال قادة كبار. اعتبر الحزب هذه الأحداث انعطافة تاريخية غير مسبوقة. بعد هذه الجولة، وجد الحزب نفسه أمام هيكل متضرر، وبنية تحتية متهالكة، وسط نقص في الموارد اللازمة لإعادة الإعمار وإعادة بناء قدراته.
“تفطن حزب الله ومن خلفه إيران أنه لا مناص من وقوف الحزب على قدميه والقتال حتى آخر نفس في معركة من أجل البقاء”.
رغم التحديات، تدرك قيادة حزب الله وحلفاؤه في إيران ضرورة استعادة الحزب لقواته. تشرف طهران على تدريب جيل جديد من قادة الحزب لقيادة المعارك الحالية في جنوب لبنان، مؤكدة على معركة البقاء.
تأسيس جديد.. قديم
في مارس/آذار 2026، أفادت تقارير بأن حزب الله أمضى شهوراً في تجديد ترسانته العسكرية بدعم إيراني، مستعيناً بميزانية شهرية كبيرة. تركزت الجهود على إعادة بناء مخزونه من الصواريخ والمسيرات عبر التصنيع المحلي، بهدف زيادة عدد الصواريخ إلى حوالي 25 ألف صاروخ وقذيفة.
كان الحزب يدرك أن الجولة القادمة ستكون تهديداً وجودياً له. ورغم رفض الحزب التعليق على عملياته، أكد على استمراره في القتال. تظهر الدراسات قدرة الحزب على التكيف وإعادة بناء نفسه، معتمداً على الدعم الإيراني واستراتيجيات بديلة لتهريب السلاح والأموال.
تغير خطاب الحزب خلال العام الماضي، حيث انتقل من الالتزام بوقف إطلاق النار إلى مواقف أكثر تحدياً للدولة اللبنانية وتهديدات بالرد على إسرائيل. تأتي هذه التغييرات استجابة لاستمرار الهجمات وعمليات الاغتيال، والضغوط المتزايدة لنزع سلاح الحزب.
قد تكون المواجهة الحالية فرصة للحزب لرأب خلافاته الداخلية. كانت هناك آراء متباينة داخل الحزب بشأن التعامل مع إسرائيل. يتبنى “تيار معتدل” بقيادة قاسم موقفاً يلتزم بوقف إطلاق النار مع رفض التخلي عن السلاح. بينما يتبنى “تيار الصقور” بقيادة وفيق صفا تهديدات للحكومة، ويعلن “تيار الحمائم” بقيادة حسن فضل الله ربط نزع السلاح بشروط تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي.
تتزامن هذه الخلافات مع الصراع على خلافة قادة عسكريين اغتيلوا مؤخراً، مما يزيد من تعقيدات إعادة الهيكلة في الحزب. تتهم إسرائيل الحزب بانتهاك اتفاقات وقف إطلاق النار، وتدمير بنيته التحتية وقدراته العسكرية.
قبل الحرب الحالية، أدرك الحزب أن إسرائيل تعتبره معضلة عسكرية يجب إنهاؤها. بدأ الحزب في استخدام وسائل تقليدية، مثل المراسلين والإشارات والهواتف الأرضية، والعودة إلى القتال عبر خلايا صغيرة، استراتيجية تعيد إلى الأذهان بداياته في الثمانينيات. يسعى الحزب لتشكيل هيكل عسكري سري جديد بقيادة شابة وأكثر ديناميكية، مع فصل بين الأجنحة العسكرية والسياسية.
الضاحية بدون “السيد”
بعد اغتيال حسن نصر الله، شهدت الضاحية الجنوبية تشييعاً مهيباً، حيث ودع الحزب “الأب الروحي” وبدأ يستعد لمواجهة مستقبل “ما بعد السيد” بحيرة وتردد. كان نصر الله يلعب دوراً مركباً سياسياً وعسكرياً وفكرياً، مما يجعل استبداله مهمة صعبة.
أظهرت إسرائيل خشية حتى من نصر الله بعد وفاته، حيث ضغطت على لبنان لتقييد حجم التشييع. تدخلت الحكومة اللبنانية للحد من التشييع، ومنعت هبوط الطائرات الإيرانية خوفاً من قصف المطار. واجهت القوات العسكرية الإسرائيلية صموداً في جنوب لبنان، حيث استخدمت الدبابات المحترقة كرمز للصمود.
“خلال مراسم تشييع نصر الله، حل المشيعون باكرا بالضاحية، وحجز الكل مكانه في الملعب أو ضواحيه لإثبات أن الدم ينتصر على السيف”.
توجه المئات إلى لبنان لحضور التشييع، ولكن تم فرض قيود على تأشيرات الدخول، خاصة للعراقيين. رغم ذلك، شهدت بيروت وصول عشرات الطائرات من مناطق مختلفة حول العالم.
تجد “شعب المقاومة” صعوبة في إيجاد مأوى بسبب الخلافات الطائفية في لبنان. تخشى الجهات المستضيفة للنازحين من وجود قيادات للحزب بينهم، مما قد يعرضهم للاستهداف الإسرائيلي. تسعى إسرائيل إلى إثارة النعرات الطائفية في لبنان، بهدف إحياء الفتن بين الطوائف.
“من المتوقع أن يتعرض الحزب لضربات قوية لكنه يعلم أنها كلفة سيدفعها على كل حال سواء أراد المواجهة أم لا”.
يُعتبر قرار المشاركة في الحرب انتحاراً عسكرياً للحزب، لكنه يخرجه من الموقف السلبي الذي كان يعيش فيه. يرى الحزب في المقاومة خط الدفاع الأخير عن الجنوب اللبناني. لكن المشكلة الداخلية الأخطر التي تواجه حزب الله اليوم هي الحكومة اللبنانية نفسها.
سلاح يقاوم للبقاء
في أغسطس/آب 2025، عقد مجلس الوزراء اللبناني جلسة لإقرار ملف “حصر السلاح” بيد الدولة. انسحب وزراء شيعة من الجلسة، لكن المجلس أصر على القرار وتحديد جدول زمني لتنفيذه، معتبرين أن القرار غير ملزم. جاء هذا القرار بالتوازي مع ورقة أمريكية لضمان “ديمومة وقف الأعمال العدائية”.
اشترطت واشنطن صدور قرار رسمي من مجلس الوزراء اللبناني يتعهد بنزع سلاح حزب الله. قوبل قرار الحكومة بالرفض الشعبي والسياسي من حزب الله. أكد نعيم قاسم أن “المقاومة جزء من دستور الطائف”، وأن مسألة السلاح “لا تُناقش بالتصويت”.
يرفض الحزب مناقشة الورقة الأمريكية، معتبراً إياها اعتداءً على اتفاق وقف إطلاق النار. يدرك الحزب أن تسليم سلاحه يعني نهاية قدرة لبنان على ردع إسرائيل. يقاتل الحزب وفق مبدأ “لا ضامن لعدم احتلال إسرائيل جنوب لبنان سوى المقاومة”.
بعد سنوات من أحداث السابع من أكتوبر، نجحت إسرائيل في تحويل سلاح حزب الله من مصدر فخر إلى عبء في نظر القوى السياسية اللبنانية. حتى حلفاء الحزب السابقين باتوا يدعمون نزع السلاح.
كان الحزب يرى قبل الحرب أن تسليم السلاح الثقيل والهجومي ممكن، مع الاحتفاظ بقدرة ردع محدودة. لكن الآن، يحتاج الحزب لسلاحه بشدة في ظل ما وصفته بـ “جنون” إسرائيل، التي ترى فرصة للقضاء على الجميع.
“مثلما يتكيف النظام الإيراني مع الحرب، ويتغيَّر تحت وقع الصمود، فإن حزب الله هو الآخر يشهد ما يُمكن اعتباره تأسيسا ثانيا، تحت وطأة معركة يُظهر فيها صمودًا واضحًا”.
تقول نيران الحرب الإقليمية والصمود الإيراني واستمرار المقاومة في جنوب لبنان إن أهداف واشنطن وتل أبيب ليست سهلة المنال، وقد تنقلب على أصحابها. يتكيف حزب الله مع الحرب، مشهداً “تأسيساً ثانياً” في معركة يظهر فيها صموداً واضحاً، مما يعيد للأذهان حرب عام 2006.