في الأيام الأخيرة، صعَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته تجاه إيران معلنًا انطلاق “أسطول ضخم” إلى الشرق الأوسط، مبديًا الأمل في “ألا تضطر واشنطن لاستخدامه” على حد قوله. يضع ترامب بذلك طهران بين مطرقة الالتزام بالمطالب الأمريكية وفرض قيود على برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، وسندان التعرض لضربة عسكرية.
هذه الرسائل العسكرية المزدوجة، التي تجمع بين التهديد العسكري والدعوة للتفاوض، ليست جديدة في الاستراتيجية الأمريكية، لكنها تكتسب حساسية أكبر في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، خاصة مع نشر “أسطول حاملة طائرات” في المنطقة.
“فريق” حاملة الطائرات: رسالة سياسية وعسكرية
كشف مسؤولون أمريكيون عن أن مركز القوة التي أرسلت إلى المنطقة يتمثل في مجموعة تقودها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” وثلاث مدمرات مرافقة. تضم هذه المجموعة طائرات مقاتلة متعددة المهام من طراز “إف/إيه-18إي/إف سوبر هورنت”، وطائرات التشويش “إي إيه-18 جي غرولير”، وطائرات “إف-35 سي”، بالإضافة إلى مروحيات مختلفة.
تُعتبر مجموعات حاملات الطائرات أدوات سياسية بقدر ما هي عسكرية، فهي توفر القدرة على شن دوريات استطلاع وضربات متفاوتة الشدة. وحتى في حال عدم استخدامها العسكري، فإن تحركها يمثل رسالة قوية للخصوم، مما قد يساعد الولايات المتحدة على انتزاع تنازلات دون اللجوء إلى العمل العسكري المباشر.
على المستوى العسكري، تلعب المدمرات دور الحارس لضمان أمان حاملة الطائرات، حيث توفر مظلة دفاع جوي وصاروخي بفضل راداراتها وأنظمة اعتراضها الدقيقة، قادرة على مواجهة الطائرات والصواريخ والمسيرات قبل الاقتراب. وبالإضافة إلى ذلك، تمنح المدمرات قدرة ضرب بعيدة المدى عبر صواريخ كروز، وتؤدي دورًا أساسيًا في الحرب ضد الغواصات ومهام الاستطلاع.
“منع الوصول والمناطق المحرمة” الإيرانية في مواجهة الأسطول الأمريكي
في المقابل، طورت إيران استراتيجية “منع الوصول والمناطق المحرمة” (A2/AD)، التي تهدف إلى جعل المنطقة صعبة ومكلفة على الخصوم. يركز مفهوم “منع الوصول” على إبعاد الخصم ومنعه من الاقتراب عبر تهديد القواعد والموانئ والسفن بصواريخ بعيدة المدى، بينما يهدف مفهوم “المناطق المحرمة” إلى جعل القتال داخل المنطقة خطراً وبطيئاً من خلال استخدام الألغام والزوارق السريعة والمسيرات وأنظمة التشويش والدفاعات الجوية.
ما وظيفة الحشد الأمريكي؟ بين الردع والهجوم
تنقسم آراء الخبراء حول الغرض من الحشد العسكري الأمريكي إلى اتجاهين رئيسيين. يرى أنصار “مدرسة الردع” أن التحركات الأمريكية ذات مغزى سياسي وتتمحور حول الدفاع عن القواعد والقوات الأمريكية ومساعدة الحلفاء، وليس شن هجوم واسع. ويستندون في ذلك إلى أن الضربات السابقة ضد المنشآت النووية الإيرانية اعتمدت بشكل أكبر على قاذفات بعيدة المدى من خارج المنطقة.
على الجانب الآخر، يرجح محللون أن التحركات الأمريكية تفتح الباب لخيارات هجومية أكثر، تبدأ من “ضربات ضد أهداف محددة” أو ربما “حملة أوسع”. ويشيرون إلى أن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب واسعة لا يتم بقرار واحد، بل عبر مسارات تدريجية قد تتطور بناءً على سلسلة الأفعال وردود الأفعال المتوقعة.
