29 دولة انخفضت عملاتها.. كيف دفعت أفريقيا ثمن حرب إيران؟

فريق التحرير

مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، تدق الأجراس في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة لمسارات الطاقة والتجارة الدولية. إن تداعيات هذا التصعيد لا تقتصر على المواجهة المباشرة، بل تمتد لتضرب بعمق الأسواق العالمية والطرق البحرية وشبكات التجارة، مؤثرة على اقتصادات بعيدة عن مسرح الصراع. لكن هذا التأثير لا يتوزع بالتساوي؛ فبينما تمتلك الاقتصادات الكبرى أدوات مالية وقدرات على امتصاص الصدمات، تواجه الاقتصادات النامية، وخاصة في أفريقيا، تحديات مضاعفة.

تعتمد العديد من الدول الأفريقية على واردات الطاقة والسلع الأساسية، وترتبط بعلاقات اقتصادية وثيقة مع دول الخليج. لذا، فإن أي اضطراب جيوسياسي في هذه المنطقة سرعان ما يتحول إلى مصدر اضطرابات اقتصادية كبيرة تؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين. وهنا تتجلى المفارقة، فالحروب التي تشتعل في مراكز القوة تجد طريقها إلى مجتمعات لم تكن طرفًا في النزاع، مما يثير تساؤلات حول كيفية انتقال آثار هذه الأزمات إلى الاقتصادات الأكثر هشاشة، ولماذا تتحمل أفريقيا غالبًا ثمن صراعات لا تشارك في صنعها.

ما بدأ في هرمز لا يبقى في هرمز

مضيق هرمز، نقطة الاختناق الحيوية بين إيران وعُمان، يمثل شريانًا رئيسيًا لصادرات الطاقة من الخليج إلى العالم. يمر عبره يوميًا ما يقارب 20 مليون برميل نفط، أي نحو خُمس التجارة النفطية العالمية، بالإضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. لكن أهمية المضيق لا تقتصر على الطاقة؛ فهو يمر عبره أيضًا ما بين 2-3% من حركة الحاويات العالمية، مما يجعل أي اضطراب فيه يؤثر على شبكات الشحن الجوي العالمية أيضًا.

إضافة إلى ذلك، يلعب مضيق هرمز دورًا حاسمًا في ضمان الأمن الزراعي العالمي. يمر عبره حوالي ثلث صادرات اليوريا العالمية، وهي مادة أساسية للأسمدة التي يعتمد عليها نصف الإنتاج الغذائي العالمي تقريبًا. وبالتالي، فإن أي توترات في هذه المنطقة تهدد استقرار الإمدادات الزراعية وتؤثر على القدرة على توفير الغذاء.

لم تقتصر تداعيات الأزمة على قفزة أسعار النفط، بل شملت أزمة شحن وتأمين غير مسبوقة. اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها، مما زاد التكاليف ورفع إحجام شركات التأمين عن تغطية مخاطر الحرب، تاركة سلاسل الإمداد عرضة للخطر. كما ارتفعت أسعار الأسمدة والمدخلات الزراعية بنسب كبيرة، مما جعل تكلفة الغذاء خاضعة لأسعار الوقود والمواد الأولية من المنطقة المتأثرة.

تشير تقديرات إلى أن كل زيادة مستدامة قدرها 10 دولارات في أسعار النفط تقلل النمو العالمي بنحو 10-20 نقطة أساس سنويًا وتدفع التضخم لمستويات قياسية. وتظل الحقيقة المرة أن هذه الصدمات تؤثر بشكل غير متساوٍ، فبينما تستطيع الدول الكبرى امتصاص جزء من الأزمة، تتحول هذه التقلبات إلى “انفجارات معيشية” وديون متراكمة في الدول النامية والفقيرة، مما يكشف عن هشاشة هيكلية تجعل أفريقيا تدفع الثمن الأكبر لصراعات بعيدة.

أفريقيا في قلب العاصفة

تعيش القارة الأفريقية في وضع يكشف عن هشاشتها الاقتصادية، حيث تعمل التبعية الاقتصادية كمضخم للأزمات. فمع اعتماد معظم الدول الأفريقية على استيراد السلع الأساسية وتصدير المواد الخام، تجد نفسها مكشوفة تجاريًا وتمويليًا عند أي اضطراب عالمي. غالبًا ما تصبح العملات المحلية والسيولة رهينة لتقلبات الدولار وهروب رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة.

