“أنا هرمز”.. اعترافات المضيق الذي يحيّر العالم منذ 2400 عام

فريق التحرير

في صباح السبت 28 فبراير 2026، سقط صاروخ أمريكي على مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوب إيران، مما أسفر عن مقتل أكثر من 170 شخصًا. يلقي هذا الحادث الضوء على الأهمية الاستراتيجية التاريخية لمضيق هرمز، الذي تحول على مر العصور من بلدة ساحلية إلى جزيرة، وأخيرًا إلى ممر مائي حيوي يربط العالم.

أنا هرمز، مضيقٌ يتوقف على أعتابه مصير حرب عالمية ثالثة، لكن ما يزعجك حقًا هو شعورك بأنني أمد يدي لأخذ ثمن مضاعف في كل مرة تتوقف سيارتك في محطة الوقود أو تتسوق البقالة. إغلاقي يؤثر بلا شك على أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، وأريد أن أقدم لكم نفسي بطريقة رسمية وشاملة.

هوية مكان تحركت 3 مرات

أنا هوية مكان تحركت 3 مرات، من بلدة على البر، إلى جزيرة في البحر، ثم إلى شريط مياه يربط العالم ويغذيه. تغيرت معالمي، لكن وظيفتي ظلت هي النقطة التي لا يستطيع العالم أن يتجاوزها في تجارته وتدبير بضائعه.

حين كنت مدينة على البر

أول ذكر لي في التاريخ الموثق جاء في تقرير كتبه نيارخوس، قائد الأسطول الذي بعثه الإسكندر المقدوني عام 325 قبل الميلاد. رسى أسطوله في مصب نهر ميناب عند بلدة اسمها “هرموزية”. ميناب التي ضُربت مدرستها صبيحة العدوان الأمريكي الإسرائيلي كانت أقدم أسمائي.

ثم ظهر اسمي ثانية في جغرافية بطليموس، حيث وصفني بأنني مدينة واقعة على ساحل كرمانية. كنت آنذاك ميناءً قريبًا من بندر عباس الحديثة، واليد التي يمدها سكان كرمان للوصول إلى بضائع البحر القادمة من آسيا وعمان، ومركزًا لتجارة النيلة.

“وصل الإسلام إلى هرمزية مبكرا في القرن الأول، حيث زحفت الجيوش إليها في عهد عمر بن الخطاب”

أحاط بجانبي المسلمون مبكرًا، وفي القرن العاشر الميلادي، تدفق علي العمانيون، فمدوا جسورًا بيني وبين السواحل المقابلة. وفي القرن الحادي عشر، بدأ استقلالي السياسي حين نزل على ساحلي رجل عربي من عمان اسمه محمد بن درمكة، فأسس لي كيانًا خاصًا، وازدهرت أوضاعي تحت الإدارة السلجوقية.

كان التاجر محمود القلهاتي أول من دفعني إلى موقع الهيمنة. طور أسطوله البحري بالتعاون مع عمان، وتحالف مع السلغريين، وحصن موانئي، وأنشأ أسواقًا ومستودعات، فانتقلت من مدينة عادية إلى قوة تجارية بحرية ضاربة.

“طور محمد القلهاتي أسطول هرمزية البحري بالتعاون مع عمان وتحولت المدينة في عهده إلى قوة تجارية بحرية ضاربة”

جاء بعده بهاء الدين عياض، الذي نقلني بالكامل إلى جزيرة جرون التي اشتراها عام 1300، لتصير “هرمز الجديدة”. وفي عهد زوجته بيبي مريم، ظهرت طبقة نسائية في الحكم. ثم جاء قطب الدين تهمتن الثاني، الذي رسخ سيادتي على سواحل الخليج.

في كتب الرحالة المسلمين، أقرأ نفسي 3 مرات متعاقبة. كتب عني الإدريسي في جغرافيته (توفي 560هـ/1166م) وأنا ما زلت على البر، وصفني بأنني مدينة عامرة حارة يغلب عليها النخيل. ثم كتب ياقوت الحموي (توفي 626هـ/1229م) فنقلني خطوة أخرى، قائلاً إنني مدينة في البحر لها خور.

