“موسم صيد الميركافا”.. كيف يخوض حزب الله الحرب ضد دبابات إسرائيل؟

فريق التحرير

في المشهد العسكري المتغير، لم تعد الدبابات، تلك الوحوش الفولاذية التي كانت رمزًا للقوة الضاربة، تشق طريقها في جنوب لبنان بحرية مطلقة. فالحرب الحديثة، كما تتجلى في هذه المنطقة، قد أعادت تعريف دور الدبابة، حيث تتحرك ببطء محسوب أو تختبئ، مهددةً بضربات من الأعلى. فبفضل المسيرات الدقيقة والرخيصة، صار بإمكان أسلحة صغيرة الحجم وقليلة التكلفة أن تربك طواقم الدبابات، أو تشل أنظمتها الحساسة، مما يقلب موازين القوى في ساحة المعركة.

في جنوب لبنان، يتجلى هذا التحول بوضوح، حيث لم تعد الدبابات هي الكلمة الأخيرة في ساحة المعركة. فقبل هذا العصر، كان يمكن للدبابة أن تفرض سيطرتها بقوة مدفعها وسمك درعها. أما اليوم، فقد بات العدو يتربص في السماء، حيث تدور مسيرة، بالكاد تُرى أو تُسمع، لكنها تمتلك القدرة على رصد نقاط الضعف بدقة عبر كاميراتها وحساساتها، لتوجه ضربتها من الأعلى.

المسيرات تغير وجه الحرب: الحرب الأوكرانية نموذجًا

تُعد الحرب في أوكرانيا مثالاً حياً على هذا التحول. ففي تقرير لوكالة رويترز، وصفت المسيرات ذات منظور الشخص الأول (FPV) كيف غيّرت شكل الحرب، وجعلت حركة المركبات المدرعة مخاطرة شبه يومية. فقد أكد قائد دبابة أوكراني أن الدبابات لم تعد تجرؤ على دخول حقول مفتوحة، وأن دبابات مثل “تي-72” باتت تُستخدم كمدفعية ثابتة، محتميةً بسبب وابل المسيرات الذي يستهدفها.

تعتمد مسيرات منظور الشخص الأول على بث مباشر لما تراه الكاميرا المثبتة عليها، مما يمنحها قدرة كبيرة على المناورة والدقة. وغالبًا ما تكون هذه المسيرات منخفضة التكلفة، ويمكن تجهيزها بعبوات متفجرة، لتتحول إلى مسيرات انتحارية. إنها تجمع بين التكلفة الاقتصادية، والدقة، والمرونة، وقدرتها على استهداف مواقع محصنة وأفراد، والطيران على ارتفاعات منخفضة وبين العوائق، مما يصعب رصدها.

“استخدام المسيَّرات في مواجهة الدبابات والمدرعات ليس تفصيلًا تكتيكيًا فحسب، بل يمكن اعتباره انقلابًا في وظيفة الدبابة ذاتها.”

إن استخدام هذه المسيرات ضد الدبابات والمدرعات لا يعتبر تفصيلاً تكتيكياً بسيطاً، بل يمكن وصفه بانقلاب جذري في وظيفة الدبابة نفسها، فمن دورها في المناورة أصبحت وظيفتها مقتصرة على محاولة البقاء. والأهم من ذلك، هو أن آلاف المسيرات الدقيقة، التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضع مئات أو آلاف الدولارات، باتت تشل حركة دبابات تقدر قيمة الواحدة منها بعشرة ملايين دولار.

خطة حزب الله: “اقتصاد المسيرات” في جنوب لبنان

في جنوب لبنان، يبدو أن هذه التكتيكات قد بدأت تتخذ مسارًا جديًا. ففي تقرير لمنصة “ديفنس نيوز”، أشار خبراء إلى أن حزب الله يخوض مع إسرائيل “حربًا على الطريقة الأوكرانية” في جنوب لبنان، بعد أن بدأ بنشر مقاطع مصورة لمسيراته الانتحارية وهي تصطدم بدبابات “ميركافا” الإسرائيلية. وأعلن الحزب عن تدمير أو تعطيل 20 دبابة من هذا الطراز.

بدأت الهجمات في الثاني من مارس/آذار الماضي، حيث أطلق الحزب أكثر من 60 صاروخًا ومسيرة يوميًا، مستهدفًا مستوطنات شمال إسرائيل وتمركزات الجيش الإسرائيلي. وعلى الرغم من أن استخدام حزب الله للمسيرات قد لا يصل إلى حجم الاستخدام الأوكراني، إلا أنه يظهر محاولة جادة للاستفادة من مبدأ “اقتصاد المسيرات”، أي استخدام المسيرات الرخيصة لمعادلة كفة الحرب لصالح الطرف الأضعف.

فالمسيرة لم تعد مجرد قطعة تقنية، بل أصبحت جزءاً من اقتصاد حرب يقوم على الوفرة والسرعة والإتاحة الصناعية. وهذا ما ينتج عنه معادلة “الاستنزاف غير المتماثل”، حيث يفرض سلاح رخيص من حزب الله على إسرائيل دفاعاً باهظ الثمن. فبينما تتكلف مسيرة إيرانية حوالي 20-50 ألف دولار، يبلغ سعر صاروخ اعتراض واحد من منظومة “باتريوت” نحو 4 ملايين دولار. هذا يدفع نحو البحث عن حلول دفاعية أرخص، مثل المدافع والليزر، بدلاً من الاعتماد الدائم على الصواريخ باهظة الثمن.

مسيرات الألياف الضوئية: التهديد الجديد

دخلت مسيرات الألياف الضوئية كأحدث التهديدات التي تواجه إسرائيل في جنوب لبنان. هذه المسيرات الانتحارية الصغيرة، المتصلة بالمشغل عبر سلك ألياف ضوئية رفيع، تتمتع بميزة شبه حصانة ضد التشويش الإلكتروني التقليدي. كما أنها تنقل صورة واضحة، مما يجعلها فعالة جدًا ضد الأهداف المختبئة بين المباني أو داخل الخنادق.

برزت هذه الفئة من المسيرات استجابةً لحرب التشويش الدائرة. وعلى الرغم من وجود عيوب مثل ارتباط مداها بطول السلك واحتمال انقطاعه، إلا أن واردات أوكرانيا من الألياف البصرية تضاعفت، مما يشير إلى أهمية هذا العنصر الاستراتيجي في سباق المسيرات.

التكتيك الذي يحاصر الدبابة

لم تقتصر مواجهة الدبابات الإسرائيلية على المسيرات فقط. ففي جنوب لبنان، تبنى حزب الله تكتيكات جديدة باستخدام صواريخ “كورنيت” الروسية و”ألماس” الإيرانية. يعتبر صاروخ كورنيت تهديداً تقليدياً لدبابات الميركافا، لقدرته على اختراق التدريع من مسافات بعيدة. أما صاروخ ألماس، والذي يعتبر نسخة إيرانية من عائلة “سبايك” الإسرائيلية، فهو أكثر تطوراً في التوجيه والاشتباك المرن.

تشكل هذه الأسلحة، مع المسيرات، منظومة قتالية متكاملة. فبينما تقوم المسيرات بالرصد والكشف من الأعلى، تأتي الصواريخ لاستهداف نقاط الضعف، مثل السقف والبرج، حيث يكون التدريع أضعف. وهذا الضغط التراكمي على الطاقم وأنظمة الحماية للدبابة يجعلها أقل قدرة على المناورة والاستجابة.

استجابة إسرائيل: الدفاعات المتعددة

رداً على هذه التهديدات، تعمل إسرائيل على تطوير أنظمة دفاعية متقدمة. فقد طوّرت شركة رافائيل نسخة جديدة من نظام “تروفي” لتكون أكثر فعالية ضد الهجمات القادمة من الأعلى. كما تعمل إسرائيل على نظام “قبة المسيرات”، الذي يجمع بين الرادار وأجهزة كشف الإشارات اللاسلكية والكاميرات والتشويش الإلكتروني.

إلى جانب ذلك، يجري تطوير أنظمة الليزر، مثل “آيرون بيم”، لإسقاط الأهداف الصغيرة بتكلفة أقل. وتُضاف إلى ذلك الأقفاص المعدنية التي تُركب فوق الدبابات، لحماية إضافية ضد الهجمات، خاصة من المسيرات.

مع ذلك، فإن هذه الاستجابات لا تعيد معارك الدبابات إلى سابق عهدها. فالحرب الأوكرانية قدمت نموذجًا تحذيريًا، حيث فقدت الدبابات موقعها التقليدي في الحروب البرية، وأصبحت تواجه “مجزرة” في “منطقة قتل” المسيرات.

في نهاية المطاف، تهدف حرب حزب الله غير المتكافئة ضد إسرائيل إلى نزع مزايا الخصم الأقوى، بتركيزه على إبطاء التقدم، ورفع الكلفة، وتشتيت الانتباه. والهدف ليس تدمير القوة الإسرائيلية دفعة واحدة، بل تفكيك فعاليتها تدريجيًا، من خلال جعل كل تحرك إسرائيلي مخاطرة.

يكمن منطق الحرب غير المتكافئة الحديثة في جعل القوة الكبيرة أقل حرية في استخدام قوتها. وهذا ما يفعله حزب الله بالاعتماد على خلايا صغيرة مرنة، تضرب ثم تنسحب، وتترك للمسيرات مهمة تعقّب التحركات وتحديد اللحظة المناسبة للهجوم.

يعتمد نجاح خطة حزب الله على عاملين رئيسيين: مدى استمرارية خطوط إنتاج المسيرات والإمدادات الصاروخية، وصبر الإسرائيليين على حرب طويلة ومكلفة. فالحروب ليست شأنًا عسكريًا خالصًا، بل قدرة على استنزاف الطرف الآخر، وهنا يمكن للطرف الأضعف تقنيًا أن ينتصر في حرب طويلة إذا توفرت الظروف المناسبة.

شارك المقال
اترك تعليقك