هذا التقاطع بين التقلبات العالمية والتبعية البنيوية يحول أي اضطراب إقليمي إلى أزمة معيشية واجتماعية عميقة في أفريقيا. وتُعد القارة واحدة من أكثر المناطق عرضة لتداعيات هذه الصدمات، حيث تتداخل التقلبات الخارجية مع هشاشة اقتصادية متأصلة.

في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الصدمات الخارجية، لا تكون آثار الحروب خبرًا بعيدًا بل ضغوطًا يومية تعيد تشكيل الأسواق والمعيشة. وتظهر البيانات تفاوتًا كبيرًا في تأثير ارتفاع أسعار الوقود داخل القارة، حيث تتأثر بعض الاقتصادات بشدة، بينما تتأثر أخرى بدرجة أقل، بناءً على مستويات الهشاشة والانكشاف. يترافق هذا مع اعتماد أفريقيا على استيراد المنتجات البترولية المكررة رغم امتلاكها موارد نفطية، نتيجة لمحدودية قدراتها التكريرية، مما يكلف القارة خسائر كبيرة سنويًا.

هذه البنية الاقتصادية تكشف عن نمط “تبعية” راسخ، حيث يعزز ضعف الاستثمار في المصافي وهيمنة الشركات الأجنبية اعتماد الاقتصادات الأفريقية على استيراد الوقود، مما يجعلها أكثر عرضة لارتدادات الصدمات الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد أفريقيا بشكل كبير على النقل البحري في نحو 90% من تجارتها، مما يجعلها عرضة لتعطل الممرات الملاحية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

ارتفاع أسعار الأسمدة يمثل تهديدًا مباشرًا للإنتاج الغذائي في قارة تعتمد فيها الزراعة بشكل أساسي على سبل العيش. وكشفت الحروب السابقة عن انخفاض كبير في إنتاج الحبوب وزيادة في عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي. ومع إنفاق الأسر الأفريقية نسبة كبيرة من دخلها على الغذاء، يصبح تضخم الأسعار أداة لسحق الدخل الحقيقي ودفع ملايين العائلات نحو الجوع.

في ظل توقعات بانفراج معدلات التضخم، كشفت الحرب عن الهشاشة الهيكلية الأفريقية، حيث عصف التضخم بآمال الاستقرار. وتحذر المؤسسات الدولية من أن أي زيادة في أسعار النفط تترجم فورًا إلى قفزات في التضخم العالمي. إنها اقتصاديات الصدمة التي تتحول فيها الأرقام الدولية إلى زلازل محلية تدمر أحلام الاستقرار.

تنتقل الصدمة داخل الاقتصادات الأفريقية كعدوى سريعة، لتؤدي إلى نزيف حاد في الميزان التجاري. وفي مواجهة الطلب المتزايد على النقد الأجنبي، تنهار الدفاعات النقدية للقارة، حيث تتراجع قيمة العملات الأفريقية في أعقاب اشتعال الحروب.

يشهد العقد الماضي اختبارًا قاسيًا لصلابة الهياكل المالية الأفريقية تحت وطأة صدمات متلاحقة. وعلى الرغم من جهود بعض الدول لتبني سياسات نقدية متشددة، لم تكن هذه الإجراءات كافية لاحتواء تداعيات الصدمة الحالية. سرعان ما تراجعت شهية المستثمرين وبدأت تدفقات رؤوس الأموال بالخروج نحو الملاذات الآمنة، تاركة الأسواق الأفريقية في مهب الريح، مما يزيد من أعباء الديون التي وصلت إلى مستويات تاريخية.

بنية الهشاشة الاقتصادية في أفريقيا

إن فهم تأثير الصدمات الخارجية على الاقتصادات الأفريقية يستدعي النظر إلى البنية الأعمق التي تحكم موقع القارة في النظام الاقتصادي العالمي. فالصدمات التي تكشفها الحروب لا تُعد مجرد نتيجة ظرفية، بل هي انعكاس لنمط من التبعية الاقتصادية التي تربط هذه الاقتصادات بالخارج في تأمين احتياجاتها الأساسية وتحديد مساراتها التنموية.

في ظل هذا النمط، لا تصل الصدمة إلى أفريقيا كحدث طارئ، بل تتحول إلى آلية متكررة تعيد إنتاج الأزمات. تتقاطع الاضطرابات العالمية مع اقتصاد يعتمد على الخارج في الاستيراد، ويعيد توجيه موارده نحو تصدير المواد الخام، ويرتبط في تمويله بتدفقات رأسمالية غير مستقرة. تتجلى التبعية في ثلاثة صور رئيسية: اعتماد متزايد على استيراد السلع الأساسية، مقابل تصدير السلع الأولية، إلى جانب انكشاف مالي على مصادر تمويل خارجية، خاصة رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

يعكس هيكل التجارة الأفريقية نمطًا غير متكافئ من الاندماج في الاقتصاد العالمي، يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة. تهيمن السلع الأولية على الصادرات خارج القارة، بينما تستحوذ السلع المصنعة على نسبة كبيرة من الواردات. ويزداد هذا الانكشاف في ظل تمركز الشركاء التجاريين، حيث لا يزال الاتحاد الأوروبي الشريك الأكبر.

لا يبدو أن نماذج مثل “الميزة النسبية” قد قادت الاقتصادات الأفريقية إلى الكفاءة، بل رسخت نمطًا يقوم على التخصص في تصدير السلع الأولية، مما يعيد إنتاج فخ الصادرات ويعمق التبعية. يتجلى ذلك في تركيز صادرات بعض الدول على سلع محددة، مما يجعلها أكثر عرضة لاضطرابات الأسواق المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية.

في قطاع الطاقة، تصدّر دول مثل نيجيريا وأنغولا نسبة كبيرة من نفطها الخام وغازها الطبيعي دون تكرير، ما يكلفها خسائر كبيرة بسبب غياب القيمة المضافة. كما تكبدت الصادرات الزراعية الكينية خسائر ملحوظة منذ اندلاع الحرب. ولا يتوقف هذا النمط عند حدود التجارة السلعية، بل يمتد إلى الأمن الغذائي، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من المواد الغذائية الأساسية في أفريقيا تُستورد من الخارج، مما يعمق اعتماد القارة على الأسواق العالمية.

تُشير التقارير إلى أن مسارات التجارة الأفريقية لا تتحدد بمعزل عن الخارج، بل تخضع بدرجة كبيرة لدورات أسعار الأسواق العالمية التي لا تملك القارة السيطرة عليها. أسعار النفط والمعادن والمنتجات الزراعية تُفرض على الاقتصادات الأفريقية من الأسواق الدولية، بينما لا تسهم المتغيرات الاقتصادية الأفريقية بشكل كبير في تشكيلها. ومع ذلك، فإن تأثير هذه الأسعار يتغلغل عميقًا في الداخل الأفريقي، لينعكس على سعر الصرف، والإيرادات العامة، ومستويات الدين، ومعدلات النمو، والتضخم.

عقدة التبعية التمويلية

إذا كانت تبعية التجارة تعني ارتهان الأسواق الأفريقية بتصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، فإن النسخة التمويلية من “التبعية” هي الأخطر. هي تعني اعتماد القارة على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، والديون المقومة بالعملات الصعبة، والمعونات الدولية لتمويل ميزانياتها ومشاريعها التنموية. هذا النمط من “الارتهان” يحرم الدول الأفريقية من الحيز المالي اللازم للاستجابة للأزمات.

تتجلى خطورة التوترات الجيوسياسية في كونها السبب الأساسي لتعميق فجوة التمويل في أفريقيا. فبينما تنشغل القوى الدولية بالصراعات، تجد القارة نفسها أمام واقع مالي مرير؛ حيث تشير البيانات إلى أن نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه لأفريقيا تراجعت بشكل كبير تحت وطأة الجائحة والحروب، مستمرًا هذا النزيف. هذا الهروب لرؤوس الأموال ليس مجرد رقم، بل إعلان عن فقدان الثقة العالمي في استقرار الأسواق الناشئة عند كل هزة سياسية.

وعلى عكس ما تروج له المؤسسات الدولية، وصل الدين العام في أفريقيا إلى ذروة تاريخية، حيث تلتهم مدفوعات الديون الخارجية المقومة بالعملات الأجنبية نسبة كبيرة من إيرادات الحكومات، وهي نسبة قياسية. هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من جهد الشعوب الأفريقية يذهب لسداد الديون بدلاً من الاستثمار في مجالات حيوية، مما يضع احتياطيات النقد الأجنبي تحت ضغط هائل ويجعل مخاطر إعادة التمويل كابوسًا.

وتبرز بعض المناطق في أفريقيا كأكثر المناطق تضررًا وتحملًا لأعباء هذا الدين. تفسر الحكومات لجؤها للاقتراض المحلي والأجنبي لسد العجز المتزايد في الميزانيات، الناتج عن أعباء الدعم وخدمة الدين. هذه الهشاشة تجعل القارة مكشوفة ماليًا، حيث تقع دول أفريقية ضمن قوائم الدول المتعسرة عالميًا، وهو نتيجة مباشرة لهيكل تمويلي يربط مصير القارة بتقلبات الأسواق والصراعات البعيدة.

مع انحسار الاستثمارات الأجنبية وتفاقم أعباء الديون، تعتمد الاقتصادات الأفريقية بشكل متزايد على العاملين بالخارج. هنا، لم تعد التحويلات المالية مجرد دعم للأسر، بل تحولت إلى مصدر رئيسي للتمويل الخارجي، متجاوزة الاستثمارات الأجنبية المباشرة والمساعدات الإنمائية الرسمية. تلعب هذه التدفقات دورًا محوريًا في دعم الاستقرار الاقتصادي، من خلال تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي والمساهمة في استقرار العملات المحلية.

غير أن هذا الاعتماد، رغم أهميته، ينطوي على مخاطر هيكلية، إذ تظل هذه التدفقات رهينة للأوضاع الاقتصادية في الدول المضيفة. وفي هذا السياق، تمثل دول الخليج أهم مصادر التحويلات إلى أفريقيا. إلا أن أي اضطراب يؤدي إلى تراجع هذه التدفقات، ما يفرض ضغوطًا مالية حادة على الاقتصادات التي تعتمد عليها.

إن تضافر هذه الأبعاد الثلاثة من خلل في هيكل التجارة، وارتهان للتمويلات والديون الأجنبية، وصولًا إلى الاعتماد المصيري على تحويلات العاملين بالخارج، يرسم صورة مكتملة لتبعية اقتصادية مركبة. هذه البنية الهشة تجعل القارة الأفريقية مكشوفة أمام أي عاصفة جيوسياسية في الخارج؛ إذ إن توترًا بعيدًا في الشرق الأوسط، يرتد فورًا في عمق القارة على شكل جفاف في السيولة، وارتفاع في كلفة المعيشة، وضغط لا يطاق على العملات المحلية.

دواء لا يشفي

في نهاية المطاف، تجد الاقتصادات الأفريقية نفسها مجبرة على تجرع الدواء المر الذي تمليه المؤسسات الدولية، وهو علاج لم ينجح تاريخيًا في استئصال المرض، بقدر ما أعاد إنتاج أسبابه في صورة أعقد. فالإصرار على السياسات “النيوليبرالية” استجابةً للصدمات الخارجية، لا يكشف عن عمق الهشاشة فحسب، بل يعيد ترسيخها، إذ تلجأ الحكومات إلى الاقتراض لسد فجوات الإيرادات، لتجد نفسها أسيرة في فخ شروط التقشف مجددًا.

تبدأ الدائرة المفرغة بإجراءات تقشفية تشمل رفع الدعم وزيادة أسعار الفائدة، في محاولة لاحتواء التضخم واستعادة الاستقرار المالي. غير أن هذه السياسات تأتي بتكلفة مرتفعة، إذ تؤدي إلى تضخم أعباء خدمة الدين الخارجي وتآكل الحيز المالي، ما يدفع الدول نحو صندوق النقد الدولي طلباً للإنقاذ، في مسار يُعمِّق الاعتماد على الخارج بدلاً من كسره.

وما يزيد من قسوة هذا الواقع هو أن تقديرات تشير إلى أنه مقابل كل دولار تقترضه الدول الأفريقية، يعود جزء كبير منه إلى الخارج في صورة هروب لرؤوس الأموال، مما يعكس نزيفًا مستمرًا للموارد. وفي ظل هذا الوضع، يُضطر صانعو السياسات إلى تقليص برامج الرعاية الاجتماعية في اللحظة التي يواجه فيها المواطن الأفريقي أعلى مستويات الضغط المعيشي.

وهكذا تنقل الحكومات الأفريقية كلفة الصدمات الاقتصادية إلى مواطنيها، فيما تظل القارة عالقة في بنية اقتصادية يُتحكم بها خارجيًا، وتُعيد إنتاج التبعية على حساب سيادتها ورفاهية شعوبها، مما يعني تعميق الأزمات وتدويرها، بلا نهاية.

شارك المقال
اترك تعليقك