مصباح يزدي.. مُعلم مجتبى خامنئي الذي منح الشرعية المطلقة للفقيه

فريق التحرير

توفي آية الله محمد تقي مصباح يزدي، أحد أبرز منظري ومفكري التيار الأصولي في إيران، عن عمر يناهز 85 عاماً. اشتهر يزدي بدفاعه المستميت عن نظرية “ولاية الفقيه”، مؤكداً على مركزيتها في النظام السياسي الإيراني. امتد تأثيره الفكري والسياسي لعقود، وشمل توليه مناصب بارزة وإشرافه على مؤسسات أكاديمية ودينية.

ولد مصباح يزدي في مدينة يزد عام 1934، وبدأ تعليمه الديني في النجف قبل أن يستقر في قم، حيث تتلمذ على يد شخصيات بارزة مثل روح الله الخميني ومحمد حسين الطباطبائي. انخرط خلال فترة حكم الشاه في العمل السياسي والثقافي السري، مساهماً في نشر فكر الثورة الإسلامية وتأسيس تنظيمات معارضة.

مصباح يزدي: داعية “ولاية الفقيه” المطلقة

يُعد مصباح يزدي من أبرز الشخصيات التي كرست جهودها للدفاع عن مفهوم “ولاية الفقيه” المطلقة، ورأى فيها الشكل الوحيد للحكم الإسلامي المعترف به. انطلاقاً من رؤيته العقائدية، اعتبر أن سلطة الولي الفقيه مقدسة ومعصومة، ولا يستمد شرعيته من إرادة الشعب، بل من تفويض إلهي.

عكس هذا الموقف الجدل حول دوره في الساحة السياسية والثقافية الإيرانية، خاصة في خلافاته مع التيار الإصلاحي. انتقد بشدة الحركات الإصلاحية، معتبراً أنها تدعو إلى “تقاليد جاهلية” سابقة، وقبل الإصلاح فقط ضمن الحدود التي يضعها المرشد الأعلى. حتى أنّه شكك في مفهوم الجمهورية، معتبراً أن الإمام الخميني تبنى النظام الجمهوري لمقتضيات سياسية آنية.

كما رفض يزدي المساواة المطلقة بين أتباع الديانات المختلفة، معارضاً المساواة في الحقوق المدنية، ومستشهداً بأحكام الذمة في الإسلام. وكانت له مواقف نقدية واضحة تجاه مقترحات الحقوق المدنية التي قدمها الرئيس السابق حسن روحاني.

تجلى ثقل يزدي السياسي عبر عضويته في مجلس خبراء القيادة، الذي يعتبر مسؤولاً عن تعيين المرشد الأعلى ومراقبته. انتخب لعضوية المجلس عدة مرات، ممثلاً محافظات مختلفة، بما فيها طهران وخراسان رضوي، مما يؤكد حضوره المحوري في دوائر صنع القرار الديني والسياسي حتى وفاته.

فيما يتعلق بمواقفه تجاه القضايا الدولية، عبّر مصباح يزدي عن عداء شديد تجاه الولايات المتحدة، واصفًا إياها بالعدو الجيوسياسي والفكري الذي يتعارض مع القيم الإسلامية. كما وُصفت مواقفه تجاه إسرائيل بأنها شديدة العداء، حيث اعتبرها جزءاً لا يتجزأ من مشروع الهيمنة الغربية على المنطقة.

كان لمصباح يزدي دور فاعل في تأسيس مؤسسات أكاديمية ودينية، أبرزها “مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي”، التي ترأسها حتى وفاته. كما أطلق بالتعاون مع منظمة الباسيج برنامج “طرح ولايت” لتعزيز المفاهيم الأيديولوجية، خصوصاً “ولاية الفقيه المطلقة”، بين الأساتذة والطلاب.

في سياق الانتخابات الرئاسية عام 2009، قدّم يزدي دعماً قوياً لمحمود أحمدي نجاد، الذي اعتبره تلميذاً مقرباً فكرياً. لكن هذا الدعم لم يكن مطلقاً، إذ سحب ثقته من نجاد لاحقاً في عام 2011، بعد خلاف الأخير مع المرشد الأعلى علي خامنئي، مؤكداً أن الشرعية السياسية ترتبط برضا القائد الأعلى أكثر من ارتباطها بالإرادة الشعبية.

كان لمصباح يزدي علاقة وثيقة بالمرشد الحالي علي خامنئي وابنه مجتبى، الذي حضر دروس يزدي في قم وتأثر بأفكاره. لعبت شبكاتهما داخل المؤسسات العسكرية، التي تشكلت في سياق الحرب، دوراً في تعزيز التيار المحافظ داخل النظام الإيراني.

ترك مصباح يزدي وراءه إرثاً فكرياً واسعاً، تجاوز 150 مجلداً، تتناول مواضيع مثل تفسير القرآن، والفلسفة، والأخلاق، والحكومة الإسلامية. من أبرز مؤلفاته “النبوة في القرآن”، و”السير إلى الله”، و”الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه”.

فيما يتعلق بالمستقبل، لا يزال تأثير مصباح يزدي الفكري واضحاً في الأوساط المحافظة في إيران. من uncertainty، كيفية استمرار تيار “ولاية الفقيه المطلقة” في ظل التحديات الداخلية والخارجية، وكيفية تطور المشهد السياسي الإيراني ودور المؤسسات التي شكلها يزدي.

شارك المقال
اترك تعليقك