“في زمن ابن بطوطة، كانت هناك هرمزان، إحداهما قديمة على الساحل والأخرى جديدة في البحر”

ثم جاء ابن بطوطة (توفي 1377م) وقد استقر الأمر على “هرمزين”، إحداهما قديمة على الساحل، والأخرى جديدة في البحر. عبر إلي في جرون فوجدني مدينة صغيرة جرداء، لكن أسواقها ممتلئة، وحركتها لا تهدأ، وصرت “مرسى الهند والسند”.

بلغت أوج مجدي في عهد توران شاه الثاني، السلطان السلجوقي، حين أصبحت مركزًا عالميًا للتجارة. وصفني الرحالة عبد الرزاق السمرقندي بأني “ميناء لا نظير له”.

“بحلول زمن السلاجقة أصبحت منطقة هرمز نقطة التقاء عالمية، تختلط فيها الألسن، وتتقاطع فيها الطرق، حتى فشا بين الناس مثل يقول: إن كان العالم خاتما، فهرمز جوهرته”

كانت سيطرتي على الخليج تعني التحكم في ثرواته الأساسية، وعلى رأسها اللؤلؤ والخيول. كان نظام استخراج اللؤلؤ قاسياً، وكنت أنا السوق المركزية لبيع تلك اللآلئ.

دفعت الجزية للإيلخانيين ثم لتيمورلنك وسلالته، دون أن أفقد استقلالي الفعلي. لم أكن أطيق التغلب على تلك الممالك، فأبصرت قصدي وتأقلمت للعيش في ظلها.

الصليبي المتلفف في ثوب التاجر

على ذراع وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، الذي ترين لفظة “كافر” بالعربية، وجملة ديوس فولت (Deus Vult) اللاتينية التي تعني (إرادة الله)، وهو شعار صليبي اعتمدته الحملة الأولى لغزو القدس. في كتابه “الحملة الأمريكية” وصف الإسلام بأنه “ليس دين سلام، ولم يكن كذلك قط”.

ومسعر هذه الحرب، بنيامين نتنياهو، الذي تصفه محكمة العدل الدولية بأنه مجرم حرب، ما فتئ يستحضر نصوصًا توراتية عن إبادة العماليق. كان تاريخي حاضرًا في ذهني وأنا أتابعهم. رأيتُ هذا كله قبل خمسة قرون، وأعرف كيف ينتهي.

في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كنت نقطة مركزية في مشروع الإمبراطورية البرتغالية، وهو مشروع حمل من البداية طابعًا مسيحانيًا صريحًا.

“خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، كان هرمز نقطة مركزية في مشروع الإمبراطورية البرتغالية، وهو مشروع حمل من البداية طابعا مسيحانيا صريحا”

بدأت قصتي مع البرتغاليين عام 1507، حين وصل أسطولهم وهاجمني مدمراً سفني، واستخضعوا ملكي فخضع لهم، فبنوا قلعة وفرضوا الضرائب، وأمسكوا بمفاتيح التجارة. حينها، استغل وزيري خواجة عطار خلافاتهم، فرفض تثبيت الاتفاق، واضطر ألبوكيرك، القائد البرتغالي، في النهاية إلى الانسحاب مؤقتًا.

وفي عام 1515 عاد بسبع وعشرين سفينة، فدخل علي وقتل وزير قصري الجديد “رئيس أحمد” بيده، وأسس قلعة “السيدة العذراء” التي لا تزال أطلالها على ساحلي الشمالي.

ما ورثه الصليبي البرتغالي لصليبي اليوم ليس الصليب على صدر الجندي، ولا صكوك الغفران، ولا العقيدة وحدها. بل منطق الحروب؛ فهناك “نحن” التي تملك الحق المطلق، و”هم” الذين يجب أن يبادوا أو أن يستسلموا. ذات اللغة التي أسمعها اليوم في الخطاب الأمريكي الإسرائيلي، سمعتها برطانة البرتغال من قبل.

كان النموذج البرتغالي مختلفًا عن نظيره الهولندي والبريطاني الذي جاء لاحقًا. فكانت فكرة ألبوكيرك أنه لا يمكن السيطرة على البحر كله، لكن يمكن السيطرة على ثلاث نقاط تكفي للتحكم بتجارة المحيط الهندي، غوا في الهند، وملقا في أرخبيل ماليزيا، وهرمز.

عشت قرنًا وربعًا تحت تاج لشبونة. لم يحكمني البرتغاليون مباشرة، بل أبقوا القادة المحليين في موقع تابع، وفرضوا الجزية والضرائب، وأمسكوا بالتجارة.

