الأقمار الصناعية توثق.. كيف تسبب الدعم السريع في انهيار الزراعة وتجويع السودانيين؟

فريق التحرير

في 15 ديسمبر 2023، كانت ولاية الجزيرة السودانية، وبالتحديد عاصمتها ود مدني، تمثل شريان حياة ومركزاً إنسانياً واقتصادياً حيوياً للسودان. كانت المدينة، التي تحولت إلى عاصمة بديلة بحكم الأمر الواقع، تأوي حوالي نصف مليون نازح هاربين من القتال، وتستضيف مستودعات برنامج الأغذية العالمي الرئيسية، ومركز الطوارئ الصحية الوطني، بالإضافة إلى 57 منظمة إنسانية. كما كانت المنطقة المحيطة بها تشهد ذروة موسم حصاد الذرة وبداية موسم زراعة القمح، مشروع كان يمثل وحده قرابة نصف إنتاج السودان من القمح. هذا الدور المحوري للمنطقة يجعل انهيارها لاحقاً يمثل ضربة قاصمة للأمن الغذائي السوداني.

لكن هذا المشهد الهادئ لم يدم طويلاً. ففي صباح ذلك اليوم، بدأت الهجمات على بلدة أبو قوتة شمال الولاية، وسرعان ما امتد القتال إلى أطراف ود مدني. بحلول 18 ديسمبر، عبرت القوات جسر حنتوب ودخلت المدينة، لتسقط في أيدي قوات الدعم السريع بعد يوم واحد. ما تبع ذلك كان كارثة إنسانية وزراعية، حيث تعرضت البنوك والمستودعات والمخازن للنهب، ونزح مئات الآلاف من السكان، وفرض حصار اتصالات شلّ الحياة والاقتصاد.

انهيار القطاع الزراعي في السودان: عواقب الحرب على الأمن الغذائي

إن ما حدث في الأسابيع القليلة تلك، والذي ستكشفه صور الأقمار الصناعية لاحقاً، يروي قصة انهيار القطاع الزراعي في واحدة من أكبر سلال الغذاء في المنطقة والعالم. هذا الانهيار لم يكن طبيعياً أو حتمياً، بل كان استجابة مباشرة لخريطة السيطرة العسكرية لقوات الدعم السريع على الأراضي الزراعية.

توضح الخرائط الجغرافية تركيز الزراعة المروية في السودان بشكل كبير على امتداد نهر النيل وروافده، وخاصة في وسط وشرق السودان. هذا التركيز يجعل المناطق الزراعية هدفاً استراتيجياً خلال النزاعات.

يكشف تحليل معمق، اعتمد على صور أقمار صناعية وبيانات أمن غذائي، عن العلاقة الوثيقة بين السيطرة العسكرية لقوات الدعم السريع والأمن الغذائي في السودان، الذي يعاني حالياً من أسوأ أزمة جوع في تاريخه الحديث.

في هذا التحقيق، نتابع ما حدث لأكبر المشاريع الزراعية المروية في ولايات وسط السودان، مثل مشروع الجزيرة، عبر تحليل مؤشر الغطاء النباتي المستخلص من صور الأقمار الصناعية، مدعوماً ببيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وتحليلات شبكات الإنذار المبكر بالمجاعات.

أما الهدف فهو فهم العلاقة بين السيطرة العسكرية لقوات الدعم السريع والأمن الغذائي، باستخدام خرائط السيطرة العسكرية وبيانات رسمية. تم التحقق من النتائج بمقارنتها مع تقييمات الأمن الغذائي وبيانات المنظمات الدولية.

ما نشهده في صور الأقمار الصناعية هو انهيار مروع.

فمشروع الجزيرة، الذي يمتد على مساحة 2.2 مليون فدان، ويمثل نصف الأراضي المروية في السودان، ويعتمد عليه حوالي 5 ملايين شخص، شهد تراجعاً مذهلاً في الإنتاج. إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) كشفت عن انهيار إنتاج القمح بنسبة 30% في موسم 2022/2023، ثم بنسبة 58% في موسم 2023/2024، وهو الموسم الذي شهد اقتحام ود مدني.

كما أكدت دراسات علمية انخفاض إنتاج القمح والذرة في ولاية الجزيرة بنحو 50%، وعزت ذلك إلى انهيار الائتمان الزراعي، ارتفاع أسعار المستلزمات، شح الوقود، وتدمير البنية التحتية للري.

حتى المساحات الخضراء المزروعة تراجعت بنحو 36%، ووصف المشروع بأنه من أكثر المناطق التي شهدت “تراجعاً في الوصول إلى المزارع بفعل النزاع”، وأن خطر الاستهداف أبعد المزارعين عن حقولهم.

تقديرات مدير مشروع الجزيرة أشارت إلى أن خسائر المشروع تجاوزت 6 مليارات دولار خلال فترة سيطرة الدعم السريع، مع تقلص مساحة القمح المزروعة إلى النصف تقريباً.

على أرض الواقع، تبدو الأوضاع أكثر قسوة. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة والمستلزمات الزراعية بشكل جنوني، وتقلصت المساحات المزروعة إلى جزء بسيط مما كانت عليه قبل الحرب.

تجدر الإشارة إلى أن مؤشر الغطاء النباتي يقيس “الخضرة” بشكل عام، وقد تعكس بعض الارتفاعات انتشار الأعشاب البرية في الحقول المهجورة بدلاً من المحاصيل المزروعة. ومع ذلك، في المشاريع المروية الكبرى مثل الجزيرة، يمكن الاعتماد على تحليل الأنماط الهندسية للتمييز بين الزراعة المنظمة والنمو الطبيعي.

