من ديغول إلى ماكرون.. لماذا ترفض فرنسا الخضوع لأمريكا؟

فريق التحرير

تُبرز العلاقات الفرنسية الأمريكية توتراً تاريخياً يمتد بين حلف استراتيجي و”عداء قديم” يتجدد في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة. فمنذ احتلال النازيين لباريس في عام 1940، مروراً بعملية إنزال نورماندي وتحرير أوروبا، وصولاً إلى صراعات الشرق الأوسط المعاصرة، ظلت فرنسا تسعى للحفاظ على استقلاليتها وتوازنها، مما يثير تساؤلات حول مستقبل هذا التحالف.

تُشكل الأبيات الشعرية للشاعر السوري بدوي الجبل، التي تصور شكوى باريس من “زهو فاتحها” النازي، استعارة معبرة عن العلاقة المعقدة بين القوى الكبرى. ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الولايات المتحدة نفسها “محررة” لأوروبا، لم تخلُ هذه العملية من تجاوزات، مثل الاغتصابات التي ارتكبها جنود أمريكيون بحق نساء فرنسيات، مما ألقى بظلاله على سيرة التحرير.

يشير المقال إلى أن القضاء الأمريكي حقق في 68 واقعة اغتصاب تورط فيها جنود أمريكيون في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. ورغم التجاوزات، استمر التصور النمطي لأوروبا ككيان “معوز” للمساعدة الأمريكية، وهو ما كشف عنه صعود دونالد ترامب، بتساؤلاته حول جدوى الدعم الأمريكي لأوروبا إذا لم يكن هناك دعم متبادل.

في خضم الحرب الدائرة حالياً في الشرق الأوسط، أعرب الرئيس الأمريكي عن استيائه من عدم انخراط الأوروبيين الكافي، موجهاً انتقاداته لبريطانيا وفرنسا. ورغم أن فرنسا رفضت السماح بمرور الطائرات العسكرية الأمريكية في مجالها الجوي، وهو موقف يتسق مع تاريخها تجاه الشرق الأوسط، إلا أن ذلك لم يرضِ غرور الإدارة الأمريكية، التي ترى نفسها فوق حلفائها.

تتسم العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة بـ “عداء قديم” يتجاوز التحالف الاستراتيجي. فمنذ الستينيات، تسعى واشنطن لتعريف طبيعة التحالف من منظور تفوقها العسكري والتقني، بينما ترى فرنسا لنفسها دوراً محورياً في أوروبا. هذا الاختلاف في الرؤى تجسد في مواقف شارل ديغول، الذي اعتبر فرنسا كتلة قائمة بذاتها تتحالف بشروطها.

تمسك ديغول بامتلاك فرنسا لسلاحها النووي الخاص، رافضاً الرؤية الأمريكية لأوروبا. ورغم تفهُّم أمريكا لرغبة فرنسا، لم يمنعها ذلك من مراقبة المشروع النووي الفرنسي. كما تباينت وجهات نظر ديغول وكينيدي حول المفاوضات مع الاتحاد السوفيتي، وأسس بناء جدار برلين، مما أزعج الأمريكيين الذين اعتبروا ديغول “إمبراطور أوروبا”.

بلغت الخلافات ذروتها بعد اغتيال كينيدي، وتصاعدت خلال فترة رئاسة ليندون جونسون، الذي أبدى كراهية شديدة لديغول. ورغم تشديد الاستخبارات الأمريكية الخناق على ديغول، تجنب البيت الأبيض مواجهة مباشرة، مفضلاً رواية تشير إلى أن باريس هي من خانت الحلف. في النهاية، خرجت فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة لحلف الناتو عام 1966، قبل أن تعود إليه عام 2009.

يواصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سياسة الاستقلالية، معتبراً أن “روح فرنسا هي روح مقاومة”. وفي ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وضعت فرنسا نفسها في موقف صعب، إذ أدانت غياب الأسس القانونية للحرب، لكنها انتقدت غياب الإبلاغ المسبق للضربات، دون إدانة صريحة لواشنطن وتل أبيب.

لا تخدم الحرب المصالح السياسية الفرنسية، فهي تُقوض دور المؤسسات الدولية وتُضعف الحلول الدبلوماسية. كما أن الوضع في المنطقة يصرف الأنظار عن أوكرانيا، قضية فرنسا الأساسية، مما يخدم مصالح روسيا. ولهذا، تسعى فرنسا لتعزيز دورها القيادي الأمني في أوروبا، من خلال تأسيس كيان موحد قادر على مواجهة التحديات.

تُعزز السياسة النووية الفرنسية الجديدة، التي تراها باريس ضرورية لكسب معركة المناخ والتنافسية. ويشمل البرنامج بناء 6 مفاعلات نووية جديدة، يعتبرها ماكرون “مشروع القرن”. كما أعلن عن حاملة طائرات مستقبلية باسم “فرنسا الحرة”، رمزاً للمقاومة والاستقلالية الفرنسية.

تُشير التحركات الفرنسية إلى سعيها للحفاظ على توازن واستقلالية “ديغولية” دون الانزلاق إلى “عالم الأراضي المحروقة”. ورغم أن باريس لم تنضم إلى العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، فإنها تؤكد على دورها الدفاعي في المنطقة، وتقديم المساعدة “للأصدقاء والحلفاء”.

ما يثير القلق في فرنسا هو أن تذهب المواجهات المستقبلية الإيرانية الأمريكية إلى أبعد من الوضع الحالي، مستهدفة حلفاء أمريكيين أبعد، ومنهم فرنسا. ويتجلى ذلك في استهداف الجماعات الموالية لإيران لمصالح دول حليفة، بما في ذلك القوات الفرنسية في العراق.

تؤكد فرنسا أن دورها في الشرق الأوسط دفاعي بحت، وتهاجم استهداف قواتها. ومع ذلك، تدرك باريس أنها تقع تحت المجهر الإيراني. ورغم الأوضاع المتوترة، تسعى فرنسا للحفاظ على مصالحها، متجنبة الانسياق إلى صراعات قد لا تصب في مصلحتها.

شارك المقال
اترك تعليقك