في صباح يوم السبت 28 فبراير، استيقظت طهران على حدث هز أركان النظام الإيراني، حيث تعرض مقر المرشد علي خامنئي لقصف صاروخي دقيق أثناء اجتماعه بكبار قادته، مما أسفر عن مقتله عن عمر يناهز 86 عاماً. هذه الحادثة، التي ألقت بظلالها على مستقبل طهران، تأتي في سياق حرب خفية طال أمدها، ولم يكن منفذوها على دراية بمدى استمراريتها.
وفقا للرواية الإسرائيلية التي نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز، سبقت العملية سنوات من المراقبة السرية، واختراق شبكات كاميرات المرور، وتحليل دقيق للعلاقات الداخلية، بالإضافة إلى مصادر بشرية موثوقة. ومع ذلك، يبرز سؤال بسيط: أين يفترض أن يكون المسؤول في أيام العمل الأولى من الأسبوع؟ بالإجابة المنطقية: في مكتبه.
هذه المفارقة تكشف عن جانب خفي في عالم الاستخبارات، حيث يمكن للمعرفة البديهية أن تكون أساساً لعمليات تبدو معقدة ومذهلة. الخطاب الاستخباراتي غالباً ما يضفي هالة من الإبهار على العمليات العسكرية، فالعملية لا تقتصر نتائجها المباشرة، بل تمتد لتأثيرها النفسي الهيبوي. وهذا يعني أن سردية القوة ليست بالضرورة انعكاساً لواقع القوة ذاتها.
عند تفكيك أي عملية استخباراتية إلى عناصرها الواقعية، مثل شبكات المراقبة والمصادر البشرية وتحليل البيانات، تتلاشى الهالة الغامضة التي يصنعها الخطاب الدعائي. تعود العمليات إلى سياقها الحقيقي، حيث تعتمد على أدوات وإجراءات واضحة، لا على معجزات خفية. الخطاب الاستخباراتي الإسرائيلي يعتمد على هذه الأسطورة والهيبة كسلاح بحد ذاته، فإقناع الخصم بمواجهة قوة لا تقهر قد يؤدي إلى استسلامه قبل وقوع الضربة.
لكن السجل التاريخي للاختراقات الإسرائيلية في إيران يكشف نمطاً أبسط مما توحي به السرديات: عنصر بشري من الداخل يفتح الباب في كل مرة.
موجز تاريخ الاختراق الإسرائيلي
في يناير 2018، استولى فريق تابع للموساد على نحو نصف طن من وثائق “مشروع آماد” النووي من مستودع سري في طهران. لم يكن هذا مجرد اختراق تقني، بل كان واحداً من أكبر الانتكاسات الاستخباراتية التي تعرضت لها إيران.
تجاوز التفسير السهل لنجاح مثل هذه العمليات يتطلب النظر فيما وراء جرأة المنفذين. إخراج هذا الكمر الهائل من الوثائق يتطلب بالضرورة بيئة تنفيذية داخلية ساعدت على نجاح العملية، وهو ما تؤكده الدراسات الأمنية حول قدرة الأجهزة الأجنبية على الوصول إلى منتفعين أو مهمشين داخل المؤسسات الحساسة، سواء بدافع شخصي أو شعور بالتهميش.
من خلال هؤلاء “الميسرين المحليين”، تبنى شبكة توفر المعلومات اللوجستية أو تسهل الحركة. لم تُقرأ عملية عام 2018 كنجاح إسرائيلي فحسب، بل كفشل في منظومة الأمن الإيراني المضاد.
تكرر النمط نفسه في نطنز. بين عامي 2020 و2021، تعرضت المنشأة النووية لانفجارين، ودمرت نسبة كبيرة من أجهزة الطرد المركزي. أشارت التقارير إلى اختراق متعدد المستويات، بما في ذلك تنكر عناصر مرتبطة بالموساد في هيئة تجار مواد البناء، وإدخال متفجرات تم تفجيرها عن بعد. لكن البعد الأهم كان بشرياً، إذ نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في الوصول إلى أفراد داخل البيئة المرتبطة بالمنشأة.