في حال اتخذت واشنطن قرارًا بتوجيه ضربة عسكرية، فمن المرجح أن تكون محدودة ومركزة في البداية، تستهدف الدفاعات الجوية، المواقع الصاروخية، ومراكز القيادة. ومن المتوقع أن يعقب ذلك رد إيراني عبر الصواريخ والمسيرات، لتتحدد طبيعة الصراع النهائية بناءً على نتائج العمليات.
سيناريو آخر محتمل هو توجيه ضربة كبرى موزعة على إطار زمني أوسع، تمتد لأيام أو أسابيع لضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية. لكن هذا الضغط المستمر قد يثير ردود أفعال أكبر من قبل الإيرانيين ويهدد بخروج المواجهات عن السيطرة.
إمكانات الاشتعال تتفاقم في ظل التوترات الإقليمية
يحذر خبراء من أن المنطقة تزخر بالوقود اللازم لإشعال صراع واسع، وتشمل العوامل ذلك تعطل مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، ووجود خطط لضربات إسرائيلية، بالإضافة إلى “إشارات” أمريكية بأن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني قد يؤدي إلى هجمات متجددة. هذا الوضع يزيد من احتمالية بدء جولة جديدة من الصراع بضربة محدودة تتبعها ردود تتسع بسرعة.
يضاف إلى ذلك، يؤخذ في الاعتبار دور الصين كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، مما يوفر لطهران موارد لتحديث ترسانتها العسكرية. وأي شعور لدى واشنطن بأن الأدوات الاقتصادية غير كافية لإبطاء البرنامج العسكري الإيراني قد يزيد من وزن الخيارات العسكرية. كما أن التقارب المحتمل بين الصين وإيران، وروسيا وكوريا الشمالية، ضد الهيمنة الأمريكية، يجعل واشنطن أكثر حساسية لأي تقدم عسكري إيراني.
عملية محدودة أم حرب واسعة: التحديات والسيناريوهات
يميل الخبراء إلى ترجيح سيناريو تنفيذ ضربة محدودة في إيران، بدلاً من حرب شاملة، وهو ما يتوافق مع النهج العملي الذي يميل فيه الرئيس ترامب إلى الحروب السريعة وتجنب العمليات الطويلة والمكلفة. هناك قيود سياسية إقليمية جدية، حيث عارضت معظم دول المنطقة، بما فيها حلفاء الولايات المتحدة، استخدام أراضيها أو أجوائها كمنصة للهجوم على طهران.
كما أن طبيعة الرد الإيراني غير مؤكدة، فإيران تعمل على ترميم دفاعاتها الجوية وتقييم نقاط القوة والضعف لجعل ردودها القادمة أكثر حدة، خاصة ضد إسرائيل. ومن المتوقع أن تستأنف جماعة الحوثيين هجومها على الملاحة في البحر الأحمر، مما يرفع الكلفة سريعًا بمساسه بالتجارة الدولية. وفي العراق، حذرت جماعات مسلحة من أن أي هجوم على إيران قد يؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة.
هذا التعقيد يقلل من دوافع الحرب الموسعة، خاصة أن واشنطن غير قادرة على التأكيد بأن أي ضربة، مهما بلغت شدتها، ستلحق ضررًا حقيقيًا بالنظام الإيراني. وتشير تقارير إلى أن هناك حديثًا داخل الإدارة الأمريكية عن إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية محدودة، مع خيارات غير مباشرة مثل العمليات السيبرانية والعقوبات الاقتصادية.
يجمع خطاب ترامب بين التلويح بالقوة العسكرية والدبلوماسية كخيار، وهو نمط يهدف غالبًا لدفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات. ومع ذلك، فإن سجل إدارة ترامب يشير إلى احتمالية تبعية التحركات العسكرية لعمليات عسكرية فعلية. يبقى السؤال المطروح هو حول نطاق الضربة ووقتها، وما هي الأهداف الحقيقية التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقها.