يثير التقارب المصري التركي، خاصة في المجال العسكري، قلقاً متزايداً في إسرائيل. فقد أعلن العميد المتقاعد أمير أفيفي، أحد مؤسسي حركة “الأمنيين” الإسرائيلية، عن مخاوفه من أن يكون هذا التحالف بمثابة “بوصلة” جديدة قد تعيد تشكيل المشهد الأمني في المنطقة، وتؤثر على القدرات العسكرية الإسرائيلية على المدى الطويل.
في 5 فبراير/شباط الماضي، أعرب أفيفي في مقطع فيديو نشره على منصة إكس عن دهشته من “توقيع مصر وتركيا اتفاق تعاون استراتيجي عسكري” في وقت تنشغل فيه إسرائيل بما وصفه بـ”إسقاط المحور الشيعي والانتظار للهجوم الأمريكي على النظام الإيراني”. واعتبر أفيفي أن هذه الاتفاقية تمثل محاولة من البلدين لتعميق تعاونهما الأمني بعد سنوات من التوتر، مشيراً إلى أن “الأتراك والمصريين ليسوا أعداء حالياً، لكنهم خصوم ويمكن أن يكونوا أعداء في المستقبل”.
“التحالف الإسلامي” يتحد ضد “التحالف الإبراهيمي”
تتزامن هذه المخاوف الإسرائيلية مع تحليل أوردته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية في 27 يناير/كانون الثاني، يشير إلى تشكل محورين متنافسين في الشرق الأوسط. المحور الأول، الذي تقوده إسرائيل وحلفاؤها، يهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة عبر القوة العسكرية والتعاون التكنولوجي، ويُطلق عليه “التحالف الإبراهيمي” نسبة إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. في المقابل، يظهر “التحالف الإسلامي”، الذي تقوده السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر، كرد فعل على هذا المحور، حيث ترى دوله أن إسرائيل تزعزع استقرار المنطقة وتدعم قوى انفصالية.
يعتقد المحور الجديد، بقيادة مصر والسعودية وتركيا، بضرورة الحفاظ على هياكل الدول القائمة ودعم سلطاتها، حتى لو كانت ضعيفة، لضمان سيادتها ووحدة أراضيها. هذا النهج يتناقض مع رؤية المحور الأول الذي يميل إلى التدخل العسكري المباشر في صراعات المنطقة.
التعاون العسكري يثير القلق في تل أبيب
يُعد التعاون العسكري بين مصر وتركيا أحد أبرز جوانب التقارب بين البلدين، وهو ما يثير قلقاً شديداً في إسرائيل. فقد بدأت تركيا بتزويد مصر بطائرات مسيرة من طراز “بيرقدار تي بي 2” الانتاج المحلي، وتشارك مصر في مشروع تطوير المقاتلة الشبحية التركية “قآن” من الجيل الخامس. كما تم توقيع اتفاقية لإنتاج المسيرة “تورخا” محلياً في مصر.
حذرت صحيفة “معاريف” العبرية من أن هذا التعاون العسكري وصل إلى مرحلة “خطيرة وغير مسبوقة”، وأن التفوق الجوي لسلاح الجو الإسرائيلي في المنطقة قد يتأثر، خاصة مع دخول مصر عالم صناعة الطيران العسكري. كما أجريت مناورات مشتركة بين القوات الخاصة المصرية والتركية، واستؤنفت المناورات البحرية المشتركة بعد توقف دام 13 عاماً.
يعكس هذا التقارب، الذي بلغ ذروته بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة للقاهرة، تزايد الثقة بين البلدين اللذين اتفقا على رفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028. وترى بعض التحليلات أن هذا التقارب قد يمهد لتشكيل “ناتو عربي إسلامي” إذا انضمت إليه قوى إقليمية أخرى.
التحالف المصري التركي وتداعياته على النفوذ الإقليمي
تخشى إسرائيل أن يمنح التقارب المصري التركي وزناً أكبر لهذا التحالف على الساحة الدولية، خاصة وأن كلتا الدولتين تتمتعان بعلاقات إيجابية مع الولايات المتحدة، على عكس إيران. يرى المحللون أن هذا التحالف قد يستخدم نفوذه لمحاولة عرقلة السياسات الإسرائيلية في المنطقة، خاصة في ظل تصاعد الأصوات المنتقدة لتلك السياسات داخل الولايات المتحدة.
في سياق متصل، قد يساهم هذا التقارب في توحيد الجهود لمواجهة ما تعتبره إسرائيل مساعي للتوسع في مناطق حساسة كالصومال. فبعد اعتراف إسرائيل بـ”جمهورية أرض الصومال” كدولة مستقلة، وهو موقف أدين من مصر وتركيا، يواجه هذا التحرك الإسرائيلي مقاومة محتملة من تحالف مصري تركي مدعوم سعودياً.
في محاولة لمواجهة هذه التحولات، تعزز إسرائيل تحالفها مع اليونان، خصم تركيا التقليدي. ويهدف التعاون العسكري المتزايد بين إسرائيل واليونان، خاصة في مجال مواجهة تهديدات المسيرات، إلى إرسال رسالة ردع إلى الدول التي تسعى “لإعادة المنطقة إلى الوراء وبناء الإمبراطوريات”، في إشارة مبطنة إلى مصر وتركيا.
تشير هذه التحولات الإقليمية المعقدة إلى أن المشهد السياسي في الشرق الأوسط يشهد تغيراً جذرياً، وأن التقارب المصري التركي، المدعوم من قوى إقليمية أخرى، بات يشكل عنصراً فاعلاً في معادلة القوى الجديدة، مما يفرض تحديات جديدة على إسرائيل في سعيها للحفاظ على تفوقها وأمنها.