نابلس- مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تعيش عائلة الصابر في نابلس واقعاً مؤلماً بعد هدم الاحتلال لمنزلهم، مؤكدة أن أجواء الشهر الفضيل هذا العام ستكون الأصعب على الإطلاق. لم يتبق من منزل العائلة الذي لم يتجاوز عمره 10 أعوام سوى أنقاض، لتشكل خلفية لمشهد تشتت العائلة وتشريدها، مما يلقي بظلال قاتمة على شهر الاعتياد على الاجتماع العائلي.
تغنى تغريد الصابر، “أم عمار”، بمرارة فقدان “بيت العائلة” الذي كان يضمها وزوجها وابنتها، بالإضافة إلى ابنها وزوجته الحامل وأطفالهما. وتصف حال أسرتها المتنقلة بين بيوت أبنائها المتزوجين بأنه “شعور قاس جداً”، مؤكدة أن شهر رمضان هذا العام هو “الأصعب علينا على الإطلاق” بسبب قرار الاحتلال الجائر الذي حال دون لم شملهم.
اقتحامات على مائدة السحور
في بلدة يعبد غربي جنين، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي ليالي شهر رمضان، بما في ذلك مداهمة منزل الأسير عدنان حمارشة في ليلة الرابع من الشهر. لم يكتفِ الاحتلال بترويع العائلة، بل أحدثوا تخريباً متعمداً في محتويات المنزل واعتدوا على أفراده، فيما جرى اعتقال نجله عمر دون مبرر. يأتي هذا الاقتحام عشية قرار الاحتلال تمديد الاعتقال الإداري للأسير المقعد عدنان حمارشة، بعد أن كانت عائلته تستعد للإفراج عنه.
وصفت ابنة الأسير، ليلى حمارشة، ما يمارسه الاحتلال بأنه “تلاعب نفسي” يستهدف كسر فرحة العائلة. وأشارت إلى أن هذا الأسلوب تكرر للمرة الثانية، حيث فوجئت العائلة بتمديد اعتقال والدها في اللحظات الأخيرة بعد انتظار طويل عند حاجز الظاهرية.
تؤكد ليلى أن الاحتلال يسعى عبر هذه الانتهاكات إلى نزع طمأنينة الشهر الفضيل، حيث تعمدت القوات المقتحمة بدء عمليتها في وقت السحور، ما استمر لعدة ساعات، إضافة إلى طرد المصلين من مسجد قريب. ويشير مراقبون إلى أن هذه الاقتحامات تهدف إلى خلق حالة فزع يومي تتجاوز البعد الأمني لتستهدف الطقوس الاجتماعية والثقافية للشهر.
ترهيب ممنهج
يصف الناشط الفلسطيني صلاح الخواجا، ما يجري بأنه “جزء من عملية ترهيب ممنهجة تمتد حتى لحظة أذان الفجر”. ويرى أن استمرار الاقتحامات العسكرية في ساعات السحور والفجر يكرّس حالة خوف يومي، تتجاوز الجانب الأمني إلى استهداف الطقوس الدينية والاجتماعية المتوارثة.
ويضيف الخواجا أن الاحتلال يستهدف أيضاً الموروث الثقافي المرتبط برمضان، مثل شخصية “المسحراتي” الذي يواجه تضييقاً يمنعه من التجول بحرية. كما يتصاعد التنغيص على الحواجز العسكرية المنتشرة بين المحافظات، حيث يعمد الاحتلال إلى إغلاق طرق رئيسية وافتعال أزمات مرورية خانقة، لا سيما قبيل موعد الإفطار.
تتمثل أكبر عملية تضييق، بحسب الخواجا، في فرض قيود وشروط على المصلين الفلسطينيين في المسجد الأقصى المبارك، وتحديد أعمار المسموح لهم بدخول القدس للصلاة، مما يحول حق العبادة لخاضع لتقديرات أمنية متغيرة.
القدس في ذروة القيود
في مدينة القدس، بلغت التضييقات مستويات غير مسبوقة، حيث منعت قوات الاحتلال سكان البلدة القديمة من تزيين أحيائهم ابتهاجاً بقدوم رمضان، ما أدى إلى غياب أجواء البهجة المعتادة. طالت قرارات المنع طقوساً متجذرة في التراث المقدسي، بما في ذلك منع “المسحراتي” وإسكات مدفع رمضان، وعرقلة إدخال وجبات الإفطار إلى المسجد الأقصى.
كما فرضت سلطات الاحتلال قيوداً على مؤسسات ثقافية مثل جمعية “برج اللقلق” التي اعتادت إضاءة أكبر فانوس رمضاني. وتتواصل سياسة الإبعاد عن المسجد الأقصى، حيث صدرت أوامر إبعاد بحق أكثر من 1400 مقدسي، بمن فيهم خطباء وأئمة وصحفيون، مما يقوض روحانية الشهر الفضيل.
رغم الإجراءات المشددة وبرودة الطقس، يسجل المقدسيون موقفاً لافتاً بالصمود، حيث توافدت أعداد كبيرة إلى المسجد الأقصى لأداء صلاتي التراويح، متحدين بذلك القيود المفروضة. ويستمر التوتر مع تصريحات الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير حول اقتحام منطقة باب المغاربة، مما يشير إلى مساعي فرض وقائع ميدانية جديدة قد تعمق حالة التوتر في المدينة خلال هذا الشهر.