في 6 يناير/كانون الثاني 2026، شهدت مدينة حلب اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن الحكومية السورية ومقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تمركزوا في حيي الأشرفية والشيخ مقصود. لم تأتِ هذه المواجهات من فراغ، بل جاءت كتصعيد لتوترات متكررة في المدينة، وهي أكبر مدن سوريا ومركزها الاقتصادي والصناعي.
قسد: النشأة والمسار
برزت قسد، التي تأسست عام 2015 بدعم أمريكي، كمظلة عسكرية ضمت وحدات حماية الشعب الكردية، والتي بدورها انبثقت عن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. سعت قسد، عبر توسيع نطاق نفوذ وحدات حماية الشعب، إلى بناء إدارة ذاتية في المناطق التي تسيطر عليها، مستفيدة من دعم وتسليح أمريكي.
خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، وقبل تبلور التحالف مع الولايات المتحدة، قمعت وحدات حماية الشعب القوى السياسية الكردية الأخرى في محافظة الحسكة، قبل أن تتوسع لتشمل آلاف المقاتلين من العشائر العربية والسريان والآشوريين. ورغم طبيعة قسد المتنوعة، ظلت القيادة كردية حصراً، وغالبًا ما كان حزب العمال الكردستاني يؤثر في قراراتها.
بعد سقوط نظام الأسد، شهدت مناطق سيطرة قسد انضمام أعداد متزايدة من عناصر النظام السابق، الذين قاتلوا إلى جانب قسد. هذا المزيج من الخلفيات والدوافع المختلفة جعل من قسد كيانًا معقدًا، حيث يخدم بعضها لأسباب أيديولوجية، بينما ينضم آخرون بحثًا عن عمل أو بسبب التجنيد القسري، وظل ولاء العديد من المقاتلين العرب لقبائلهم.
ساهمت المعاملة التي لقيتها الأغلبية العربية في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد، بالإضافة إلى الدعم الأمريكي الذي تراجع لاحقًا، في انهيار تماسك قسد العسكري. وشهدت الأسابيع التي تلت الاشتباكات في حلب انسحابًا واسعًا لعناصر قسد، خاصة من المقاتلين العرب، وانضمامهم المتزايد للعشائر العربية، مما أدى إلى طرد قسد من مواقع رئيسية.
السياق السياسي والتطورات العسكرية
شكلت الاشتباكات في حلب نقطة تحول، دفعت القيادة السورية إلى التحرك بحسم. صدر مرسوم رئاسي جديد عالج المسألة الكردية، مؤكدًا على الحقوق المواطنة للأكراد وإلغاء إجراءات التمييز السابقة، فيما أargar هذا التحرك ارتياحًا دوليًا، خاصة في واشنطن. تزامن ذلك مع جهود الوساطة الأمريكية، التي هدفت إلى تنفيذ اتفاق مارس/آذار 2025، الذي تعثر تطبيقه بسبب هيمنة حزب العمال الكردستاني على قرارات القيادة الكردية.
أدت الضغوط العسكرية والدبلوماسية إلى توقيع اتفاق جديد في 18 يناير/كانون الثاني، يقضي بانسحاب قسد من محافظتي الرقة ودير الزور وعودة إدارة الدولة السورية إلى الحسكة، مما وضع نهاية فعليًا لما سمي بالإدارة الذاتية. ورغم التفاهمات، تواصلت المقاومة من قبل بعض عناصر قسد، الذين أطلقوا سراح معتقلين من تنظيم الدولة من سجن الشدادي. هذا التصرف اعتبر ابتزازًا وظففت دمشق الاتفاقات العسكرية والسياسية لحسم الموقف.
في ظل الضغوط المتزايدة، تبين أن نهاية قسد ككيان سياسي وعسكري مستقل باتت وشيكة. ومع تقدم القوات السورية نحو عين العرب والحسكة، بدأت تظهر مؤشرات على تحوّل في الموقف الأمريكي، حيث أكد الرئيس الأمريكي على وحدة سوريا وسيادتها. وتُظهر التطورات الأخيرة ضعف بنية قسد العسكرية وفقدانها لإرادة القتال، ويعكس هذا الانهيار في معنويات مقاتليها، الذين اعتادوا الاعتماد على الدعم الأمريكي.
من المتوقع أن تشهد الأيام القادمة استمرار جهود دمج العناصر التي كانت تابعة لقسد في مؤسسات الدولة السورية، فيما يبقى مصير القيادات التي تنتمي لحزب العمال الكردستاني غامضًا. كما أن تأمين مراكز احتجاز مسلحي تنظيم الدولة، التي كانت تحت سيطرة قسد، يشكل تحديًا إضافيًا.
يبقى السؤال حول مستقبل شمال شرق سوريا، ومدى نجاح الدولة السورية في بسط سيادتها الكاملة، مع ضمان حقوق كافة المكونات السورية، بما في ذلك الأكراد. وتُشير المؤشرات الأخيرة إلى استعداد سوري حاسم لحسم مسألة الحسكة، مما قد يفتح الباب أمام مواجهة حاسمة في الأسابيع القادمة إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات نهائية.