في يناير 2023، تعرض مجمع تصنيع عسكري في أصفهان لهجوم بطائرات مسيرات. اعترفت السلطات الإيرانية بتعاون أحد المتهمين مع الموساد، مما يوضح أن العمليات لم تكن معتمدة على التكنولوجيا الإسرائيلية وحدها، بل كانت لها امتدادات محلية وشبكات داخلية.
عملية “الأسد الصاعد” في يونيو 2025 كشفت أن الحرب الخفية وصلت إلى قلب إيران. تضمنت العملية قواعد مسيرات سرية، وتخزين أسلحة متطورة، وشل الدفاعات الجوية، وتجميع طائرات مسيرة محلياً. ورغم الاعتقالات الواسعة، ظل السؤال معلقاً: كيف زرع الخصم بنية تخريبية بهذا العمق؟
الأعداء من الداخل
لا تقتصر مشكلة إيران على خصومها الخارجيين، بل تمتد إلى بعض مواطنيها المعارضين الذين يصبحون جسراً يعبر من خلاله هؤلاء الخصوم إلى قلب النظام.
وفقاً لتقرير للصحفي سيمور هيرش عام 2012، بدأت الولايات المتحدة منذ عام 2005 برنامج تدريب لعناصر من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وهي جماعة كانت مدرجة على قائمة الإرهاب.
نشأت منظمة مجاهدي خلق كحركة طلابية، وبرز اسمها في السبعينيات بعمليات مسلحة. بعد الثورة، دخلت في صدام دموي مع النظام الجديد.
وفقاً لهيرش، رأت دوائر أمريكية في المنظمة أداة محتملة لجمع المعلومات داخل إيران. برز اسمها دولياً عام 2002 لكشفها عن منشأة نووية سرية. ونقلت التقارير أن المنظمة كانت على اتصال بجهاز الموساد الإسرائيلي.
بعد سقوط صدام حسين، دخلت العلاقة بين المنظمة والأجهزة الغربية مرحلة أعمق، حيث تلقت المنظمة موارد مالية ومعدات لوجستية لدعم جمع المعلومات عن البرنامج النووي الإيراني.
بين عامي 2007 و2012، اغتيل خمسة علماء نوويين إيرانيين. نقلت شبكة NBC News عن مسؤولين أمريكيين أن الهجمات نفذت بواسطة عناصر من مجاهدي خلق بعد حصولهم على تدريب وتمويل من الموساد.
في عام 2012، بث التلفزيون الرسمي الإيراني فيلماً وثائقياً تضمن اعترافات لمنفذي عمليات الاغتيال، أكد أحدهم تلقيه تدريباً عسكرياً قرب تل أبيب. اعترفت وزارة الاستخبارات الإيرانية بتفكيك شبكتين شاركتا في تدريب المنفذين.
يمثل مسار رضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، حالة مختلفة من التعاون العلني. زار إسرائيل في أبريل 2023 والتقى مسؤولين إسرائيليين.
تعكس هذه المسارات المتباينة طبيعة الأدوات المتعددة المستخدمة في الصراع مع إيران، حيث تداخل العمل الاستخباراتي مع الحسابات السياسية والإعلامية.
الحرس الثوري: حماية الثورة والأكل منها
نجاح الاختراقات الاستخباراتية يتصل بحالة البنية الداخلية للدولة المستهدفة. الأجهزة التي تتشابك فيها المصالح وتضعف فيها الرقابة هي الأكثر قابلية للاختراق.
الحرس الثوري، الذي ولد كقوة تعبئة عقائدية، تحول جزئياً إلى شبكة واسعة تجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الأمني والامتداد الاقتصادي.
نما هذا الدور بشكل ملحوظ بعد الحرب العراقية الإيرانية، حيث أسس مقر خاتم الأنبياء للبناء، وتوسع ليشمل مجالات النفط والغاز وبنية تحتية واسعة.
