لعبة قاليباف في إسلام آباد.. لماذا ترفض إيران الاتفاق الأمريكي؟

فريق التحرير

وصلت الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في إسلام آباد إلى طريق مسدود، مما أدى إلى تأجيل جولات التفاوض اللاحقة لأجل غير مسمى. تمثل التعقيد الرئيسي في مطالبة واشنطن بتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عامًا، وهو ما رفضته إيران بشدة، إلى جانب مقترحات أخرى تتعلق بنقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج.

مسار التفاوض الإيراني الجديد: “عملية” لا “حدث”

وصف السفير الإيراني في باكستان، رضا أميري مقدم، المفاوضات الجارية بأنها “عملية” لا “حدث”، في تغريدة تعكس استراتيجية إيرانية جديدة تهدف إلى تجنب عيوب اتفاق 2015. ترى إيران حاليًا المفاوضات كمسار شامل يتطلب إدارة حذرة وبطيئة.

تأتي هذه المقاربة كنتيجة لانتقادات سابقة لأسلوب فريق الرئيس السابق روحاني ووزير خارجيته ظريف في إدارة مفاوضات برنامجها النووي. تهدف الاستراتيجية الجديدة إلى بناء موقف تفاوضي أقوى من خلال بناء القدرات الدفاعية والاقتصادية.

تعتبر إيران المفاوضات الحالية جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل علاقاتها الدولية، لا سيما مع الصين، لضمان عدم تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقيات السابقة. يشير هذا التحول إلى اهتمام إيران المتزايد بتعزيز قدراتها الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد فقط على الدبلوماسية.

يعكس موقف إيران أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن ضمانات دولية قوية لمنع الانسحاب الأحادي، وأن يتم عبر آليات ملزمة لمجلس الأمن. هذا النهج يهدف إلى وضع إيران في موقف قوة تفاوضي.

ديسمبر 2020: انقلاب على جنيف في طهران

جاء اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده في نوفمبر 2020 ليُعيد إشعال الاحتجاجات داخل البرلمان الإيراني. تزامنت هذه الاحتجاجات مع تداعيات انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي، وقد قادها “تيار بيداري” (تيار ثبات الثورة).

كان هذا التيار يمتلك اعتراضات جوهرية على اتفاق 2015، متمثلة في افتقاره لضمانات لمنع انسحاب الأطراف الغربية، وهو ما أكده انسحاب الولايات المتحدة لاحقًا. يعتبر هذا التيار أن الاتفاق لم يقدم ضمانات كافية.

ألغى البرلمان الإيراني، الذي كان يرأسه باقر قاليباف آنذاك، اتفاق 2015 بشكل تدريجي عبر إقرار قانون في ديسمبر 2020. نص القانون على أن إيران لن تكون ملزمة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا لم تعد الأطراف الأخرى لالتزاماتها خلال شهرين، وهو ما أدى إلى رفع نسبة تخصيب اليورانيوم.

بعد إقرار القانون، رفعت إيران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60%، محققة بذلك مرحلة متقدمة في برنامجها النووي. أعضاء البرلمان الذين صاغوا هذا القانون هم الآن جزء من الوفد المفاوض، مما يعكس تصميمهم على عدم تكرار ما اعتبروه أخطاء الماضي.

يصر الوفد الإيراني على أن هذا القانون هو مرجعيته التفاوضية، مما يقضي بعدم التراجع عن الإطار الذي يسمح باستئناف التخصيب إذا انسحب الطرف الأمريكي أو امتنع عن رفع العقوبات بشكل دائم.

اقتصاد دفاعي وتوجه شرقًا

لا يقتصر القانون الذي أقره البرلمان الإيراني على كونه رد فعل على اغتيال فخري زاده، بل يأتي متزامنًا مع وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة مع الصين لمدة 25 عامًا، تندرج ضمن سياسة “النظر إلى الشرق”.

هذه السياسة كانت نتيجة لانتقادات داخل البرلمان بأن الجهود الدبلوماسية روحاني وظريف كان ينبغي أن تُوجَّه نحو بناء شراكة استراتيجية مع الصين، لاستخدامها كورقة ضغط في المفاوضات مع واشنطن.

تركز التفكير الإيراني تجاه الصين على سؤال محوري: كيف يمكن للشراكة مع بكين أن تجعل أي صراع تخوضه واشنطن مع طهران مكلفًا للصين أيضًا؟ هذا التحول يدفع بأزمة العلاقات مع الولايات المتحدة إلى مستوى دولي.

تشمل الاتفاقية مع الصين التعاون الأمني والعسكري، ونقل التكنولوجيا، وانخراط إيران في مبادرة الحزام والطريق، بالإضافة إلى مشاريع البنية التحتية في قطاعات النفط والغاز والتنقيب عن المعادن.

علاوة على ذلك، تضمنت الاتفاقية الربط المالي والمصرفي بين البلدين لمواجهة العقوبات، عبر نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (CIPS) الصيني، والذي يعتبر بديلاً لنظام سويفت (SWIFT).

