نكون أو لا نكون.. المعركة الوجودية القادمة لحزب الله

فريق التحرير

في تصعيد لافت، أكد الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، في 26 يناير/كانون الثاني 2026، أن الحزب “سيتصدى لتهديدات ترامب بكل الإجراءات والاستعدادات”، ردًا على التهديدات الأمريكية بالاغتيال، مشددًا على أن “المس بالمرشد الإيراني يعد اغتيالاً للاستقرار في المنطقة والعالم”. جاء هذا الموقف، الذي وصفه البعض بأنه يتجاوز قدرة الحزب الفعلية بعد تصفية قياداته، ليتبعه دخول الحزب في مواجهة عسكرية مع إسرائيل في 2 مارس/آذار 2026، عقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في هجوم إسرائيلي-أمريكي.

ردت إسرائيل بشن مئات الغارات في لبنان ودعت سكان الجنوب للإخلاء، فيما بدأت عملية برية تحت عنوان “الدفاع المتقدم” بهدف توسيع المنطقة العازلة. صرح مسؤولون إسرائيليون بأن الحزب “وقع في كمين استراتيجي”، وأن الوقت “بات مناسبًا للقضاء على الحزب ونزع سلاحه نهائيًا”، مع تلميحات بتغيير الحدود الحالية بين لبنان وإسرائيل.

سلاح الحزب: انقسام داخل الدولة اللبنانية

في استجابة للضغوط، وقع حزب الله اتفاقًا لوقف إطلاق النار من جانب واحد في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، إلا أن تقريرًا للمركز الاستشاري للدراسات والتوثيق وثق 13,275 انتهاكًا إسرائيليًا خلال 13 شهرًا، شملت غارات وخرقًا جويًا، وأسفرت عن مقتل وإصابة المئات. التزم الحزب خلال هذه الفترة الصمت الميداني، مانحًا نفسه فرصة لترميم قدراته وسد الفجوات الأمنية التي ظهرت خلال دعمه للمقاومة في غزة.

تحليل إسرائيلي لمعهد “ألما” أشار إلى أن 254 عملية اغتيال وقعت بين أواخر 2024 وأوائل 2026، تركزت على الرتب الدنيا من عناصر الحزب، مما يعكس نجاعة الإجراءات الأمنية الجديدة للحزب في التكتم وحماية قياداته، ورأى أن وتيرة إعادة تأهيل الحزب العسكرية تجاوزت الجهد الإسرائيلي لتقويضه.

مع دخول حزب الله الحرب في 2 مارس/آذار، حظرت الحكومة اللبنانية أنشطته العسكرية والأمنية وأمرت الجيش بتسريع خطة نزع السلاح. اللافت في هذا القرار هو تصويت وزراء حركة أمل، حلفاء حزب الله المفترضين، لصالحه، مما عكس تباينًا في المواقف السياسية بينهما، خاصة بعد تعهدات رئيس مجلس النواب نبيه بري للجهات الدولية بعدم دخول حزب الله الحرب.

عقب القرار، أوقف الجيش اللبناني عناصر من حزب الله، وأحالت وزارة العدل القاضي المنتدب لدى المحكمة العسكرية للتحقيق. تعكس هذه الإجراءات صراعًا داخل المؤسسات اللبنانية بين نفوذ حزب الله وقوى تطالب بنزع سلاحه بدعم أمريكي غربي.

لا يزال قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، يرفض الزج بالمؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع الحزب، خوفًا من انقسام الجيش ودخول البلاد في حرب أهلية، مفضلاً العمل على فصل الدولة عن الحزب لتجنب تدمير البنية التحتية اللبنانية.

جدد نعيم قاسم موقف حزب الله بأن “المقاومة حق لن نتفاوض عليه”، رافضًا مبادرة فرنسية لوقف إطلاق النار مقابل تسليم السلاح. تهدف إسرائيل اليوم إلى فرض “اتفاق سلام” على الحكومة اللبنانية، بعد أن كان هدفها الأساسي نزع سلاح حزب الله. دعا الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لرعاية دولية، وهو ما كان يعتبر سابقًا من المحظورات السياسية.