الصفويون، الذين كانوا قوة صاعدة في إيران، لم يستطيعوا تحدي البحرية البرتغالية مباشرة. لذلك قبل الشاه إسماعيل (1501-1524) بوجود البرتغاليين رغم تناقض ذلك مع طموحه في الهيمنة الإقليمية، بسبب ضعفه البحري ورغبته في موازنة العثمانيين.

أفول الجزيرة.. وقرنا الشتات

ما قلب المعادلة لم يكن الصفويون وحدهم، بل ظهور منافسين أوروبيين جدد يحملون نموذجًا مختلفًا تمامًا، هم الإنجليز والهولنديين. كانت شركة الهند الشرقية البريطانية شركة تجارية منظمة، تجمع بين رأس المال الخاص والتنظيم الذي حولها إلى مؤسسة، أو إمبراطورية.

في عام 1622، عدت إلى نسبي باليابسة بعد قرن وربع. نجح الشاه عباس الأول، بالتعاون مع شركة الهند الشرقية البريطانية، في إخراج البرتغاليين من جزيرتي بعد حصار 10 أسابيع. بقيت القلعة البرتغالية أثرًا على ساحلي الشمالي، وبقي اليوم الذي سقطت فيه “يوم الخليج الفارسي” القومي في إيران.

“نجح الشاه عباس الأول، بالتعاون مع شركة الهند الشرقية البريطانية والجنرال إمام قولي خان، في إخراج البرتغاليين من هرمز”

لكن الوقت لم يكن قد حان بعد ليترجم النصر إلى إحياء ونهضة. أدرك الشاه عباس، أن استحواذ البرتغاليين علي لم يكن نتيجة قوة برية، بل نتيجة تفوق بحري في مقابل ضعفه البحري، لذا فقد اختار البر. فنقل مركز الثقل التجاري من جزيرتي إلى ميناء بندر عباس المقابل.

تراجعت حركة السفن المارة بي، وهجرني تجاري إلى اليابسة.

بين القرن السابع عشر ونهاية القرن التاسع عشر، عشت قرنين من الشتات والتحول. في الربع الأول من القرن الثامن عشر، سقطت الدولة الصفوية. ثم جاء نادر شاه الأفشاري (حكم 1736-1747) فمحا الفوضى، وأحيا طموحًا إيرانيا قديمًا بالسيطرة البحرية على الخليج.

في هذا الفراغ، صعدت قوة جديدة على الساحل المقابل، هؤلاء هم القواسم، الذين مثلوا اتحادًا قبليًا عربيًا تمركز في رأس الخيمة والشارقة.

“في ذروة قوتهم مطلع القرن التاسع عشر، كان للقواسم نحو 300 سفينة و8000 مقاتل، وهؤلاء على عكس غيرهم لم يكونوا جيرانا عابرين، بل كانوا أهل البلاد ومادتها”

الإنجليز، الذين كانوا يطمحون إلى سيطرة مطلقة على المحيط الهندي، لم يقبلوا بذلك. فأسبغوا على القواسم صورة كاذبة باعتبارهم “قراصنة”، وشنوا عليهم حملات عقابية متكررة.

في يناير/كانون الثاني 1820، فرضت بريطانيا “المعاهدة العامة للسلام”، فولدت بذلك “الإمارات المتصالحة”، وهي البذرة التي ستصبح بعد قرن ونصف الإمارات العربية المتحدة.

في تلك الأثناء، كانت الإمامة العمانية قد صعدت قوة بحرية. وبموجب ترتيبات متتالية مع إيران، آلت إدارتي وقشم وبندر عباس إلى العمانيين من 1798 حتى 1868.

وحين استعادت إيران بندر عباس وتوابعه عام 1868، لم أكن أزيد على بقايا جدران قلعة قديمة. في تلك اللحظة، صرت علمًا وانتقل الاسم من البر إلى الماء، وأصبحت من حينها “مضيق هرمز”.

القرن العشرون الذي لم ينته بعد

ومع نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، تبلور نظام بريطاني للسيطرة على الخليج، وتحت مظلته اكتشف النفط. صار الخليج كله واحدًا من أهم مراكز الطاقة في العالم، وصار المضيق الذي أنام على عتبته الصمام الوحيد بينه وبين باقي الكوكب.

