عصر الإمبراطورية الجديد.. ترمب يستخدم نهج أمريكا عام 1898

فريق التحرير

عودة السياسات الإمبريالية: هل تعيش الولايات المتحدة عصر ماكينلي مجدداً؟

في تحليل عميق لسياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يجادل أروب مخارجي، مستشار سابق لوزارة التجارة الأمريكية، بأن نهج الإدارة الحالي ليس جديداً، بل يحمل أصداء قوية من سياسات الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. هذه الفترة شهدت بداية صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية وتوسع نفوذها في أمريكا اللاتينية وشرق المحيط الهادئ، وهي رؤية مشابهة لما يظهر في تعاملات واشنطن الحالية مع فنزويلا ودول أخرى.

يستعرض مخارجي، عبر مقال نُشر في مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، كيف أن ما حدث في فنزويلا يذكر بالسيطرة الأمريكية على الفلبين عام 1898. هذه الأحداث، وإن بدأت بدوافع داخلية، أدت إلى تعميق المسؤوليات الإقليمية للولايات المتحدة وحولتها إلى إمبراطورية عالمية. ويرى أن تصرفات ترامب، رغم انطلاقها من اعتبارات أمريكية داخلية، تتجه نحو تعزيز الدور الأمريكي في الخارج لحماية مصالحها الأمنية والتجارية.

السياسات الخارجية الأمريكية: أصداء من القرن التاسع عشر

يشير المقال إلى خطأ جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي السابق، في وصف فلاديمير بوتين بـ “عقلية من القرن التاسع عشر” عام 2014، حيث يبدو أن هذا الوصف ينطبق الآن بشكل أدق على السياسة الخارجية الأمريكية نفسها.

شهدت فترة ما بعد الحرب الأمريكية-الإسبانية عام 1898 توسعاً أمريكياً غير مسبوق، حيث استولت الولايات المتحدة على مستعمرات إسبانية سابقة في غوام والفلبين وبورتوريكو، وأعلنت الحماية على كوبا، وضمت هاواي، وبدأت في استكشاف مشاريع استراتيجية مثل قناة بنما. هذه التوسعات وضعت الولايات المتحدة بقوة على الساحة العالمية.

يُقارن المقال بين روح هذا العصر وسياسات إدارة ترامب الحالية، مشيراً إلى اهتمامه بالرسوم الجمركية، وقناة بنما، وعلاقاته مع كندا، واهتمامه بأمريكا اللاتينية، وسعيه لشراء أراضٍ مثل غرينلاند. هذه السياسات تستحضر أجواء أوائل القرن العشرين، وتجعل من ويليام ماكينلي وثيودور روزفلت، الرئيسين اللذين أدخلا الولايات المتحدة إلى “القرن الأمريكي”، مصدر إلهام محتمل لترامب.

قوة عالمية قديمة: أساس الازدهار والتوسع

كان الاقتصاد القوي محورياً في رؤية ماكينلي للقوة والأمن. سعى لحماية الأمريكيين من عدم اليقين الاقتصادي، مؤمناً بأن الازدهار الداخلي والاعتماد على الذات هما أساس قوة الولايات المتحدة. لم يكن قلقاً من هجوم عسكري مباشر بقدر قلقه من الكساد الاقتصادي الذي قد يؤدي إلى فوضى.

لعبت الأرض دوراً هاماً في هذه الرؤية. في عام 1899، أكد ماكينلي أن “اتساع رقعة أراضينا أضاف كثيراً إلى قوتنا وازدهارنا”. مع ضم الفلبين، أضيفت مساحة شاسعة إلى الأراضي الأمريكية، مما منح الولايات المتحدة مكانة وهيبة عالمية، وجعلها “قوة عالمية” في فترة قصيرة.

وسع روزفلت هذا المفهوم ليشمل التصور الاستراتيجي للجغرافيا، معتبراً أمريكا اللاتينية ضمن مجال النفوذ الأمريكي، مؤكداً على واجب الولايات المتحدة التدخل لحماية دول المنطقة من عدم الاستقرار، وهو ما يتعارض مع مبدأ السيادة.

