الفصل الراديكالي للسلطات: استعادة رؤية دستورية إسلامية عميقة
في حوار استثنائي مع البروفيسور وائل حلاق، أحد أبرز فلاسفة التشريع في العصر الحديث، يستعرض “الجزيرة نت” معه رؤى كتابه الضخم “الفصل الراديكالي للسلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية”. يتجاوز هذا العمل مجرد التأريخ للنظم السياسية الإسلامية، ليقدم إعادة تشكيل لفهمنا لـ “السلطة” و”القانون” و”الأخلاق” في الحضارة الإسلامية.
يأتي هذا الكتاب كاستجابة طبيعية لـ “الزلزال الفكري” الذي أحدثه كتاب حلاق السابق “الدولة المستحيلة”. فبينما انتقد الأخير استحالة التوفيق بين القيم الإسلامية ونموذج الدولة القومية الحديثة، يقدم العمل الجديد “مرافعة تاريخية وفلسفية” تكمل الصورة، مجيبًا عن أسئلة الفصل الثالث من “الدولة المستحيلة” وموضحًا كيف استطاع الإسلام تاريخيًا بناء نظام دستوري يفوق النماذج الليبرالية المعاصرة في متانته الأخلاقية.
رؤية حلاق: متانة أخلاقية تفوق الليبرالية
يشير البروفيسور حلاق إلى أن الدافع وراء كتابه يتجاوز الرصد الأكاديمي البارد، فهو يسعى لتنقية مفهوم “الدستورية الإسلامية” من التأويلات القاصرة والنقد. يرى حلاق أن النموذج الدستوري الغربي القائم على “فصل السلطات” قد أثبت إفلاسه، بينما حافظ النموذج الإسلامي، عبر مؤسسة “المذهب” واستقلالية الفقهاء، على فصل حقيقي وجذري للسلطة، يحمي الشريعة من تغول الحكام.
في 12 فصلًا وأكثر من 500 صفحة، يتتبع حلاق التحولات في الفكر الدستوري الإسلامي من القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن التاسع عشر. لا يكتفي الكتاب بالسرد التاريخي، بل يشرح كيف أصبحت الشريعة ثقافة جامعة وصمام أمان ضد إرادة الحاكم المطلقة، مؤكدًا أن “المذهب” لم يكن مجرد مدرسة فقهية، بل نظامًا دستوريًا متكاملًا يمنح القانون مشروعيته واستقلاله.
نقد للمقاربات الاستشراقية والعلمانية
ينتقد حلاق المقاربات الاستشراقية والعلمانية التي أخفقت في فهم جوهر النظام الإسلامي بسبب قصور أدواتها عن استيعاب البعد الروحي للشريعة. يؤكد أن استعادة هذا التاريخ الدستوري ليست مجرد استذكار للماضي، بل ضرورة فلسفية لمواجهة مآزق الدولة الحديثة التي احتكرت الأخلاق والقانون. ويشدد على أن النموذج الإسلامي قدم تاريخيًا حلولًا لكبح السلطة المطلقة وحماية الحقوق في إطار منظومة أخلاقية.
أسئلة جوهرية ولادة الكتاب
المحاور: كيف ولدت فكرة هذا الكتاب؟
يستحضر البروفيسور حلاق أن فكرة الكتاب لم تكن لتخطر له إلا بعد صدور كتابه “الدولة المستحيلة” عام 2013، والذي بسط فيه استحالة إرساء كيان سياسي إسلامي ضمن الدولة الحديثة. فصل واحد في الكتاب السابق، بعنوان “الفصل بين السلطات: حكم القانون أم حكم الدولة؟”، تناول المسألة الدستورية، مؤكدًا على إفلاس النموذج الدستوري الليبرالي وتفوق النموذج الإسلامي. وقد تعرض هذا الفصل لانتقادات وسوء تأويل، مما دفع حلاق لكتابة سفر أوسع لتفصيل ونقيه.
يصف حلاق كتابه الجديد بأنه “أول تاريخ دستوري للإسلام يتم تدوينه”، مستقصيًا الحقبة بين أواخر القرن الرابع الهجري ومنتصف القرن الثالث عشر. يؤكد أن العمل ليس مجرد سرد تاريخي، بل دراسة بنيوية للتحولات الدستورية الإسلامية قبل الاستعمار الأوروبي. كما يحذر القراء من التعاطي السطحي مع الكتاب، داعيًا إلى قراءة متدبرة وشاملة.
