تتربع موائد الإفطار الجماعية على رأس العادات الرمضانية في المملكة العربية السعودية، موحدةً نسيج المجتمع عبر مدنها من أقصى شمالها إلى غربها. مع اقتراب أذان المغرب، تتحول المساحات العامة أمام المساجد والساحات والأحياء إلى فضاءات مشتركة، يتبادل فيها الصائمون الطعام والدعاء، مجسدةً روح التكافل وقيم الشهر الفضيل.
من تبوك في الشمال البارد إلى جدة النابضة بالحياة على الساحل الغربي، تتجلى حكاية رمضان السعودية بتنوع جغرافي يوحد روح العطاء والتواصل. تتميز تبوك بحالة اجتماعية تعكس دفء العلاقات، بينما تحتضن جدة فعاليات تراثية متنوعة، ويتحول كورنيشها لقلب نابض بالحياة.
رمضان: حالة اجتماعية كاملة تتجاوز الجغرافيا
يصف أحمد الدهيلان، أحد أبناء تبوك، كيف يتحول رمضان إلى “حالة اجتماعية كاملة”، حيث تشعر المدينة كلها بأنها “بيت واحد” ينبض بإيقاع مختلف. قبيل المغرب، تعج أسواق تبوك بالنشاط، حيث تتكدس عربات التسوق وتعلو أصوات الباعة مقدمين التمور والبهارات والحلويات الشعبية، مضيفاً أن الأجواء تحمل روحاً من “الصبر والتسامح” كجزء من طقوس الشهر.
وتتحول الأسواق في تبوك إلى مساحات اجتماعية حية، تتبادل فيها التحيات والدعوات، ويعكس ذلك روح التكافل التي تمميز الشهر. بعد الأذان، تهدأ الأجواء، وتستحضر الموائد الرمضانية أطباقاً تقليدية متوارثة، منها المنسف الجريش، والمرقوق، والسمبوسة، واللقيمات، إلى جانب أصناف متعددة من التمور.
تؤكد هذه الأطباق، وفقاً للدهيلان، على عنصر الذاكرة، حيث يعيد تذوق الجريش مثلاً إلى الأذهان ذكريات الأجداد والقصص المتوارثة. وفي عديد من أحياء تبوك، تتواصل مآدب الإفطار الجماعية أمام المساجد، معتبرةً تقليداً راسخاً يعكس قيمة التكافل الاجتماعي، ويتسابق الأهالي في التبرع بالطعام والشراب، ليجلس الجميع على مائدة واحدة “متساوين” وفقاً لقوله.
جدة: مزيج من التاريخ والحداثة في أجواء رمضانية
في جدة، يبرز محمد فقيه منطقتين محوريتين في شهر رمضان: جدة التاريخية (البلد) وكورنيش المدينة. تعكس جدة التاريخية، بمعمارها الفريد المبني من حجر المرجان والنوافذ الخشبية “الرواشين”، براعة الحرفيين وذوق الأجداد، فضلاً عن مكانتها الأثرية كمحطة تجارية وثقافية.
خلال رمضان، تستضيف منطقة البلد بيوتًا تراثية مثل بيت نصيف وبيت المتبولي، بالإضافة إلى أسواق شعبية مثل سوق العلوي وسوق قابل، التي تعرض البهارات والمنسوجات والمنتجات اليدوية. ثم يتحول الحي إلى مركز حيوي يعج بالفعاليات الثقافية والفنية، وتتزين مطاعمه بالأطباق المحلية التي تعكس التنوع الثقافي للمنطقة.
أما كورنيش جدة، فيحتفظ بمكانته كعنوان بارز لأجواء رمضان، حيث يلتقي الناس بعد الإفطار. وتشتهر المائدة الجداوية بتقديم الفول والتميس، والشوربات، والسمبوسة، واللقيمات، والسوبيا. يستعيد الكورنيش حيويته بعد المغرب، ليصبح مساحة تجمع العائلات، حيث يركض الأطفال، ويتسامر الشباب، ويتأمل الآباء البحر، وتستمر الجلسات حتى ما قبل السحور.
تشكل هذه العادات الرمضانية في المملكة، من موائد الإفطار الجماعية إلى الأجواء الخاصة في المدن التاريخية والساحلية، تجسيداً لقيم التكافل والترابط الاجتماعي، وتعكس غنى الموروث الثقافي السعودي.