كان مفهوم “الحضارة” ركناً أساسياً في رؤية ماكينلي وروزفلت، حيث صُنفت الشعوب على مقياس هرمي للتقدم. ربطت النخب الأمريكية هذه المفاهيم بمفاهيم مثل سيادة القانون، والنظام، والازدهار، والمسيحية، والحداثة، والتعليم. هذه المعايير كانت مشبعة بالتحيزات العرقية والاجتماعية والثقافية السائدة آنذاك.

قوة عالمية جديدة: ترامب والاقتصاد والأرض والحضارة

تتشابه نظرة إدارة ترامب الحالية لمفهومي القوة والأمن إلى حد كبير مع رؤية ماكينلي وروزفلت.

الاقتصاد له دور محوري في سياسة ترامب للأمن القومي، حيث تهدف إدارة ترامب إلى استعادة العصر الذهبي الأمريكي للصناعة عبر التركيز على إعادة التصنيع والحمائية. تضع سياسات الأمن الاقتصادي أولوية لمنطق نفعي قصير النظر، ينطبق على سياسات التكنولوجيا، التحالفات، والتنمية.

تحتل الأرض (بالمعنى الجغرافي) مكانة مهمة أيضاً في حسابات إدارة ترامب. فقد لوح ترامب بإمكانية الاستحواذ على أراضٍ في حديثه عن بنما وكندا وغرينلاند. وبعد اعتقال مادورو، وعد ترامب بإدارة فنزويلا قائلاً: “سنديرها إلى أن تتم مرحلة انتقالية مناسبة”، مما يشير إلى احتمال تدخل مباشر.

يلعب مفهوم “الحضارة” دوراً كبيراً في سياسات ترامب. فاعتقال مادورو ينسجم مع منطق روزفلت الهادف إلى تحقيق الاستقرار في نصف الكرة الغربي وعقاب “الجرائم ضد الحضارة”. يعتقد ترامب أن الفنزويليين غير قادرين على حكم أنفسهم، ما يذكر بالقلق “الحضاري” الذي كان لدى ماكينلي تجاه الفلبينيين.

تظهر أفكار الحضارة جلية في سياسات ترامب الأمنية الأخرى، مثل التوسع في مداهمات وكالة الهجرة والجمارك، والتركيز على الحدود، وإلغاء التأشيرات، مما يعكس رغبة في زيادة تجانس المجتمع الأمريكي.

المزيد من التدخلات.. والمشاكل

يعكس خطاب تنصيب ترامب عام 2025، الذي أكد فيه على أن “الولايات المتحدة ستعود مرة أخرى إلى اعتبار نفسها أمة تنمو، أمة تزيد ثروتنا، وتوسع أراضينا”، الارتباط العميق بتصورات القوة والأمن في أواخر القرن التاسع عشر. هذه الرؤية تذكر بخطاب ماكينلي الثاني.

يحمل عصر ماكينلي درساً تحذيرياً يتمثل في “فخ المتطفلين”. يواجه ترامب الآن خطر الانخراط في فنزويلا بنفس الطريقة التي تورطت بها إدارة ماكينلي في الفلبين. فالتدخل الأمريكي في الفلبين عام 1898، الذي بدأ بدافع إطاحة نظام قمعي، أدى إلى حرب طويلة ودموية، وكلفة مادية وأخلاقية هائلة.

إذا استمرت إدارة ترامب في الإشراف على فنزويلا، قد تجد نفسها في ورطة، حيث قد تظهر أحداث لم تكن ذات شأن بالنسبة للولايات المتحدة على أنها قضايا مصيرية. قد يؤدي ذلك إلى اضطرابات ومآس، ويتورط الرئيس وخلفاؤه في مواقف يصعب التخلي عنها، على غرار ما حدث مع الفلبين التي لم تنل استقلالها إلا عام 1946.

يشير أستاذ السياسة كالب بوميروي إلى أن الدول كلما ازدادت قوة شعرت عادة بقدر أكبر من انعدام الأمن. إذا بدأ ترامب بإدارة فنزويلا، فقد يجد أن التخلي عنها سيكون أمراً مستحيلاً.

شارك المقال
اترك تعليقك