عيدروس الزبيدي.. رجل البندقية في زمن الدولة الغائبة

فريق التحرير

في خضم الصراع المعقد الذي يعيشه اليمن، يبرز اسم عيدروس الزبيدي كشخصية محورية في الجنوب. لطالما حاول الزبيدي تقديم نفسه كـ”زعيم الجنوب”، لكن هذا الطموح يواجه تحديات جمة تعكس الانقسامات العميقة داخل الجنوب نفسه. لم يتمكن الزبيدي من بناء إجماع جنوبي موحد، بل بدا مشروعه، بحسب التحليلات، أقرب إلى فرض واقع جديد وسيطرة سياسية لا مصالحة حقيقية. أدت الحرب في اليمن إلى تآكل مؤسسات الدولة، مما خلق فراغاً استغلته شخصيات وقوى مثل الزبيدي، لتوسيع نفوذها، لكن هذا الصعود كان مرتبطاً بالصراع المستمر أكثر من كونه مشروعاً سياسياً مستداماً.

الحرب اليمنية لم تعد مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل تحولت إلى إطار لإدارة المصالح المتشابكة. نشأ “اقتصاد حرب” يعتمد على مصادر متنوعة كالمساعدات والتهريب والجبايات، وولّدت هذه البنية شبكات نفوذ تتغذى من استمرار الصراع. في هذا السياق، تآكل مفهوم الدولة، وانتقلت السلطة إلى قوى قادرة على فرض سيطرتها على الأرض، مما جعل بروز كيانات مثل المجلس الانتقالي الجنوبي أمراً طبيعياً في ظل انهيار الدولة.

التكوين في زمن الانقسامات

وُلد عيدروس الزبيدي عام 1967 في محافظة الضالع. شهدت فترة تكوينه السياسية حدثين مفصليين: تأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، والتي سعت لبناء دولة مركزية، مقابل حالة عدم الاستقرار في شمال اليمن. هذا الاختلاف الهيكلي بين الشطرين ساهم في تعقيدات تجربة الوحدة اليمنية، حيث دخل الجنوب هذه التجربة بذاكرة مؤسسية قوية، بينما كان الشمال لا يزال يتشكل تحت تأثير التوازنات القبلية والعسكرية.

في فترة مبكرة من حياته، شهد الجنوب أحداث “الاثنين الدامي” في يناير 1986، وهو صراع داخلي داخل الحزب الاشتراكي اليمني تطور إلى مواجهات مناطقية. قسّمت هذه الأحداث الجنوب إلى معسكرين، وأدت إلى نزوح الآلاف. تُعتبر هذه الانقسامات، وفقاً للتحليلات، ذات تأثير بالغ على المشهد السياسي الجنوبي حتى يومنا هذا، إذ يُنظر إلى الزبيدي من قبل البعض كامتداد لأحد الأجنحة المتصارعة تاريخياً.

الجنوبي خصم نفسه

تواصلت الانقسامات التاريخية في الجنوب، وبرزت مجدداً في حرب 1994، حيث استُخدمت فصائل جنوبية ضد أخرى. يرى باحثون أن هذه التوازنات التاريخية المعقدة تلقي بظلالها على خيارات الزبيدي السياسية. عندما صعد المجلس الانتقالي الجنوبي، ظهرت ملاحظات حول تركيز ثقله السياسي والعسكري في مناطق محددة، مما أثار قلقاً لدى مناطق أخرى في الجنوب.

تُشير تحليلات إلى أن المواجهات في محافظات مثل شبوة لا تعكس بالضرورة تمسكاً بالوحدة، بل رفضاً لاحتكار النفوذ من قبل فاعل جنوبي واحد. هذا يعكس عمق الانقسامات الداخلية التي لم تُحل بعد. يكمن التحدي الرئيسي أمام أي مشروع جنوبي، بما في ذلك مشروع الزبيدي، في القدرة على رأب الصدع الداخلي، وليس فقط في إدارة الصراع الخارجي.

يعتمد الزبيدي بشكل كبير على القوة العسكرية، وهي مقاربة ترسخت منذ انطلاق حركة “حتم” في عام 1996، والتي أسسها على قناعة بأن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. هذه العقيدة القتالية أدت إلى بناء تنظيم عسكري سري واستهداف دوريات الجيش، مما جعله يُنظر إليه كنظام صنعاء كتهديد أمني مباشر، وليس مجرد معارض سياسي.

لم ينضم الزبيدي إلى الحراك الجنوبي السلمي عام 2007، بل حافظ على خياره القتالي. في عام 2011، عادت حركة “حتم” للعمل المسلح، مؤكدةً بذلك إيمانه بالرصاص كخيار أساسي. قبل عام من حرب 2015، أعلن الزبيدي تأسيس “المقاومة الجنوبية” بهدف صريح هو استعادة الجنوب، مما جعله في موقع جاهز للاستجابة عندما تحول المشهد اليمني إلى مواجهة مفتوحة.

صعد الزبيدي كقائد ميداني في سياق انهيار الدولة، حيث برزت القوة المسلحة كأداة وحيدة لفرض النظام. لم يكن صعوده نتاج توافق سياسي أو تفويض شعبي واسع، بل كان نتيجة فراغ أمني، وخلفية عسكرية جاهزة، ودعم إقليمي. مثلت محافظة الضالع، التي ينتمي إليها، نموذجاً مبكراً لهذا التحوّل، حيث تشكلت فيها قوة مسلحة قادرة على طرد الحوثيين.

