خوارزميات بـ100 مليون دولار.. هل يفك الذكاء الاصطناعي شفرة مضيق هرمز؟

فريق التحرير

في مشهد يتكشف على وقع التوترات المتصاعدة في الخليج، تواجه البحرية الأمريكية تحديًا فريدًا في مضيق هرمز، حيث تلتقي الألغام البحرية الإيرانية الرخيصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي الأمريكية المتقدمة. أفادت وكالة رويترز أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد أن البحرية تعمل على “تطهير” المضيق الاستراتيجي من الألغام. يأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، مما يسلط الضوء على سباق تسلح تقني جديد في منطقة حيوية للطاقة العالمية.

يشكل التهديد المتمثل في الألغام البحرية الإيرانية تحديًا لوجستيًا كبيرًا. فالحلول التقليدية لكشف الألغام وتدميرها، التي تعتمد على كاسحات الألغام المأهولة والطائرات والمروحيات والغواصين، تستغرق وقتًا طويلاً قد يمتد لأشهر. في ظل وقف إطلاق النار الهش الذي تلا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يصبح هذا التأخير غير مقبول، مما يدفع البحرية الأمريكية إلى البحث عن حلول أسرع وأكثر فعالية، وهنا يبرز دور شركات الذكاء الاصطناعي.

ثغرة استراتيجية في جهوزية البحرية الأمريكية

تصاعدت الحاجة إلى التقنيات الحديثة عقب تقاعد جزء كبير من أسطول كاسحات الألغام المأهولة القديم لدى البحرية الأمريكية، والذي كان من المقرر تعويضه بسفن قتال ساحلية أحدث. وقد تفاقمت هذه المشكلة خلال الأزمة، حيث خضعت سفينتان من هذه السفن البديلة للصيانة في سنغافورة، مما قلل من الجاهزية العملياتية في وقت حرج. هذا الوضع فرض ضرورة الاعتماد على التقنيات المسيّرة، مثل الروبوتات البحرية، كحل عملي لا غنى عنه.

من الدلافين إلى الدرونز البحرية: تحول تكنولوجي في كشف الألغام

شهدت أساليب كشف الألغام البحرية تحولًا جذريًا، حيث تحولت البحرية الأمريكية من الاعتماد على الأساليب التقليدية، التي شملت حتى استخدام الدلافين المدربة، إلى نشر شبكة متطورة من الزوارق والغواصات المسيرة. وتشمل هذه التقنيات الحديثة زوارق (CUSV) وغواصات (Kingfish) و(Knifefish). تقوم هذه الروبوتات بمسح قاع المحيط باستخدام السونار، مما يسرع من عملية تحديد الألغام ويقلل من المخاطر على حياة البحارة.

تكتمل المهمة بجمع البيانات وتحليلها السريع، وهنا يبرز الدور المحوري للذكاء الاصطناعي. فبعد جمع البيانات من مستشعرات متعددة، يصبح التحليل الفوري ضروريًا لاتخاذ القرارات اللازمة. هذا التحول يعكس سعيًا متزايدًا لدمج الذكاء الاصطناعي في كافة جوانب العمليات البحرية، من الرصد والاستطلاع إلى تحديد الأهداف.

مشروع “أيمو” ودور “دومينو داتا لاب” في تسريع العمليات

في خطوة لتعزيز قدرات الغواصات المسيرة، أبرمت البحرية الأمريكية عقدًا ضخمًا مع شركة “دومينو داتا لاب” بقيمة تقارب 100 مليون دولار. يهدف هذا العقد إلى جعل الشركة “العمود الفقري للذكاء الاصطناعي” لمشروع عسكري يُعرف باسم “أيمو” (AMMO)، وهو اختصار لـ “التعلم الآلي المعجل للعمليات البحرية”. أُطلق هذا المشروع بالتعاون مع وحدة الابتكار الدفاعي (DIU) بهدف جعل رصد الألغام تحت الماء أسرع وأدق وأقل اعتمادًا على العنصر البشري.

يشمل برنامج “أيمو” دمج البيانات من أجهزة استشعار متنوعة، ويتيح للبحرية مراقبة أداء نماذج الكشف العاملة بالذكاء الاصطناعي وتحديثها لضمان أقصى كفاءة. هذا التسريع في دورة التعلم والتحسين يسمح للبحرية بالاستجابة السريعة للتهديدات الجديدة، مثل الألغام الإيرانية.

السرعة كعامل حاسم في مواجهة تهديد الألغام

يُعد العامل الزمني هو الأهم في هذا العقد، حيث نجحت شركة “دومينو” في تقليص زمن تحديث نماذج الذكاء الاصطناعي اللازمة للتعرف على لغم جديد من ستة أشهر إلى أيام معدودة. هذه السرعة تتيح للبحرية الأمريكية نشر أي نماذج تعلم آلي بسرعة في المناطق الحيوية، مثل مضيق هرمز، لمواجهة التهديدات المستجدة، بدلاً من الانتظار لفترات طويلة.

حدود التقنية وضغوط التفاوض في مضيق هرمز

على الرغم من التقدم التكنولوجي الكبير، تظل هناك حدود لقدرة التكنولوجيا على حل الأزمة فورًا. فبينما يسرّع الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات، تظل عملية التمشيط الميداني للألغام وتدميرها عملية شاقة وطويلة. كما أن التكلفة الباهظة لإزالة الألغام، مقارنة بتكلفتها المنخفضة، تجعل مجرد التهديد بوجودها كافيًا لتعطيل حركة الملاحة التجارية، مما يضيف بعدًا تفاوضيًا للقضية.

من المتوقع أن تسعى الولايات المتحدة إلى استخدام هذه القدرات المتزايدة لتسريع عمليات إزالة الألغام، بهدف تخفيف الضغط على حركة الملاحة، وربما دفع إيران للجلوس إلى طاولة المفاوضات. يشير الخبراء إلى أن القدرة على إزالة الألغام بسرعة قد تكون أداة تفاوضية هامة.

توسع عسكرة الذكاء الاصطناعي ما وراء هرمز

تتجاوز الاستثمارات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي مجرد قضية الألغام في مضيق هرمز. فقد أبرم البنتاغون اتفاقات سرية مع سبع شركات تكنولوجيا عملاقة، بما فيها “سبيس إكس/إكس إيه آي” و”أوبن إيه آي” و”غوغل” و”إنفيديا”، لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي في مهام سرية تشمل تخطيط المهام وتحديد أهداف الأسلحة. هذا التوجه يعكس سعيًا أوسع لدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب العمليات العسكرية الأمريكية، مع التركيز على التفوق المعلوماتي والاستراتيجي.

بينما تواصل الولايات المتحدة نقل المواجهة إلى ساحة الذكاء الاصطناعي، يبقى التحدي المتمثل في الألغام الرخيصة في مضيق هرمز رمزًا للصراع غير المتكافئ، حيث تجبر التهديدات البسيطة أقوى جيش في العالم على استثمار موارد ضخمة لمجرد ضمان السلامة والأمن.

ما القادم: مع استمرار التوترات في المنطقة، من المتوقع أن تشهد عمليات نشر الذكاء الاصطناعي في كشف الألغام مزيدًا من التطور والتوسع. يبقى السؤال المطروح هو مدى فعالية هذه التقنيات في تحقيق إزالة سريعة ومستدامة للألغام، وما إذا كانت ستؤدي إلى تغيير في الديناميكيات التفاوضية بين الأطراف المعنية.

شارك المقال
اترك تعليقك