فجأة تغيرت قواعد اللعبة وتحولت طبيعة التنافس. فلم يعد الصراع على السيطرة المباشرة علي، بل على شروط الحركة. أصبح ضمان تدفق الحركة وسفن البضائع وحاويات النفط أهم من إخضاع سكان المنطقة للاستعمار.

بين عامي 1980 و1988، لم أغلق فعليًا. لكني تحولت إلى مساحة توتر دائم، حين انتقل القتال في الحرب العراقية الإيرانية إلى البحر في ما عرف بحرب الناقلات.

“خلال حرب الناقلات، نفذ العراقيون والإيرانيون ما يزيد على 450 هجومًا على سفن تجارية (283 هجومًا عراقيًا و168 هجومًا إيرانيًا)”

في أقصى درجات التصعيد، لوحت طهران بإغلاقي، لكنها لم تفعل. دخلت القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في عملية عسكرية عامي (1987-1988). حينها استهدف الأمريكيون منصات نفطية إيرانية في عملية أسموها “الرامي الماهر”.

أصبح تأثيري في العالم في تلك الفترة ناتجًا عن إمكانية إغلاقي. مجرد التهديد بتعطلي كان كافيًا لرفع تكاليف الشحن والتأمين، وإحداث تقلبات في الأسعار. عندها تحولت من ممر تجاري إلى ورقة ضغط استراتيجية.

واليوم، بعد أسابيع على إطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فجر 28 شباط/فبراير 2026، أجد نفسي مرة أخرى في قلب المواجهة، وقد أصبحت ساحة معركة حاسمة.

في الظروف الطبيعية كان يمر عبري نحو 20 مليون برميلِ من النفط يوميًا، أي ما يزيد على ربع التجارة البحرية العالمية للنفط. خلال أسابيع المعركة، انخفضت حركة السفن عبري بنسبة تتجاوز 90%. اعتمدت إيران على قدرتها في تحويلي إلى بيئة طاردة للملاحة، عبر نشر التهديد في كل زاوية.

لوح الأمريكي بخيار مرافقة السفن التجارية كحل عملي، ثم جبن عنه. لأن ضيق الممر، وقصر زمن الاستجابة لتهديد الصواريخ والمسيرات، يجعلاني بيئة خطرة حتى للسفن الحربية.

“فتح مضيق هرمز بالكامل يستوجب عملية برية وبحرية وجوية في بيئة جغرافية وعرة تمتد لمئات الكيلومترات”

يشير التقدير العسكري إلى أن تأميني لا يمكن أن يتحقق بالدفاع وحده، بل يتطلب ضرب مصادر التهديد نفسها. بعبارة أوضح فتحي الكامل يستوجب عملية برية وبحرية وجوية في بيئة جغرافية وعرة تمتد لمئات الكيلومترات.

ها هي معادلة السيطرة علي في نسختها الأخيرة: يمكن تعطيلي بأدوات منخفضة الكلفة قابلة للتكرار، لكن تأميني يتطلب جهدًا عسكريًا واسعًا ومكلفًا وطويلاً.

لنعد إلى البداية. الصاروخ الذي سقط في ميناب فجر 28 شباط/فبراير 2026، سقط على الذاكرة الأولى لاسمي.

ذاكرتي التاريخية تشهد بأن كل قوة خارجية أرادت أن تسيطر علي دفعت ثمنًا باهظًا. البرتغاليون حاولوا قرنًا وربعًا، ثم انهاروا؛ ثم البريطانيون الذين حاولوا على مدار قرن تركوا المنطقة كلها بلا إنجاز يذكر. واليوم، يدفع الأمريكيون الثمن دون السيطرة علي.

ما من قوة خارجية استطاعت أن تستديم هيمنتها علي، وأظل أعود إلى أيدي أهل البلاد على ضفتي الخليج. من نيارخوس المقدوني قبل ألفين وثلاثمئة وخمسين سنة، وحتى هيغسيث الأمريكي بوشمه الصليبي، يتكرر الدرس، ولا أحد يتعلم.

كلمة أخيرة يا صاحبي. إن بدا لك كلامي رومانسية جغرافية، فتذكر أن الجغرافيا ليست أرضًا صامتة، إنها حجة التاريخ على السياسة. والسياسة، كما تعلم، قصيرة النظر. أنا طويل النفس كأهل هذه البلاد على الضفتين. انتظرت سقوط المغول، وسقوط البرتغاليين، وسقوط البريطانيين، وسأنتظر مجددًا.

شارك المقال
اترك تعليقك