كشف تحقيق استقصائي معمق، أجرته وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة، عن نمط استهداف منهجي للمنشآت الأمنية الداخلية في إيران منذ بدء الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط 2026. شملت الضربات 75 موقعًا أمنيًا، بما في ذلك مراكز شرطة محلية، وقواعد تحقيقات جنائية، ومقرات أمن عام، ونقاط تفتيش تابعة لقوات الباسيج، ولم يكن أي منها موقعًا ذا طبيعة عسكرية تقليدية أو نووية أو صاروخية.
الاستهداف الممنهج للبنية الأمنية الداخلية في إيران
وفقًا للتحقيق، الذي اعتمد على تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات المفتوحة، لم تكن الأهداف عسكرية بالمعنى التقليدي. بل كانت تتركز على المؤسسات التي تدير من خلالها الدولة الإيرانية حضورها اليومي في الأحياء والشوارع والأسواق. هذا النمط من الاستهداف، الذي لم يشمل بشكل منهجي مباني الوزارات المدنية أو المستشفيات أو شبكات الطاقة، يثير تساؤلات حول الاستراتيجية الكامنة وراء هذه الضربات.
تُشير الصور التي رصدتها وحدة التحقيقات الرقمية إلى أن القاعدة الحادية عشرة لشرطة التحقيقات الجنائية في جنوب طهران، التي كانت تختص بالجرائم الاقتصادية والسرقات، دُمّرت بالكامل في الموجة الأولى من الضربات. ولم تكن هذه الحالة منفردة، بل امتدت لتشمل 75 موقعًا أمنيًا داخليًا مؤكدًا بالصور حتى 10 مارس/آذار 2026.
تتبع هذا التحقيق خريطة الاستهداف، وحلل نمطها الجغرافي، وكشف عن تركّز استثنائي في العاصمة طهران، التي حصدت 31 استهدافًا من أصل 75. كما برز نمط جغرافي آخر، حيث تتمركز الضربات بكثافة عالية في النصف الغربي من إيران، خاصة في المدن ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل سنندج. ويكشف هذا التوزيع، عند مقارنته بخريطة الكثافة السكانية وانتشار مقار الشرطة والباسيج، عن منطق استهداف لا يتعلق بتدمير القدرة العسكرية، بل بتفكيك البنية الأمنية في المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان.
تضم منظومة الأمن الداخلي الإيرانية ركيزتين أساسيتين: قيادة إنفاذ القانون (فراجا) وقوات الباسيج. تضطلع “فراجا” بمهام إنفاذ القانون اليومية، بينما تعمل الباسيج كنظام رقابة مجتمعية واسع. وتمثل المقرات المستهدفة البنية التحتية التي تدير من خلالها الدولة حضورها الأمني وفرض سيطرتها اليومية.
مراكز الشرطة المحلية هي المكون الأبرز في قائمة الاستهدافات، وتشمل مراكز مثل مركز شرطة سقز في كردستان، والذي ظهرت الصور الجوية وتأكيد تدميره، ومقر الشرطة الخامس في طهران، الذي تعرض لتدمير شامل. كما شملت الضربات قواعد التحقيقات الجنائية، مثل القاعدة الحادية عشرة في طهران، والتي كانت تختص في مكافحة الجرائم الاقتصادية، والقاعدة السادسة التي خدمت منطقة سكنية حيوية.
بالإضافة إلى ذلك، استهدفت الضربات مقرات ونقاط تفتيش تابعة لقوات الباسيج، وهو ما يشير إلى تحول في العقيدة الاستهدافية نحو ملاحقة الحضور الأمني الميداني. وشملت هذه الاستهدافات مقر ناحية باسيج بهشتي في طهران.
تُشير تصريحات المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين إلى أن الهدف المعلن للحرب هو تدمير البرنامج الصاروخي وإبادة البحرية الإيرانية، بينما يرى البعض الآخر أن الهدف هو “كسر عظام النظام” وتفكيك بنيته الداخلية. يتماشى استهداف المراكز الأمنية مع خطاب “تحرير الشعب الإيراني”، الذي يهدف إلى إضفاء شرعية أخلاقية على الحرب.
لكن، وبعد مرور شهر على بدء الحرب، لم تشهد إيران انتفاضة شعبية واسعة، وبقيت منظومة الأمن الداخلي تعمل، وإن تحت ضغط هائل. ورغم تدمير عشرات المقرات واغتيال قيادات، فإن هذا لم يؤدِ إلى انهيار النظام أو إحداث فراغ أمني يمكن أن يؤدي إلى تحول ديمقراطي، بل قد يؤدي إلى تفكيك الدولة.
يبقى السؤال المطروح هو: ما هو مستقبل الوضع في إيران؟ هل ستتمكن منظومة الأمن الداخلي من إعادة بناء أدواتها، أم ستتعرض لانهيار فعلي؟ وما هو المصير الذي سيواجهه الشعب الإيراني بعد انتهاء القصف، هل سيتحرر من النظام أم سيجد نفسه وسط ركام دولة مفككة؟