ماسك يواجه أوبن إيه آي.. محاكمة تحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي

فريق التحرير

شهدت الفترة الماضية صعود إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة “إكس إيه آي” وأحد مؤسسي “أوبن إيه آي”، إلى منصة الشهود في محاكمة قد تُعيد رسم ملامح مستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم. يواجه ماسك في هذه القضية شركة “أوبن إيه آي” بأكملها، ممثلة برئيسها التنفيذي سام ألتمان، الذي أصبح الوجه الإعلامي لقطاع الذكاء الاصطناعي الأمريكي.

على مدار ثلاثة أيام، استمع قضاة محكمة كاليفورنيا لشهادة ماسك التي استمرت لأكثر من سبع ساعات، حيث تناول تفاصيل تأسيس “أوبن إيه آي”، مؤكداً أنها انحرفت عن مسارها “الخيري” الأساسي. كشفت شهادته عن وقائع وأدلة تلقي الضوء على خبايا عالم الذكاء الاصطناعي، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه التقنية ومن يملك زمام السيطرة على خوارزمياتها.

ماسك ضد أطراف عدة

لم يقتصر خلاف ماسك على سام ألتمان وحده، بل امتد ليشمل عدداً من شركاء التأسيس وأعضاء مجلس إدارة “أوبن إيه آي” الحالي، بالإضافة إلى اتهام شركة “مايكروسوفت” والدعوة لتعويضات.

تركز مزاعم ماسك المتنوعة على انتهاك الأمانة الخيرية، وتحول الشركة من مؤسسة غير ربحية إلى ربحية، بالإضافة إلى تهم الاحتيال والثراء غير المشروع. جوهر القضية يتمحور حول ادعاء ماسك بأن الشركة حادت عن مهمتها الأصلية، مساهمةً في إمكانية تهديد سلامة البشرية.

ماسك يرى أن “أوبن إيه آي” لم تكن لتوجد بدونه (رويترز)

كشفت شهادة ماسك عن فرضية وصف “أوبن إيه آي” كمؤسسة خيرية في المقام الأول، وهو أمر لم يوثق رسميًا. ويؤكد ماسك أن الشركة لم تكن لتوجد بدونه، مشيرًا إلى دوره في تأسيسها عام 2015 عبر علاقاته وتمويله الأولي لجذب العلماء والباحثين.

كما أشار ماسك إلى تعيين إيليا سوتسكيفر، الذي كان يعمل في “غوغل” آنذاك، مما أدى إلى توتر علاقته بـ لاري بيج. حاول ماسك التأكيد على مخاطر تقنيات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها المحتمل على البشرية، لكن القاضية أشارت إلى التناقض في موقفه لكونه يعمل في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه.

كذبة التأسيس

أظهرت مراسلات بريدية بين سام ألتمان وإيلون ماسك عام 2015، حسب تقرير “ذا فيرج”، اقتناع ألتمان لوعد ماسك بتطوير تقنية مفتوحة المصدر لمنفعة الجميع.

كانت النية الأصلية لتأسيس مجلس إدارة “أوبن إيه آي” تضم شخصيات بارزة مثل ماسك، ألتمان، وبيل غيتس، مع وجود مشرف على الفريق دون أن يكون عضواً في المجلس. ارتكزت المؤسسة على ميثاق شرف لتنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي.

علاقة ألتمان (يسار) وإيليا سوتسكيفر (يمين) تدهورت في السنوات الأولى لتأسيس الشركة (رويترز)
علاقة ألتمان (يسار) وإيليا سوتسكيفر (يمين) تدهورت في السنوات الأولى لتأسيس الشركة (رويترز)

طلب ألتمان من ماسك مبلغ 100 مليون دولار كمرحلة أولى لتأسيس معمل ذكاء اصطناعي، مع إمكانية إضافة 30 مليون دولار لاحقًا. وثقت المحادثات جهود ماسك لجذب استثمارات من شخصيات مثل بيل غيتس، وسعيه لتوفير حواسيب فائقة من “إنفيديا”.

أظهرت المحادثات بين ماسك وشيفون زيليس، رئيسة موظفيه السابقة وعضو مجلس إدارة “أوبن إيه آي”، استياء الأخيرين من تدخل ماسك في إدارة الشركة، ما دفعه لطلب تأسيس شركة منفصلة.

ضرورة البقاء

وفقًا لصحيفة “واشنطن بوست”، رأى سام ألتمان أن تحويل “أوبن إيه آي” إلى شركة ربحية ضروري لتمويل تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل “شات جي بي تي”، والتي تتطلب مئات المليارات من الدولارات.

يشمل هذا التحول حصر الوصول إلى نماذج الشركة، بدلاً من جعلها متاحة للجميع. ويرى ألتمان أن هذا الخيار ضروري لاستمرار “أوبن إيه آي” في مهمتها وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ألتمان يرى أن على 'أوبن إيه آي' أن تصبح شركة ربحية 'وإلا ستموت' (أسوشيتد برس)
ألتمان يرى أن على “أوبن إيه آي” أن تصبح شركة ربحية “وإلا ستموت” (أسوشيتد برس)

المستخدم يدفع الفاتورة

تُجسد هذه القضية صراعاً بين رؤيتين لمستقبل الذكاء الاصطناعي: نهج ماسك الذي يدعم الشفافية وإتاحة التقنيات للجميع، ونهج ألتمان و”مايكروسوفت” الذي يميل إلى السرية التجارية.

يطرح ذلك تساؤلاً حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيظل مشروعًا عامًا أم سيتحول إلى منتج تجاري يعزز أرباح الشركات. ماسك، رغم امتلاكه شركة ربحية في نفس المجال، يدعو “أوبن إيه آي” للبقاء غير ربحية وإتاحة نماذجها مفتوحة.

صراع على مستقبل الذكاء الاصطناعي

تمثل المحاكمة صراعًا بين مؤيدي الذكاء الاصطناعي المفتوح، الذين يطالبون بالشفافية حول كيفية عمل المنصات وبياناتها، وبين من يسعى للحفاظ على سرية هذه الجوانب، مثل ألتمان و”مايكروسوفت”.

تطرح القضية تساؤلاً جوهريًا حول مستقبل الذكاء الاصطناعي: هل سيخدم الصالح العام أم سيصبح أداة تجارية لتعظيم الأرباح؟.

مسار المحاكمة قد يغير 'أوبن إيه آي' تماما (شترستوك)
مسار المحاكمة قد يغير “أوبن إيه آي” تماما (شترستوك)

إذا أقرت المحكمة بمطالب ماسك، قد تتوقف “أوبن إيه آي” عن التحول إلى شركة ربحية، وتُجبر على الكشف عن نماذجها وتقنياتها. ومع استمرار الخسائر المالية دون مصادر دخل واضحة، قد تواجه الشركة الانهيار.

في المقابل، إذا رأت المحكمة أن التغييرات التي طرأت على “أوبن إيه آي” ضرورية لبقائها، فقد يزداد الاحتكار في مجال الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء آليات تطوير الخوارزميات ومعاييرها سرية.

شارك المقال
اترك تعليقك