لا تبدو إسرائيل قادرة على نزع سلاح الحزب أو حله دون توغل عميق في لبنان، ولم تفلح قدراتها الجوية في القضاء على وجود الحزب في جنوب نهر الليطاني. وقد أصدرت أوامر بإخلاء الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية في بيروت، مع تهديدات بتدميرها.

تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي في لبنان، وفرض التطبيع، لخلق شريك أمني وسياسي عند جبهتها الشمالية. قضى حزب الله فترة مراجعة شاملة بعد الضربات الكبيرة التي تعرض لها، معتمدًا سياسة الغموض لترميم قدراته العسكرية ورفع جاهزيته القتالية.

تعد “قوة الرضوان” نخبة فرق حزب الله القتالية، التي أعادت انتشارها شمال نهر الليطاني، وتم نقل جزء منها جنوب الليطاني لإنشاء شريط دفاعي. ينتشر عناصرها في خلايا صغيرة لمنح القادة استقلالية في اتخاذ القرارات.

في المواجهات الحالية، يعتمد مقاتلو الحزب على الأسلحة المضادة للدروع، مستفيدين من التضاريس الوعرة، ويمتلك الحزب آلاف الصواريخ المضادة للدبابات، بالإضافة إلى حوالي 25 ألف صاروخ أرض-أرض. يشكل تضاريس الجنوب اللبناني عاملاً مساعدًا للحزب، الذي عمل على تكثيف الغطاء النباتي في المنطقة ضمن مشاريع زراعية.

ضغوط محلية وإقليمية

تواجه حزب الله ضغوطًا محلية وإقليمية قد تحد من قدرته على المناورة. على الصعيد المحلي، يواجه الحزب ضغوطًا رسمية وشعبية، بالإضافة إلى “الاستقطاب الطائفي” ورفض بيئته الحاضنة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين.

على المستوى الإقليمي، يشكل التماس مع سوريا شرقًا عامل توتر، مع خشية اندلاع مواجهة تستنزف قدرات الحزب والدولة السورية. شهدت المنطقة محاولات تسلل إسرائيلية انتهت برد حزب الله والجيش اللبناني، وحوادث تتعلق باستخدام الجيش الإسرائيلي للأراضي السورية كنقطة انطلاق للهجوم.

ما يريده حزب الله وما لا يريده

بالنسبة لحزب الله، هذه المعركة هي للحفاظ على الوجود، وليس فقط للتضامن مع إيران. يسعى الحزب للخروج باتفاق يحفظ له حضوره السياسي ونفوذه، ويوقف التطبيع الإسرائيلي-اللبناني المتدرج، أو يواجه هزيمة سياسية غير مسبوقة.

الرهان الحالي على الميدان وما ستسفر عنه المعارك جنوب الليطاني، والاستهدافات الإسرائيلية، بالإضافة إلى التصعيد الإيراني وانضمام محتمل للحوثيين. هذه التطورات ستزيد الضغوط على الجبهة الإسرائيلية-الأمريكية.

يُعد خروج حزب الله من المعركة باتفاق يحفظ بقاءه وقدراته انتصارًا بحد ذاته، مقارنة بأهداف إسرائيل المتمثلة في تفكيك الحزب. حد الخسارة يبدأ من عدم قدرته على فرض واقع ميداني يجبر تل أبيب على خفض مستوى التصعيد.

المشهد اللبناني سيتأثر حتمًا، فإذا خرج حزب الله منتصرًا، سيستعيد دوره السياسي ويضمن مقاعد نيابية، ويعيد تشكيل شبكته من الحلفاء. أما النقيض فيعني مواجهة داخلية حول سلاحه وتقويض نفوذه.

يجد حزب الله نفسه اليوم يقاتل من أجل البقاء، ويرى نفسه آخر عثرة أمام تغوّل إسرائيلي في لبنان. في حال عدم نجاح الردع، سيكون لبنان على موعد مع تغييرات ضخمة لا يمكن التنبؤ بها.

شارك المقال
اترك تعليقك