بن غوريون و”الستة الكبار”: إشادة غير متوقعة بمؤسسي الفكرة الصهيونية
في مذكراته، عبر وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه ديان عن إعجابه العميق بديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، معتبراً إياه شخصية ملهمة وقوة دافعة وراء القرارات الهامة. سلط ديان الضوء على إحدى خطب بن غوريون التي ذكر فيها ستة أشخاص اعتبرهم المساهمين الرئيسيين في تحقيق الفكرة الصهيونية، مفاجئاً الجميع بذكر أسماء لم تكن متوقعة، مما يثير تساؤلات حول طبيعة إسهامات هؤلاء الأفراد.
شخصيات صهيونية غير متوقعة: من هم رواد بن غوريون؟
أشاد ديفيد بن غوريون بستة أفراد اعتبرهم حجر الزاوية في تحقيق المشروع الصهيوني. لم تكن القائمة لتشمل هرتزل ووايزمان كما كان متوقعاً، بل ضمت ثلاثة فرنسيين، واثنين من المجر، ويهودياً من القدس. هذه الاختيارات غير التقليدية تستدعي استعراضاً لأدوار هؤلاء الأفراد ومدى تأثيرهم في مسيرة الحركة الصهيونية.
أدولف كريمييه: محامٍ مدافع عن حقوق اليهود
يُعتبر أدولف كريمييه (1796-1880) من أبرز الشخصيات التي ذكرها بن غوريون. هذا المحامي الفرنسي اليهودي كان رائداً في الدفاع عن المساواة القانونية لليهود في فرنسا، ولعب دوراً محورياً في إلغاء “القسم اليهودي” عام 1827. كما برز دوره دولياً بعد “حادثة دمشق” عام 1840، حيث شارك في بعثة دبلوماسية ساهمت في الإفراج عن المعتقلين اليهود، مما عزز شعور التضامن اليهودي عبر الحدود.
تقلد كريمييه رئاسة “التحالف الإسرائيلي العالمي” عام 1864، مستخدماً نفوذه للتدخل لصالح يهود شمال أفريقيا وأوروبا الشرقية. بلغ تأثيره ذروته بتوقيعه عام 1870 على مرسوم منح يهود الجزائر الجنسية الفرنسية، وهو إنجاز تاريخي في مسار اندماج اليهود في الدولة الأوروبية الحديثة. يمثل كريمييه نموذجاً لليهودي الغربي المندمج الذي دافع عن قضايا اليهود من داخل المؤسسات السياسية والقانونية.
شارل نيتر: رائد العمل الاجتماعي والتعليمي
كان شارل نيتر (1826-1882) وجهاً بارزاً في القرن التاسع عشر، جمع بين العمل الاجتماعي المحلي والنشاط اليهودي الدولي. وُلد في ستراسبورغ واستقر في باريس، حيث انخرط في تحسين أوضاع اليهود من خلال دعم التعليم المهني وحقوق العمال. كان من المؤسسين الرئيسيين لـ”التحالف الإسرائيلي العالمي”، حيث عمل كأمين مالي له، وركز على تمكين اليهود عبر التعليم والعمل المنتج، مع اهتمام خاص بأوضاع يهود الشرق وأوروبا الشرقية.
يُنسب لنيتر تأسيس مدرسة “ميكفيه إسرائيل الزراعية” عام 1870 في فلسطين، لتكون أول مؤسسة تعليم زراعي يهودية منظمة هناك. رأى نيتر في هذه المدرسة أداة عملية لدعم اليهود وإعدادهم للاستقرار في فلسطين. كما واصل نشاطه الدبلوماسي عبر “التحالف اليهودي العالمي”، متدخلاً لصالح يهود رومانيا وصربيا والمغرب، ومشاركاً في محافل دولية للدفاع عن حقوقهم.
إدموند دي روتشيلد: الداعم المالي للاستيطان اليهودي
يُعد البارون إدموند دي روتشيلد (1845-1934) من أبرز الوجوه المالية اليهودية، وابن مؤسس فرع عائلة روتشيلد في باريس. انخرط في شبكة واسعة من الأنشطة المالية والخيرية، وكان دعمه لمشاريع الهجرة والاستيطان اليهودي في فلسطين محورياً. بعد أحداث العنف ضد اليهود في روسيا، زاد اهتمامه بدعم “اليشوف”، التجمعات اليهودية في فلسطين، خلال ثمانينات القرن التاسع عشر.
تكفل روتشيلد بنفقات مستوطنات رئيسية مثل ريشون لتسيون وزخرون يعقوب، وقدم خبراء زراعيين للإشراف على تطوير القرى، ليصبح “الراعي الأبوي” للمشاريع الزراعية اليهودية. امتد دعمه ليشمل المستوطنات والصناعات والبنية التحتية، بما في ذلك أولى محطات الكهرباء. كما شجع على إحياء اللغة العبرية ودعم تأسيس المعابد والمدارس اليهودية، وعُين رئيساً فخرياً للوكالة اليهودية.
يهوشوع ستامفر: مؤسس بتاح تكفا
يُعد يهوشوع ستامفر (1852-1908) شخصية محورية في مرحلة الصهيونية المبكرة وأحد المؤسسين الأوائل لمستوطنة بتاح تكفا، التي تعتبر أول مستوطنة زراعية يهودية حديثة في فلسطين العثمانية. وُلد في المجر، وشكل استقلالها دافعاً له للتوجّه نحو فلسطين، إيماناً منه بأن الهجرة والاستيطان الزراعي يضمنان بقاء اليهود والحفاظ على الشريعة. وصل إلى القدس عام 1869 وانخرط في محاولات تأسيس تجمع زراعي دائم.
في عام 1878، استقر ستامفر ورفاقه في أراضٍ قريبة من نهر اليركون وأعلنوا عن قيام مستوطنة بتاح تكفا. تولى رئاسة المجلس المحلي للمستوطنة وجمع التبرعات، وشارك في صياغة إطار تنظيمي لـ”اليشوف”، ممثلاً التيار المحافظ الديني. أدار شؤون بتاح تكفا بروح أصولية صارمة، محافظاً على المجتمع من تأثير النزعات العلمانية.
ديفيد مائير غوتمان ويوئيل موشيه سالومون: رواد الاستيطان المبكر
يمثل ديفيد مائير غوتمان (1827-1894) نموذجاً لليهود الأوروبيين الذين انتقلوا من الرهان على الاندماج إلى تبني مشروع الاستيطان اليهودي. وُلد في المجر، وبعد التجربة القومية المجرية، باع ممتلكاته عام 1876 وهاجر إلى فلسطين. انخرط في القدس في نشاط ديني واجتماعي، وساهم في تأسيس أحياء يهودية خارج أسوار المدينة. كما شارك في عام 1878 في تأسيس مستوطنة بتاح تكفا، وتحمل أعباء مالية وقانونية جسيمة لضمان بقائها.
أما يوئيل موشيه سالومون (1838-1912)، فيُعد من أبرز شخصيات “اليشوف القديم” في القدس، ومن الدعاة الأوائل إلى تجاوز نمط الحياة القائم على الإعانات والاتجاه نحو العمل المنتج. برز اسمه ضمن رواد تأسيس مستوطنة بتاح تكفا عام 1878، مساهماً بخبرته التنظيمية وصلاته المحلية. يُنظر إليه كنموذج لليهودي المقدسي الذي جمع بين الالتزام الديني والانفتاح على أفكار الاستيطان والعمل الزراعي.
وتكشف سيرة هؤلاء الأفراد الستة عن نمط مشترك، وهو حرصهم على دعم المشروع اليهودي المبكر، خاصة في فلسطين، قبل ظهور هرتزل ووايزمان، بالمال والجهد والوقت، وهو ما اعتبره بن غوريون رابطاً راسخاً بين الإيمان بالفكرة الصهيونية والعمل من أجلها. يظل دورهم محورياً في فهم تطور الفكر والممارسة الصهيونية.