إيطاليا تعلق اتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل: خطوة نحو إعادة تعريف العلاقات الأمنية الأوروبية؟
في خطوة مفاجئة، أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، في 14 أبريل 2026، عن قرار حكومتها بتعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل. هذه الاتفاقية، التي تشمل تبادل المعدات العسكرية والأبحاث التكنولوجية، كانت تشكل إطارًا لعقود دفاعية كبرى بين البلدين لأكثر من عقدين.
جاء الإعلان مقتضبًا على هامش مشاركة ميلوني في معرض فينيتالي الدولي للنبيذ بمدينة فيرونا. وذكرت ميلوني أن القرار يرجع إلى “الوضع الراهن”، دون تفاصيل إضافية. ورغم اختصار الإعلان، إلا أنه يمثل قطعًا لعلاقة استراتيجية امتدت لعقود، ويضع حكومة يمينية أوروبية، كانت تُعد من أقرب حلفاء تل أبيب، في موقف جديد وغير معتاد.
سلاح مقابل سلاح: تفاصيل اتفاقية التعاون الدفاعي
تُعد الاتفاقية الملغاة آلية لتبادل المشتريات الدفاعية، بحيث ترتبط كل صفقة سلاح بين البلدين بصفقة مقابلة، في نموذج أقرب إلى المقايضة الاستراتيجية منه إلى التجارة العسكرية التقليدية. وقد شهدت الاتفاقية صفقات مشتركة بارزة، بما في ذلك شراء إسرائيل لطائرات تدريب إيطالية من طراز “إم-346” (M-346) مقابل تزويد إيطاليا بمنظومات أقمار صناعية وطائرات إنذار مبكر إسرائيلية. كما شملت صفقات لاحقة شراء إسرائيل لمروحيات تدريب إيطالية مقابل صواريخ إسرائيلية مضادة للدروع.
ورغم أن إيطاليا تُعد من كبار موردي الأسلحة لإسرائيل، إلا أن حصتها من واردات إسرائيل الدفاعية محدودة مقارنة بالولايات المتحدة وألمانيا. وتركز الصادرات الإيطالية غالبًا على منصات لا تُستخدم مباشرة في مهام القتال، وفقًا للخطاب الرسمي لروما. إلا أن تقارير بحثية أشارت إلى تورط شركات إيطالية في تزويد البحرية الإسرائيلية بأسلحة تُركب على سفن حربية تلعب دورًا في الحصار البحري لقطاع غزة.
قرار يتجاوز الحدود الإجرائية: دوافع وتفسيرات
في الوقت الذي سارعت فيه وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى التقليل من أهمية القرار، اعتبرته الدوائر السياسية الأوروبية إشارة إلى تصاعد الضغوط الداخلية على الحكومات الغربية فيما يتعلق بعلاقاتها العسكرية مع تل أبيب. جاء القرار الإيطالي بعد تصاعد الانتقادات الداخلية، خصوصًا بعد استهداف جنود إيطاليين ضمن قوات اليونيفيل في جنوب لبنان، وتزايد الضغوط البرلمانية والإعلامية لمراجعة صادرات السلاح.
يُطرح القرار تساؤلًا حول ما إذا كان يمثل خطوة رمزية عابرة أم بداية لإعادة تعريف للعلاقة الدفاعية بين إيطاليا وإسرائيل، وربما بين أوروبا والدولة العبرية. تبرز المفارقة في توقيت القرار؛ إذ لم يأتِ استجابة مباشرة لتصاعد الكلفة الإنسانية للحروب الإسرائيلية، بل عقب استهداف مباشر للمصالح الإيطالية، مما يعكس تحركًا مدفوعًا بحسابات السيادة والأمن القومي.
تاريخ العلاقات الإيطالية الإسرائيلية: تحولات اليسار واليمين
تاريخيًا، شهدت العلاقات بين إيطاليا وإسرائيل تحولات ملحوظة. قبل عام 1967، حظيت إسرائيل بدعم واسع من اليسار الإيطالي، الذي رأى فيها دولة اشتراكية بُنيت على أسطورة الكيبوتس. لكن حرب عام 1967 قلبت هذه المعادلة، وبدأ اليسار الإيطالي يبتعد تدريجيًا عن إسرائيل، وانحاز إلى الموقف الداعم للقضية الفلسطينية.
في المقابل، سلك اليمين الإيطالي مسارًا مختلفًا. فحزب الحركة الاجتماعية الإيطالية كان مؤيدًا للعرب ومعاديًا لإسرائيل. ومع ظهور سيلفيو برلسكوني، بدأ اليمين الإيطالي يتعاون مع إسرائيل، واعتبرت إسرائيل حليفًا غربيًا مركزيًا. ورثت جورجيا ميلوني هذه العلاقة الوظيفية، التي تهدف إلى تقليل الكلفة السياسية مع احتواء الضغط الداخلي.
إيطاليا ميلوني: تحالفات وهشاشة
ورثت ميلوني علاقة وظيفية لليمين الإيطالي مع إسرائيل، استخدمها برلسكوني لتحديث صورة تياره، وفيني لإعادة تأهيل إرثه السياسي. وحين تغيرت شروط هذه الحزمة، مع تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، واتساع الاحتجاجات الشعبية تضامنًا مع غزة، تراجع الرصيد السياسي للحكومة، بات التخلي عن جزء من هذه الأداة مطلبًا. قرار تعليق الاتفاقية يحمل قيمة رمزية أكثر من العواقب الملموسة، ويهدف إلى امتصاص الضغط.
لا يعني هذا أن إيطاليا انقلبت على إسرائيل؛ فالمذكرة عُلِّقت ولم تُلغَ. ومع استمرار العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان، يصعب تصور سيناريو تعود فيه روما لتفعيل المذكرة دون مواجهة تحديات قانونية، خاصة بعد أن أسست الحكومة نفسها سابقة بالاعتراف بأن الوضع يستدعي التعليق.
ماذا بعد: يثير قرار إيطاليا تساؤلات حول ما إذا كانت دول أوروبية أخرى ستحذو حذوها في مراجعة علاقاتها الدفاعية مع إسرائيل. ويُحتمل أن تؤدي الضغوط الداخلية والخارجية المستمرة إلى مزيد من التغييرات في سياسات الدول الأوروبية تجاه إسرائيل، ما قد يحد من هامش حركتها المستقبلية.