عاصفة في قم.. الحوزة والعلماء في زمان الحرب

فريق التحرير

منذ الغارة التي استهدفت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير/شباط، تركزت الأنظار على فقهاء الحوزة العلمية في مدينة قم، المسؤولة عن ترتيب انتقال السلطة عبر مجلس خبراء القيادة. هذا المجلس، المنوط به تسمية الولي الفقيه، يضم 88 فقيهاً، وقد تعرضت مدينة قم، المعقل الديني لإيران، لضربات جوية لمنع انعقاد اجتماعاته لاختيار بديل لخامنئي.

دور الحوزة العلمية في قم في انتقال السلطة

تعد مدينة قم، بقدسيتها الشيعية ومزاراتها الدينية، العاصمة الدينية لإيران ومعقل نخبتها الدينية. تتمتع الحوزة العلمية فيها بنفوذ كبير في النظام السياسي والاجتماعي، مما يجعلها محط الأنظار ليس فقط لاختيار المرشد الأعلى الجديد، بل لضمان استدامة شرعية النظام برمته في ظل تعرضه لضغوط شديدة.

مع استمرار القصف، أصبح اختيار المرشد الجديد اختبارًا حقيقيًا لقدرة النظام الديني على البقاء. أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل صراحة أن هدفهما هو الإطاحة بالنظام، مما جعل الإسراع في اختيار قائد جديد خطوة ضرورية، خاصة مع استمرار استهداف قادة الدولة.

صراع الفقهاء الخافت على منصب المرشد

شهدت الأوساط الدينية صراعات خفية بين الفقهاء المحافظين الراغبين في الحفاظ على النظام القائم، والإصلاحيين الساعين لتغيير النهج لإنهاء الحرب بسرعة. سعى الحرس الثوري ورئيس البرلمان إلى تعيين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، مدعومين بفقهاء محافظين. في المقابل، عارض الفقهاء الإصلاحيون ورئيس مجلس الأمن القومي (الذي اغتالته إسرائيل لاحقًا) هذا التعيين، مقترحين اسمي فقيهين إصلاحيين.

بعد محاولات عديدة للاجتماع، لجأ مجلس الخبراء إلى التصويت الإلكتروني، حيث حصل مجتبى خامنئي على الأغلبية المطلوبة. تأجل الإعلان عن النتيجة بسبب مخاوف أمنية، بالإضافة إلى اعتراضات على دستورية التصويت الإلكتروني. طُرح اسم علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية، كحل وسط توافقي.

شهدت التطورات لاحقًا إعلان الرئيس عن قرار بمنع الهجمات الإيرانية على الدول العربية، مما أثار رد فعل من الحرس الثوري الذي طالب بالانعقاد الفوري للمجلس والتصويت لمجتبى خامنئي. وفي 8 مارس/آذار، اجتمع المجلس عبر الإنترنت وتم تأكيد نتيجة التصويت لصالح مجتبى خامنئي، ليتم إعلان النتيجة.

الحوزة العلمية: منبع الشرعية ومصنع القادة

تتكون الحوزة العلمية لدى الشيعة الاثني عشرية من مدارس دينية تعد مقر الفقهاء الكبار. تطورت عبر القرون لتصبح شبكة علمية تلعب دورًا محوريًا في الحفاظ على التراث العقائدي والفقهي. تعد حوزة النجف في العراق الأقدم، بينما حوزة قم، التي تأسست بشكلها الحالي عام 1923، أصبحت في قلب معادلة السلطة في إيران بعد الثورة عام 1979.

في قم، يقوم الولي الفقيه بدور سياسي وديني، مستمدًا شرعيته من اعتراف الفقهاء الآخرين. على النقيض، في النجف، يشغل السيد علي السيستاني منصب المرجع الأعلى، وهو دور يعتمد على الجدارة العلمية والأخلاقية، وتقتصر سلطته على الجانب الروحي.

لم يشغل مجتبى خامنئي أي منصب رسمي بارز سابقًا، وحصل على مرتبة “حجة الإسلام”. واجه مشروع توليه لمنصب المرشد الأعلى انتقادات سابقة. وعلى الرغم من ذلك، تم منحه لقب “آية الله” في خطوة عززت الأحاديث عن مشروع توريث الحكم. بعد انتخابه، تم مخاطبته بلقب “آية الله” رغم افتقاره للمؤهلات العلمية المطلوبة تقليديًا، في سابقة مشابهة لتولي والده المنصب.

التضامن المتبادل بين الحوزة والنظام وقت الحرب

تاريخيًا، يعتمد النظام في إيران على الحوزة العلمية لإضفاء الشرعية على قراراته. في ظل الحرب، ساندت الحوزة النظام بقوة، وأصدرت فتاوى بالجهاد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. اتسم موقفها بالمرونة خلال مساعي وقف إطلاق النار، حيث ركزت على تقديم الدعم المعنوي للنظام.

رغم وجود تباينات وصراعات داخل الحوزة، تميل عند اللحظات المصيرية إلى الاصطفاف إلى جانب الدولة. يرى الفقهاء المحافظون أن الولي الفقيه يُكتشف اكتشافًا وليس منتخبًا، مما يعزز شرعيته. في المقابل، يفضل التيار الإصلاحي انتظار ظهور المهدي، أو يدعو إلى دولة مدنية تحفظ الحقوق.

تواجه الحوزة تحديات تتعلق بمحاولة النظام السيطرة على استقلاليتها، حيث تمارس جهات رسمية رقابة على آراء رجال الدين. على الرغم من ذلك، تظل الحوزة منبع الشرعية للنظام، وتضمن له دعمًا شعبيًا من خلال دورها الروحي والتعليمي.

يتعارض اختيار مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى مع تراث حوزوي تقليدي اعتبر توريث السلطة ممارسة ضارة بالإسلام. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى استقرار النظام في ظل الحرب قد فرضت نوعًا من الوحدة القسرية بين الحوزة والدولة، مما يتطلب من مجتبى خامنئي تعزيز شرعيته ودعمه لتجنب اتهامات التحول إلى ملكية وراثية.

شارك المقال
اترك تعليقك