في يوليو 2015، خلال “تحرير عدن”، لم يتصدر الزبيدي الواجهة مباشرة، بل كان ثقله العسكري مترسخاً في جبهات الضالع، بينما أُديرت معركة عدن بقيادات ميدانية وتشيكلات مقاومة أخرى. صعوده اللاحق لتولي زمام الأمور في عدن لم يكن استحقاقاً مباشراً لقيادته معركة التحرير، بل كان استدعاءً خارجياً لنموذج القوة المنظمة الذي شكّله في الضالع، ليتم تطبيقه على عدن التي كانت تعاني من فوضى الفصائل.

الهابط من الجبل إلى عدن

تأتي خلفية الزبيدي القادمة من جبال الضالع، بثقافتها القتالية وعلاقاتها القبلية، لتشرح تحدياته في حكم عدن، المدينة التجارية والمدنية. كان تعيينه محافظاً لعدن في 2015 بحثاً عن حل أمني في لحظة هشاشة للمدينة. يُفسر هذا التباين بين عقلية “رجل الجبل” ومتطلبات “رجل الدولة” سوء إدارته للمدينة، وانهيار الخدمات، وتعطل الإدارة، مما يعكس عدم تطابق بين خلفيته ومتطلبات المرحلة.

على الرغم من نجاح العمليات العسكرية التي قادها في مارس 2016، بتطهير عدن من “الجماعات الإرهابية” وتثبيت الأمن بدعم التحالف العربي، إلا أنه اعتمد في تثبيت نفوذه على بنية عسكرية أمنية ضيقة ترتكز على عصبية مناطقية. أعادت هذه البنية إنتاج مثلث الضالع ويافع كمركز ثقل سياسي وأمني، مستدعياً بذلك شرخ ما قبل الوحدة.

ومع تقديم نفسه كممثل وحيد للجنوب، أبدت حضرموت تململاً من هيمنته، وتعاملت أبين مع سلطته كخصم مؤجل. اختنقت عدن تحت حكم أمني كثيف فرض إيقاع المعسكر على المدينة. يفسر هذا التباعد بين السلطة والمجتمع غياب رد الفعل الشعبي الواسع في عام 2026 لحمايته، حيث نظر إليه قطاع واسع كغرباء عن النسيج المدني للمدن التي حكمها.

حاول الزبيدي اختزال جغرافيا الجنوب الشاسعة في “قرية” محاربة، وحكم مدينة “كوزموبوليتانية” بعقلية الخندق، مما أدى إلى سقوطه.

حين أصبحت الشرعية فخا

في عام 2017، مثلت إقالة الزبيدي من منصبه كمحافظ لعدن قطيعة مع منطق الدولة وتأسيس لسلطة أمر واقع خارج بنية الشرعية. بدأ هذا التحول بأزمة مطار عدن، ثم “إعلان عدن” الذي منح نفوذه غطاءً سياسياً، وتوج بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كياناً سياسياً وعسكرياً يدّعي تمثيل الجنوب.

انتقل الزبيدي من العمل داخل بنية الشرعية إلى بناء مشروع سياسي موازٍ يعتمد على السيطرة وفرض الوقائع. المواجهات التي بلغت ذروتها في أغسطس 2019، وطرد الحكومة من عدن، أعادت فتح الجرح الجنوبي القديم، حيث ظهر الانتقالي كامتداد لجناح مناطقي بعينه، مما أحيا قاموس “الطغمة والزمرة” بصيغ جديدة.

دخل الزبيدي في مأزق “الشرعنة” عبر اتفاق الرياض وعضويته في مجلس القيادة الرئاسي عام 2022. حصل على الاعتراف السياسي، لكنه خسر صوته الثوري، وأصبح جزءاً من منظومة سياسية يطرح فيها الأسئلة لا يطرحها. تاريخه يبرهن على أن قوته كانت دائماً في الميدان برفقة البندقية، ولم يظهر براعة مماثلة في متاهات السياسة.

مع تراجع نفوذه تدريجياً منذ عام 2023، رفضت حضرموت تمثيلها من خلال الانتقالي وشكّلت مجلسها الوطني، وظهرت قوات “درع الوطن” كقوة جنوبية موازية، مما أنهى احتكار الزبيدي للسلاح. في أبين وشبوة، ترسخ الانطباع بأن الانتقالي سلطة مناطقية أكثر من كونه مشروعاً وطنياً جامعاً.

مع تراجع النفوذ، عاد الزبيدي إلى خياره المفضل المتمثل في البندقية. في تصعيد عسكري واسع أواخر العام الماضي، فرض الانتقالي سيطرته على وادي حضرموت، ثم امتد باتجاه محافظة المهرة. هذا التمدد لم يرمم موقع الزبيدي بقدر ما كشف حدود نفوذه، وفتح عليه جبهة ضغوط إقليمية، حيث اعتُبر خرقاً للتوازنات الحساسة.

في نهاية المطاف، تفكك الغطاء من فوق الزبيدي، ليتبين أنه لم يكن دائماً محرك الخيوط، بل جزءاً من عرض أكبر، لعب فيه دور دمية مرتبطة بخيوط تديرها جهات خارجية، وتم إخراجها في اللحظة المناسبة.

شارك المقال
اترك تعليقك