كما سعت طهران عبر هذه الاتفاقية إلى إقامة مناطق حرة مع الصين حول مضيق هرمز، لتعزيز موقعها الاستراتيجي والاقتصادي.

على الصعيد العسكري، يُنظر إلى الحرب بأنها ميدان لاختبار التقنية العسكرية الصينية التي حصلت عليها طهران، مثل منظومة الرادار “YLC-8B” المضادة للتخفي.

تشير تقارير إلى تضرر طائرات أمريكية بفعل المضادات الجوية الإيرانية المدعومة بالرادارات الصينية، مما يكشف عن إمكانات التقنية الصينية في مواجهة الأسلحة الأمريكية.

سيبس على طاولة المفاوضات

كان الفصل المالي للحرب ذا أهمية قصوى، حيث زادت المعاملات عبر نظام CIPS الصيني بشكل غير مسبوق، مع انخفاض حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية من سندات الخزانة الأمريكية.

كان ملف CIPS أحد الملفات الأساسية أثناء التفاوض في إسلام آباد، مما يعكس أهميته في معادلة الضغوط المالية.

قلصت الصين استثماراتها في السندات الأمريكية، مما رفع معدل الفائدة على سندات الخزانة وساهم في حرب الفوائد مع واشنطن.

يعكس طلب الصين من إيران الاستجابة لوقف إطلاق النار، مع كون الصين الضامن لاستمرار الهدنة، اهتمامها بالحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي، وتقليل تأثير الحرب على مصالحها.

ترى إيران أن الحرب حولتها إلى جزء من أزمة دولية مرتبطة بتوازنات الولايات المتحدة والصين، مما يعزز موقفها التفاوضي ويصعب تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي من الاتفاقيات.

وتستضيف إسلام آباد المفاوضات بين واشنطن وطهران نظرًا لعلاقاتها الوثيقة بالصين والولايات المتحدة على حد سواء.

التفاوض الشامل والبطيء

يبرز محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، كشخصية رئيسية في المفاوضات، بفضل خبرته في الشق الاقتصادي والمالي من الاتفاقية بين إيران والصين.

يهدف همتي إلى الاستفادة من رفع العقوبات لبناء خط ائتماني طويل الأمد مع الصين والدول المشاركة في CIPS، لنقل الأصول الإيرانية المجمدة من نظام سويفت إلى CIPS.

كما أشرف همتي على بناء نظام تجاري للتبادل مع الصين يعتمد على مقايضة السلع، خاصة النفط، مقابل مشاريع البنية التحتية، مما ساعد إيران على النجاة من حرب العملة.

يسعى همتي إلى توسيع هذا النظام ليشمل جميع علاقات إيران التجارية، مما يقلل من الاعتماد على الدولار الأمريكي.

بالإضافة إلى ذلك، أشرف همتي على قناة بنك “كونلون” الصيني، التي تسمح بالتبادل باليوان مقابل الريال الإيراني، لمواجهة العقوبات.

تسعى إيران إلى العودة إلى نظام سويفت أو تفعيل البنية التحتية المالية التي بنتها لمواجهة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.

تصل الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم إلى أكثر من 100 مليار دولار، ويهدف الإفراج عنها إلى تعزيز الوضع الاقتصادي لإيران.

أبعد من المال

تتجاوز المفاوضات الحالية الجوانب الاقتصادية لتشمل الأبعاد العسكرية والجيوسياسية والنظام الدولي، مع وجود ممثلين أمنيين في الوفد الإيراني.

يشير وجود علي أكبر أحمديان، عضو مجلس الأمن القومي الإيراني، إلى أهمية الجوانب الأمنية في المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في لبنان.

يرى أحمديان أن التفاوض مع واشنطن يجب أن يتم على أساس إجبارها على تقديم شيء في البداية، والاعتماد على علاقات متوازنة مع الصين والقوى الصاعدة، مع إدراك أن الاتفاقات قد تكون مؤقتة.

كما يمثل إسماعيل أميدي مقدم، رئيس جامعة الدفاع الأعلى، جانبًا هامًا في المفاوضات، من خلال التركيز على التكامل بين اقتصاديات الدفاع وبقية قطاعات الاقتصاد الوطني.

لن تتخلى إيران عن برنامجها الصاروخي، بل قد تسعى إلى تفاوض عكسي لفتح أسواق لصناعاتها الدفاعية.

سعت إيران إلى تعطيل آلية “الزناد” للسماح بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، عبر قانون دعمته روسيا والصين في مجلس الأمن.

تسعى إيران إلى اتفاق جديد بضمان دولي، لا يسمح لواشنطن بالانسحاب منه فرديًا.

يرى المحللون أن الفشل الاستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي في الحرب الحالية قد يؤدي إلى تغييرات في قواعد النظام الدولي، مما يعزز موقف إيران.

ماذا بعد: من المتوقع أن تستمر المفاوضات في جولات قادمة، مع التركيز على القضايا النووية، والعقوبات، والضمانات الدولية. ستكون قدرة الأطراف على التوصل إلى اتفاق ملزم، مع مراعاة مصالح الصين، مفتاح نجاح المفاوضات.

شارك المقال
اترك تعليقك