“حدود رسمتها أقدام الإبل”.. كيف نفهم الصراع في مالي والصحراء الكبرى؟

فريق التحرير

مالي: سيطرة الجهاديين على كيدال تعمق الأزمة

أكد مسؤول حكومي مالي لوكالات الأنباء أن مدينة كيدال بشمال البلاد لم تعد تحت سيطرة الجيش المالي، مشيراً إلى أنها باتت “في قبضة الجهاديين وجبهة تحرير أزواد”. يأتي هذا التطور عقب معارك متزامنة اندلعت أواخر أبريل/نيسان في عدة مدن مالية، أبرزها كيدال وغاو وكاتي، بين الجيش المالي من جهة، وجبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين من جهة أخرى. وقد أسفرت الهجمات عن اغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في هجوم انتحاري في قاعدة كاتي العسكرية.

جبهة تحرير أزواد: مطالب الحكم الذاتي تتحدى السلطة المركزية

لم تدم السيطرة المالية على كيدال طويلاً، فقد استعادتها فصائل تشكل العمود الفقري لجبهة تحرير أزواد، التي حكمت المدينة لمدة عقد حتى عام 2023. وتأتي هذه التطورات في سياق متزايد التوتر بين التحالف العسكري المكون من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، حيث أدانت الأخيرة الهجمات الأخيرة، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة.

يُعَد هجوم كيدال الأكبر حجماً في السنوات الأخيرة، ولكنه ليس الأول من نوعه. ففي يوليو/تموز 2024، قُتل أكثر من 80 عنصراً من مجموعة فاغنر الروسية وعشرات من القوات المالية في كمين شمال مالي، فيما عُد لحظة فارقة في “التمرد المسلح” الذي يقوده الطوارق بهدف تأسيس دولة مستقلة أو الحصول على الحكم الذاتي في إقليم أزواد.

جاء ميلاد جبهة تحرير أزواد ردًا على انسحاب باماكو من اتفاق الجزائر للسلام لعام 2015، الذي كان يمثل السقف الوحيد الذي قبلت به قوى الطوارق لوضع السلاح. تهدف الجبهة إلى “تنسيق العمل العسكري والسياسي” لمواجهة الدولة المالية، معلنة أن عملياتها تأتي كرد فعل على “ممارسات” قوات المجلس العسكري بحق سكان شمال مالي.

ترى جبهة أزواد والجماعات المنضوية تحت لوائها أن انتشار القوات المالية والعناصر الروسية في مناطق كيدال وغاو وتمبكتو يمثل تهديداً مباشراً لمشروع الحكم الذاتي، خاصة بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة وتراجع النفوذ الفرنسي عسكرياً. تسعى الجماعات المسلحة للطوارق للحصول على الحكم الذاتي أو تقرير المصير، مستندة إلى جغرافيا صحراوية واسعة ومناطق جبلية يصعب السيطرة عليها عسكرياً، إضافة إلى الاستفادة من الفراغ الأمني. تكمن أهمية هذه المناطق في محاذاتها للحدود الجزائرية وقربها من الحدود الليبية والنيجر، مما يجعلها محطة تجارية وتهريب مهمة، فضلاً عن غناها بالذهب.

من هم الطوارق؟

“لا حدود هنا إلا ما رسمته أقدام الإبل”، هذه المقولة تلخص وعي الطوارق الجغرافي، فهم من أكثر التكوينات السكانية انتشاراً في الصحراء الكبرى. يتواجد الطوارق في مساحات شاسعة تتجاوز مليوني كيلومتر مربع، عابرين الحدود السياسية التي خطتها القوى الاستعمارية. تشمل مناطق تواجدهم الرئيسية ليبيا والجزائر ومالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع جماعات أصغر في نيجيريا وتونس وأجزاء من السودان ومصر وموريتانيا. يعود هذا الانتشار إلى مسارات القوافل الموسمية وحركتهم بين المراعي والواحات، مما وضعهم في مواجهة حدود دول حديثة لا تعترف بسيولة المجال الصحراوي.

يتمركز الطوارق ضمن حزام جغرافي واسع يبدأ من جنوب ليبيا، مروراً بجبال الهُقَّار في الجزائر، وصولاً إلى سلسلة أدرار إيفوغاس في شمال مالي، ثم آيير وأغاديس في النيجر. يمتد هذا النطاق ليضم الجبال والسهول والواحات، مما شكل تحدياً للدول الحديثة في فرض أنماط عيش وإدارة تتناغم مع طبيعة مجتمعاتهم.

لا يُختزَل امتداد الطوارق في جغرافيا مترامية فحسب، بل يُشكِّل بنية حيوية متكاملة تتداخل فيها الجبال والسهول والواحات. لم تكن الدول الحديثة بعد الاستعمار قادرة على فرض أنماط عيش وإدارة تنسجم مع طبيعة مجتمعات الطوارق، خاصة في ظل استمرار الحركة الموسمية ومسارات التجارة والتهريب العابرة للحدود. فالصحراء بالنسبة للطوارق ليست هامشاً جغرافياً، ولكنها مركز للوجود، ومجال مفتوح يتقدَّم فيه الانتماء القبلي على الانتماء الوطني، وتتشكل فيه التحالفات وفق منطق الماء والمرعى والتجارة.

ينقسم الطوارق إلى تكتلات رئيسية ترتبط بأقاليم جغرافية متقاربة، أبرزها طاسيلي، والهقار، وآيير، وأزواد. تتواجد مجموعة طاسيلي ناجر بين غات الليبية وجانِت الجزائرية، فيما يتمركز طوارق الهُقَّار في جنوب الجزائر. أما إقليم آيير في النيجر، ومركزه أغاديس، فيُعد معقلاً للطوارق، بينما يشير مصطلح أزواد إلى الصحاري الواسعة شمال مالي.

جبال الهُقَّار: قلاع الطوارق ضد الاحتلال الفرنسي

أثناء حقبة الاحتلال الفرنسي، شكَّلت تحركات قبائل الطوارق تهديداً لفرنسا عسكرياً واقتصادياً. أرسلت فرنسا مستكشفين مثل هنري دوفيرييه وشارل دو فوكو لجمع المعلومات ورسم خرائط المناطق، مستغلين الثقة المكتسبة لخلق أداة سيطرة وتأمين الطرق الصحراوية. سعت مخططات فرنسا لربط طرق التجارة وربط مستعمراتها، وكان إنشاء سكة حديد عابرة للصحراء جزءًا من مشروع “التمدين” الذي هدف للسيطرة الاقتصادية والعسكرية.

لم تكن قوى الطوارق عصية على فرنسا فقط، بل فرضوا عليها دفع ضرائب نظير عدم الاعتداء على قوافلهم. اتخذ الطوارق جبال الهُقَّار قاعدة لعملياتهم المسلحة ضد فرنسا، مما شكل مقاومة استنزفت باريس وجعلت المنطقة عصية على أي نفوذ أجنبي.

بلغ تمرد الطوارق ذروته بين عامي 1916-1917، حيث قُتل شارل دو فوكو بالتزامن مع اندلاع ثورة الهقّار، نقطة تحول في النضال ضد الاحتلال. أظهرت الثورة صعوبة إخضاع مناطق الطوارق، وشكَّلت صراعاً مستمراً بين دولة استعمارية وقوة محلية متمرسة في حروب الصحراء، مستفيدة من معرفتهم الدقيقة بالمسارات الصحراوية.

رحيل الاستعمار يحيي آمال الطوارق

عقب حرب التحرير الجزائرية، تبلورت علاقة بين الطوارق وقيادات الثورة الجزائرية على قاعدة العمل المشترك ضد الاحتلال الفرنسي. في المقابل، اعتمدت دول الساحل الأفريقي على النموذج الفرنسي “الأمني” في حل الأزمات، مما خلق شعوراً بالظلم لدى الطوارق. ألهمت الثورة الجزائرية انتفاضات في دول الساحل، أبرزها في شمال مالي 1962-1964، والتي قُمعت بعنف.