توسع هذا الدور خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد، حيث حصلت شركات مرتبطة بالحرس على حصة كبيرة من المشاريع الحكومية.
الإشكالية لم تكن في حجم النفوذ فحسب، بل في طبيعته. عندما يتحول جهاز عسكري-أمني إلى لاعب اقتصادي كبير، تتداخل حدود الأمن والسياسة والاقتصاد.
قدم النظام هذا التوسع ضمن إطار “اقتصاد المقاومة” لمواجهة العقوبات، ولكنه أثار نقاشاً داخلياً حول توزيع الموارد.
مع اتساع الدور الاقتصادي للحرس، امتد حضوره إلى المجال السياسي والإداري، وشغل ضباطه السابقون مناصب رفيعة.
بهذا، تحول الجهاز الذي تأسس لحماية الثورة إلى مؤسسة ضخمة تتقاطع فيها السلطة الأمنية مع المصالح الاقتصادية والسياسية.
الباسيج.. ضبط المجتمع وتعزيز انقسامه أيضاً
يمثل الباسيج الذراع الاجتماعية والثقافية للدولة، وتضطلع مؤسسته الواسعة الانتشار بمراقبة الولاءات وتعزيز الأيديولوجيا في الحياة اليومية.
ينشط الباسيج في الرقابة الأخلاقية، ومراقبة النشاطات المعارضة، وفرض الحجاب، وإقامة نقاط التفتيش.
واجهت المؤسسة تناقضاً جوهرياً: فالباسيج الذي تأسس على التطوع والقناعة لم يعد قائماً عليها، بعدما تحسنت رواتب أفراده وحوافزهم.
اعترف مسؤولون بأن كثيراً من الشباب انضموا إليه بحثاً عن الامتيازات، مما أدى إلى فقدان جزء من شرعيته الاجتماعية.
هذا التحول كان أحد أسباب تآكل المناعة الداخلية في المجتمع الإيراني.
لماذا أصبح الاختراق سهلاً؟
تقوم فكرة الأمن القومي على حماية الدولة والمجتمع من الأخطار، لكن هذه الفكرة، حين تتحول إلى منظومة مغلقة من الأجهزة والمصالح الضيقة، قد تنقلب إلى نقيضها.
ظهر تآكل الانتماء أولاً في صور اللامبالاة تجاه رموز الدولة، أو الشماتة بإخفاقاتها، كما تجلى في كأس العالم.
تفاقمت آثار الحصار الاقتصادي، واتسعت مساحة الإغراء المالي، مما جعل بعض الأفراد أكثر عرضة للاستغلال.
اعترفت الأجهزة الإيرانية نفسها بوجود مواطنين جندوا لصالح أجهزة استخبارات أجنبية.
التهميش الأمني والسياسي لبعض المجموعات مثل الأكراد والبلوش فتح ثغرات لاستغلالهم، كما حدث في قضية اغتيال العالم محسن فخري زاده.
تظهر استطلاعات الرأي تراجعاً كبيراً في تأييد الجمهورية الإسلامية، مما يعكس شرخاً عميقاً بين الرواية الرسمية للنظام ووعي اجتماعي آخذ في التحول.
لا يعني ذلك تعاطفاً مع الاستهداف الخارجي، بل هو مسؤولية تحملها النظام عن الأزمات المعيشية.
عبقرية العدو ليست هي ما اخترق إيران، بل ما فعلته إيران بنفسها كان هو عامل الحسم. عندما فقدت المؤسسات ثقة المجتمع، لم يعد الخصم بحاجة إلى معجزات استخباراتية، بل يكفيه طرق الأبواب التي فتحها الخصم بيده.
في صباح فبراير/شباط، لم يكن السؤال الحقيقي عن مكان جلوس المسؤولين، بل لماذا أصبح بعض المقربين منهم مستعدين لخيانتهم، كما فعل آخرون قبلهم.