هل يكون خامنئي “الشهيد الثالث” لدى الشيعة الإمامية؟

فريق التحرير

تقدم دراسة حديثة، نُشرت ضمن كتاب “العالم الشيعي: طرائق في التقليد والحداثة”، رؤى معمقة حول الذاكرة الشيعية والمخيال الجماعي، مسلطة الضوء على “بيت الأحزان” كمركز أساسي للرواية التاريخية الشيعية. تؤكد هذه المقاربة، التي قدمها كل من زين قاسم وبريجيت بلومفيلد، على الدور المحوري للسيدة فاطمة الزهراء، التي تُعرف في المخيال الشيعي بـ”سيدة بيت الأحزان”.

وفقاً للرواية التاريخية، فإن الإمام علي بن أبي طالب، بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قام ببناء “بيت الأحزان” في البقيع. كان هذا البيت ملاذاً للسيدة فاطمة الزهراء ولأبنائها الحسن والحسين، ليعبروا فيه عن حزنهم وعزائهم بعيداً عن أعين الناس. وبهذا، أصبحت السيدة فاطمة، بزواجها من الإمام علي وأمومتها للحسن والحسين، أماً للإمامة ورمزاً للحزن الدائم في الوجدان الشيعي.

يستعرض الكاتبان قاسم وبلومفيلد طقوساً متنوعة تعكس إحياء الشيعة لهذا الحزن، بدءاً من “التعزية” الإيرانية، التي تصل إلى إعادة تمثيل استشهاد الإمام الحسين، وصولاً إلى أشعار الجنان أو “ترانيم الحكمة” في جنوب آسيا، وأضرحة الخيزران التي تغمر بالمياه في عاشوراء بجنوب شرق آسيا. هذه المراسم، المتجذرة في مفهوم “بيت الأحزان”، تحول الحزن المستمر إلى مساحة للوجدان، مولدةً فنوناً وروحانيات تعبر عن الشجن والأسى.

الهوية الشيعية

ينظر الباحثون إلى الهوية الشيعية كقضية تطورت عبر مراحل تاريخية مختلفة، تتشابك فيها الأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية. يعتمد فهم الهوية الشيعية على قراءة معمقة لتراثهم الروحي والأدبي، وكيف تفاعلوا مع التحديات التي واجهتهم عبر القرون.

يشير الباحثون إلى أن فترة ما قبل الدولة البويهية، والفترة المغولية/التيمورية، والفترة الصفوية المبكرة، شكلت مراحل مفصلية في تنضيج الهوية الشيعية. خلال هذه الفترات، برزت محاولات لبلورة المعتقدات وتأسيس الفكر الشيعي ككيان مستقل.

يُعد كتاب “الكافي” للكليني مثالاً بارزاً على هذه المحاولات، حيث سعى إلى تجميع أحاديث الأئمة الاثني عشر لترسيخ المعتقد الشيعي والتفكير بالجماعة الشيعية ككيان متميز. هذه الجهود جاءت استجابة للميول العقلانية والفلسفية التي سادت في ذلك الوقت.

كما شهدت الفترة البويهية المبكرة مراجعات نقدية هامة، مثلما قام به محمد بن علي الصدوق، الذي أعاد النظر في بعض مسلمات التشيع وسلط الضوء على نقاط الالتقاء مع أصول الدين لدى أهل السنة. وهذا يعكس ديناميكية الفكر الشيعي وقدرته على التفاعل مع السياقات المختلفة.

يبرز الباحثون أن الصراع على السلطة، خاصة خلال الفترتين المملوكية والعثمانية، أدى إلى فترة من الانكماش الفقهي والأصولي الشيعي، ولم ينكسر هذا الانكماش إلا في أوقات ومواقع محددة.

الشهيد الأول والثاني

يُظهر تلقيب بعض أعلام الشيعة بـ”الشهيد الأول” و”الشهيد الثاني” مركزية مفهوم الشهادة في الهوية الشيعية. هؤلاء العلماء، بشهادتهم، أصبحوا رموزاً للصمود والتضحية في وجه التحديات.

يشير المؤرخون إلى أن الشهيد الأول، شمس الدين محمد بن مكي العاملي، كان فقيهاً ومتكلماً بارزاً، وتعرض للاستشهاد بسبب نشاطه السياسي. وتُروى عنه قصص تشبه قصص الأنبياء في مواجهتهم للظلم.

أما الشهيد الثاني، زين الدين بن نور الدين العاملي، فقد كان أيضاً فقيهاً وإمامياً مرموقاً. ترك تراثاً علمياً وفقهياً عظيماً، ولقي مصيراً مشابهاً للشهيد الأول، مما يعكس دور القيادات الدينية في تاريخ الشيعة.

إن محاولة تأسيس الحوزات العلمية في بلاد الشام من قبل هذين الشهيدين، تمنح تجربتيهما بعداً مركزياً في الوجدان الشيعي الديني. وتُظهر هذه التجارب كيف يعيد الشيعة استحضار معاناتهم عند كل تحدٍ سياسي أو اجتماعي.

تُعد ثورة الشيخ ناصيف النصار في جبل عامل مثالاً على ذلك، حيث أدى مقتله والحزن العام عليه إلى تحول قبره إلى مزار، مما دفع علماء النجف إلى إصدار فتوى تحرم ذلك خوفاً من البدع.

الخروج من القمقم

تمثل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 لحظة فارقة في تاريخ التشيع، ويمكن وصفها بأنها نوع من “لاهوت التحرير الإسلامي”. استندت الثورة إلى أدبيات ثورية دينية دعت إلى استعادة حضور الإسلام في المجال العام.

لم تكن الثورة الإيرانية مجرد حدث سياسي، بل كانت استجابة لتحديات حضارية واجتماعية وسياسية، ورفضاً للدونية أمام الغرب. عبرت عن طموح ثقافي لإثبات الذات المسلمة في العالم.

أكدت أدبيات الثورة، من علي شريعتي إلى مرتضى مطهري ومحمد باقر الصدر وآية الله الخميني، على أهمية مواجهة الغرب واستعادة الثقة بالثقافة الإسلامية.

تُعد الثورة الإسلامية الإيرانية، حسب رؤية بعض الباحثين، تعبيراً عن السعي لاستعادة الكرامة والحق في الوجود، وإعادة صياغة الذات الشيعية في مواجهة التحديات الحضارية.

الثورة والحزن

رغم انتصار الثورة الإيرانية، إلا أن ثقافة الشهادة ظلّت حاضرة، وتمثلت بشكل واضح في سينما المخرج مرتضى آويني، التي مزجت بين التصوف واليسار، وبين التشيع والشيوعية.

يمكن وصف الثورة الإيرانية بأنها “معسكر الحسين” الذي اتخذ من العالم مسرحاً له. أصبحت الجيوش الغربية تمثل “جيوش يزيد”، بينما تحوّل الفدائيون إلى “صحابة الحسين”.

لم تكن الثورة الإيرانية مجرد سعي للنصر، بل كانت بحثاً عن الفداء والبذل، حتى لو أغفل ذلك الواقع وإكراهاته. هذا المأزق قد يعود جزئياً إلى عقدة الاستشهاد في الوجدان الشيعي.

منذ عام 1979 وحتى الآن، شهدت إيران تحولات كبيرة، لكن علاقتها بالولايات المتحدة ظلت متوترة، وظلت الغرب ينظر إليها كقوة تحتاج إلى احتواء. هذا التوتر المستمر هو ما يشكل أساس العلاقة بين إيران والغرب.

شارك المقال
اترك تعليقك