عمل معمر القذافي على بناء علاقات قوية مع الطوارق، وجند آلاف الفارين من مالي والنيجر، مانحاً إياهم الجنسية والإقامة. حاول القذافي تحويل الطوارق إلى ورقة سياسية رابحة، ولعب دور الوسيط في اتفاقات السلام مع حكومات دول الساحل.

مع سقوط نظام القذافي عام 2011، عاد آلاف الطوارق الذين خدموا في الجيش الليبي إلى مالي والنيجر حاملين أسلحة ثقيلة وخبرات قتالية، مما رفع القدرات العسكرية للحركات الأزوادية. ساهم انهيار الجيش الليبي في انتشار الأسلحة عبر الصحراء، وتحوّلت الحدود إلى ممر مفتوح للجماعات المسلحة وشبكات التهريب، مما أشعل فتيل “انتفاضة” أزواد في يناير/كانون الثاني 2012.

الانسحاب الفرنسي

أثر انهيار نظام القذافي على التوازنات الإقليمية، مما فتح فراغات سياسية وأمنية استغلتها الحركات المهمشة والتنظيمات “الجهادية”. واجه شمال مالي تحولاً من أزمة محلية إلى عقدة في صراع إقليمي ودولي. دفعت هذه الأحداث فرنسا للتدخل العسكري عبر عملية “سرفال” عام 2013 لوقف تقدم التنظيمات الإسلامية.

تراجع النفوذ الفرنسي في منطقة الساحل الأفريقي بعد ازدياد الغضب الشعبي ضد الانخراط العسكري الفرنسي، مما أدى إلى سقوط الأنظمة الموالية لباريس وصعود نظم عسكرية جديدة مناوئة لها. لم يتحسن وضع الطوارق مع صعود روسيا كحليف رئيسي لدول التحالف الجديد، والذي وقف على النقيض من مجموعة “الإيكواس”.

بعد حرب أوكرانيا، اضطرت باريس إلى سحب قواتها من عدد من الدول الأفريقية، في تحرك يعكس تغيراً في سياساتها. رغم تقديم فرنسا لخطوتها بوصفها “إعادة تموضع استراتيجي”، إلا أن ما حفزها كان موجة غضب شعبي واسعة. تحاول روسيا ودول أخرى سد الفراغ، لكن سياسات الأنظمة العسكرية الجديدة لم تحل معضلة أزواد والطوارق.

تغيير.. دون تغيير

في يناير/كانون الثاني 2024، أعلن المجلس العسكري في مالي إنهاء “اتفاق السلام والمصالحة” المبرم عام 2015 مع الحركات الأزوادية. جاء هذا القرار نتيجة لتوترات دبلوماسية بين مالي والجزائر، مما أغلق مسار الوساطة الجزائرية. مع انسداد المسار السياسي، أصبح السلاح لغة الحديث الوحيدة، مما مهد لنشوء “تحالف مصالح” بين مسلحي أزواد والحركات “الجهادية” التابعة لتنظيم القاعدة.

يُشكِّل الطوارق أغلبية سكان إقليم أزواد، لكن مستقبلهم السياسي لا يزال متأرجحاً. رغم قدرتهم على فرض سيطرة عسكرية لفترات، لم تترجم هذه السيطرة في أي وقت إلى واقع سياسي جديد. لم يبدو أن الأنظمة في منطقة الساحل قد تعلمت الدرس، حيث اعتنقت التحالف مع روسيا بديلاً لفرنسا، مع الإبقاء على نفس السياسات القديمة.

ماذا بعد؟

تتجه الأنظار الآن إلى قدرة جبهة تحرير أزواد على تثبيت سيطرتها على كيدال، ومدى استمرار التحالف مع الحركات الجهادية في ظل التنافر الأيديولوجي بين الطرفين. يبقى التحدي الأكبر هو تجاوز هذا التحالف الظرفي وإيجاد حل سياسي مستدام يضمن حقوق الطوارق، في ظل واقع إقليمي معقد يشهد تزايد النفوذ الروسي وتنافس القوى الدولية.

شارك المقال
اترك تعليقك