انهيار منظومة الري المتكاملة، بما في ذلك تشغيل محطات الضخ وصيانة القنوات، أدى إلى ظهور أنماط عشوائية في الحقول، مما يؤكد توقف النشاط الزراعي المنظم. هذا ما رصدته شبكات الإنذار المبكر بخصوص مشروعي الجزيرة والرهد.

على الصعيد الأمني الغذائي، يعيش ملايين السودانيين في مستويات الأزمة أو أسوأ، بمن فيهم من بلغوا مستوى الكارثة.

The original text mentions a “repeated pattern” and analyzes other agricultural projects like Rahad and Suki, as well as Khartoum. This suggests the need for keywords related to these areas and the general topic of agricultural collapse in Sudan due to conflict.

نمط متكرر يؤكد الفرضية

لكن هل ما حدث في مشروع الجزيرة حالة فردية؟ تحليل مشاريع أخرى مثل الرهد والسوكي يوضح نمطاً متطابقاً. انخفض النشاط الزراعي بشكل حاد خلال فترة سيطرة قوات الدعم السريع، بينما تعافى تدريجياً مع انسحابها.

تكشف الرسوم البيانية وصور الأقمار الصناعية عن استقرار في مؤشرات الغطاء النباتي بين عامي 2020 و2023، ثم انحدار حاد في عام 2024، وبداية تعافي في عام 2025.

تزامن هذا الانحدار مع سيطرة قوات الدعم السريع على المشاريع الزراعية القومية الكبرى في ولايتي الجزيرة وسنار. ومع عودة الجيش للسيطرة على هذه المناطق، بدأ التعافي.

الأدلة من مصادر مستقلة تشير إلى تدمير ممنهج للبنية التحتية الزراعية، نهب للمعدات والبذور، وتأثير مباشر على العمالة الزراعية، مما يقضي على كل حلقة في السلسلة الزراعية.

ما وقع كان سلسلة من الضربات المتتالية التي ضربت كل حلقة في السلسلة الزراعية، بدءًا من البنية التحتية، إلى العمالة، وصولاً إلى المحاصيل المخزنة.

تحويل مسار قنوات الري، استغلال أكياس المحاصيل كجسور، وإلحاق أضرار مباشرة بمنشآت الري، كلها ممارسات وثقتها تقارير وكالات مختلفة. كما أدى النزوح الجماعي إلى فقدان المشروع للعمالة المتخصصة.

الخنق الاقتصادي، من انهيار واردات الأسمدة وارتفاع أسعار الوقود، جعل تشغيل مضخات الري مستحيلاً لكثير من التعاونيات.

الأدلة المترابطة تثبت قيام قوات الدعم السريع بتفكيك بنيوي لكل مقومات الإنتاج الزراعي.

وتؤكد تقارير مستقلة أن تراجع قوات الدعم السريع تزامن مع بداية تعافي تدريجي في ولايات وسط السودان، مدعوماً بالاستقرار الأمني.

شبكة الإنذار المبكر للمجاعات أشارت إلى عودة المزارعين النازحين في مناطق الإنتاج الغذائي، رغم استمرار تحديات إصلاح أنظمة الري وتأمين مستلزمات الإنتاج.

الخرطوم تثبت الفرضية

لكي نختبر فرضية العلاقة بين السيطرة العسكرية والانهيار الزراعي، نحتاج إلى “مجموعة ضابطة”. ولاية الخرطوم، التي تقع في نفس الحزام المناخي مع الجزيرة، تقدم هذه المجموعة، حيث شهدت قتالاً مستمراً لفترة أطول.

الخرطوم كانت أول ولاية يشتعل فيها القتال، وآخر ولاية تعاد السيطرة عليها في وسط السودان. ورغم تشابه الظروف المناخية مع الجزيرة، إلا أن المشاريع الزراعية في الخرطوم لم تشهد أي تحسن يذكر.

صور الأقمار الصناعية تظهر تدهوراً مستمراً للغطاء النباتي في مشاريع الخرطوم، وغياب تام للأنماط الهندسية التي تميز الزراعة المروية.

بينما انسحبت قوات الدعم السريع من الجزيرة وسنار، استمر القتال في الخرطوم لفترة أطول، مما حال دون عودة النشاط الزراعي.

الاختلاف في توقيت استعادة السيطرة يعني أن التعافي الزراعي لا يحتاج فقط إلى انفراجة أمنية، بل إلى موسم زراعي كامل من الاستقرار.

تقارير الأمن الغذائي تؤكد أن التحسن في وسط السودان يظل هشاً، وأن العائدين إلى الخرطوم والجزيرة سيعانون للاستفادة من الحصاد بسبب تدمير البنية التحتية ونقص الموارد.

وبالمقارنة مع ولايتي الجزيرة وسنار، لم ترصد صور الأقمار الصناعية عمليات إعادة إعمار واسعة النطاق داخل المنشآت المتضررة في الخرطوم.

وعلى الرغم من حجم الدمار في المنشآت الصناعية بولاية الخرطوم، إلا أن جهود إعادة الإعمار ظلت محدودة جداً مقارنة بمجهودات ولايتي الجزيرة وسنار.

إن العلاقة بين الحرب والجوع معروفة، لكن البيانات تقدم قياسات مباشرة لحجم الانهيار وتوقيته. مشروع الجزيرة يثبت أن التعافي ممكن مع عودة الاستقرار، ولكنه يبقى هشاً. الخرطوم تثبت أن استمرار القتال يعني خسارة موسم زراعي آخر وانعدام الأمن الغذائي لملايين.

شارك المقال
اترك تعليقك