السؤال الدستوري: الإمامة وسلطة التشريع
المحاور: كيف يضبط اعتبار الإمامة واردًا للنبوة هامشية سلطة الخليفة التنفيذية ومنعه من التشريع؟
يؤكد حلاق أن المبادئ الدستورية الإسلامية تكمن في جوهر الشريعة، وأن الحكم ينصهر في مشكاتها. ويرى أن الشريعة نظام دستوري متكامل. الفكرة المحورية هي أن الله فطر العالم على الحق والعدل، وأن الشرائع أُنزلت لتوجيه العقول لا لإعفائها من النظر. العلم الإلهي عزيز المنال ويستوجب تأويلًا بشريًا يعتمد على علوم اللغة والعقل الأخلاقي. العقل في الرؤية الإسلامية ليس مجرد ملكة ذهنية، بل هو القدرة على التفريق بين الصلاح والفساد.
على خلاف المفهوم الحديث للعقل، كان التصور الإسلامي للعقل رحبًا ومركبًا، يمثل الدعامة الأساسية لتهذيب النفس وصياغة الفكر والفعل السياسي. العلم الإلهي، أي الشريعة، هو موضع التقرب والطاعة، والعلماء هم حماة هذا العلم. العلاقة بين العلماء وتقنيات التكوين الأخلاقي للذات حاضرة في المصادر الإسلامية، حيث يوجه الأمر القرآني بتحصيل علم الشريعة إلى “الربانيين”.
في القرن الهجري الأول، تبلورت ثقافة تشريعية استندت إلى “فقه الفقهاء”، وهم طبقة مستقلة من العلماء جمعوا بين العلم والورع. هؤلاء الفقهاء لم ينحدروا من طبقة سياسية متنفذة ولم يبتغوا على علمهم جزاءً ماديًا، بل كان التبحر في العلم نسكًا تعبديًا. هؤلاء الفقهاء، وبالرغم من شغف قادة الدولة بالشريعة، لم يطمعوا في اغتصاب حق التشريع، بل نأوا بأنفسهم عن مهمة “استنباطها” وتركوا زمامها لعلماء مستقلين.
إن الخلفاء أنفسهم، رغم ما أوتوه من سلطة، لم يبتغوا يومًا صياغة “تشريع” جديد للدولة. واستمر هذا النهج لقرون، حيث لم يكن الخلفاء “مشرعين” بأي دلالة مألوفة. ورغم سيادتهم المطلقة في الحرب والسياسة، وقفت هذه السيادة عاجزة دون النفاذ إلى “ميدان الحكم المركزي” الذي كانت ترسم بضوابطه الفقهية حدود المجالات الأخرى، بما في ذلك المجال السياسي. ويرجع ذلك إلى سببين جوهريين: أولهما، أن استكناه الأحكام الشرعية كان يستند إلى الاشتباك المباشر مع القرآن والسنة، وهو تأمل فردي ذو صبغة فكرية خالصة، مما أدى إلى نشوء مؤسسة “المجتهد”. وثانيهما، أن “التعددية الفقهية” قد استبعدت بالكلية أي احتمال لقيام تراتبية سلطوية، واستحالة ادعاء الخليفة حق التشريع.
الماوردي وابن جماعة: فصل السلطات
المحاور: كيف جسدت شروط الماوردي وابن جماعة لولي الأمر الفصل الصارم بين التنفيذ والتشريع؟
يعتبر التعريف الموروث لمهام “الإمام” أو “السلطان” بيانًا دستوريًا يرسم حدود السلطة التنفيذية. ما سلكه ابن جماعة والماوردي لم يكن سوى تقرير لأمر مستقر وإجماع فقهي. أحصى ابن جماعة واجبات الحاكم في 10 بنود، وأوجزها الماوردي في سبعة أبواب في كتابه “أدب الدنيا والدين”.
الوظيفة الأولى هي “حفظ الدين”، وهذا واجب يستند إلى افتراض أن دور الحاكم صون حياض الدين وليس إنشاءه. هذا الحفظ لا يستقيم إلا بالسير على سنن السلف الصالح، مما يؤكد “علوية الشريعة” وسيادتها المطلقة على الحاكم. هذا يحافظ على كيان الأمة ودينها من التشرذم.
أما الوظيفة الثانية فهي “حيازة القوة القسرية” لبسط الأمن داخليًا وخارجيًا. الوظيفة الثالثة هي “عمارة البلاد” عبر تنمية الأنشطة الاقتصادية وتشيد الطرق. الرابعة هي “جباية الأموال والخراج” بنزاهة وإشراف على إدارة الأراضي. الخامسة هي إدارة محاكم الشريعة ودواوين المظالم، حيث يعد الحاكم المرجعية الإدارية العليا للجهاز القضائي. السادسة واجب إقامة الحدود، والسابعة اصطفاء العمال والولاة الأكفاء. تتسم هذه الأعراف بخلو منصب الحاكم من أي نزوع للتشريع، مما يؤكد الفصل الجذري والمطلق للسلطات في الإسلام.
الغزالي والآخرة: رقابة على السلطة
المحاور: كيف يوظف الغزالي مفهوم “المآل الأخروي” كأداة للرقابة الدستورية؟
يؤكد حلاق أنه عند دراسة مفاهيم ما قبل الحداثة، يجب استحضار “نقاطنا العمياء” كمراقبين علمانيين. يرى أن الغزالي خاطب السلطان بنبرة تعليمية لأنهما يتحركان ضمن “هابيتوس” مشترك يمنحهما مكانة محددة. في رحاب “الهابيتوس”، تشكل رؤية الفرد للعالم وفقًا لقواعد البنية الثقافية والتاريخية، وغالبًا ما تستقر هذه المواقف في منطقة “اللاوعي”.
يتطلب استيعاب “الهابيتوس” تجنب التعالي بالمقارنات الخارجية، بل استخدام “الفيلولوجيا التعاطفية” لاستبصار العالم وفهمه. يشمل هذا استيعاب تبعات مفاهيم مثل القدرة الإلهية، والرزق، ويوم القيامة، لما لها من آثار سياسية ضمن المؤمنين بها. تذكير الغزالي بـ “الآخرة” لم يكن مجرد وعظ، بل كان ركيزة سياسية تقرر أن الله مالك الملك، والسلطان يدرك أن لسطوته حدودًا، ولا يملك حق التشريع، فالقانون هو “شرع الله” الذي يعود إلى العلماء.
المذاهب الفقهية: صمام الأمان الدستوري
المحاور: كيف تضطلع المذاهب الفقهية بدور “صمام الأمان الدستوري”؟
يشدد حلاق على الأهمية القصوى لـ “المذهب” في تاريخ الإسلام السني، فهو الذي خط المعالم والحدود الشرعية وأرسى “الحمايات الدستورية”. في الإسلام السني، يستمد القانون شرعيته من صدوره عن “المذهب”، الذي يعكس “إجماعًا” بين فقهاء متعاقبين عبر الأجيال على أصول ومنهجيات مرجعية. يتميز كل مذهب بقواعد وضوابط خاصة تشكل “نظام تشغيل فقهي” فريد.
يشكل “الإجماع” دعامة رئيسية لسلطة المذهب، ويمنحه قوة تأويلية وثقافية تجعله صوتًا معبرًا عن الجماعة. الاعتداء على المذهب أو محاولة تقويضه يعد صدامًا مباشرًا مع الثوابت العقدية للجماعة. لم يكن للحاكم أن يبطل الشريعة أو يعطل أحكامها، لأن الشريعة كانت ثقافة مهيمنة ومتجذرة في صميم الدين. لقد كان “الفصل الراديكالي للسلطات” نتيجة لهذه المفاهيم، حيث أن سلطة التنفيذ لم تكن لتتعدى إلى صلاحيات التشريع.
لمحة مستقبلية:
يواصل البحث في تاريخ الدستورية الإسلامية كشف مسارات جديدة لفهم آليات الحكم والقانون في الحضارة الإسلامية. يبقى التحدي في مدى القدرة على إعادة استلهام هذه الرؤى في سياقات معاصرة، مع تجنب التبسيط والتأويلات القاصرة، والنظر في التطورات التاريخية اللاحقة التي ربما حدت من بعض هذه الاستقلالية.