معركة بلا جنود.. هل هزمت الروبوتات الجيش الروسي في أوكرانيا؟

فريق التحرير

في مشهد عسكري يتطور بسرعة، أعلنت أوكرانيا عن نجاح كبير في استخدام تقنيات عسكرية غير مأهولة بالكامل، مما يفتح الباب أمام حقبة جديدة من “الحرب الخوارزمية”. هذا التحول، الذي يمثل خروجًا عن مفاهيم الحرب الصناعية التقليدية، يركز على سرعة معالجة البيانات والأنظمة المستقلة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

في 13 أبريل/نيسان 2026، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي سيطرة القوات المسلحة الأوكرانية على موقع عسكري روسي حصين باستخدام منصات غير مأهولة بشكل كامل، دون أي تدخل بشري مباشر على أرض المعركة. هذا الحدث، إذا ما تم تأكيده، يمثل نقطة تحول في تاريخ الصراعات المسلحة، مؤذنًا بانتقال القيادة العسكرية إلى عصر تعتمد فيه الجيوش بشكل منهجي على البيانات الضخمة والأنظمة المستقلة.

خنادق القتال الآلية

منذ بدء النزاع، تحولت أوكرانيا إلى ساحة اختبار رئيسية للتقنيات العسكرية المتقدمة. وتشير بيانات القيادة العسكرية الأوكرانية إلى تنفيذ أكثر من 9 آلاف مهمة قتالية ولوجستية بواسطة الأنظمة البرية غير المأهولة خلال شهر مارس/آذار 2026 وحده، ليصل إجمالي المهام المنفذة في الربع الأول من العام إلى أكثر من 22 ألف مهمة.

هذا التوسع السريع في استخدام الروبوتات يعكس تحولًا مؤسسيًا عميقًا داخل الجيش الأوكراني. فقد تم إنشاء “مجموعات الضربات الروبوتية” ودمجها كعنصر أساسي في العقيدة القتالية. تعتمد القوات الأوكرانية على هيكل متكامل ومتعدد الطبقات من الأنظمة غير المأهولة المتخصصة في أدوار مختلفة، مما يشير إلى إدارة عملياتية معقدة.

من المرجح أن المعركة قد شملت عملية شبكية متعددة الطبقات. بدأت بمسيّرات استطلاع لتحديد الأهداف، تلتها مسيّرات هجومية لتهيئة الأرض، ثم تقدم روبوتات أرضية لتنفيذ مهام الاقتحام أو زرع العبوات. تدعم هذه المنظومة أنظمة مثل “راتل” (Ratel) للهجوم الانتحاري، و”تيرمت” (TerMIT) لنقل الذخائر، و”زماي” (Zmiy) لتوفير الغطاء الناري.

تُضاف إلى ذلك، المنصات المدرعة المسلحة مثل “بروتيكتور” (Protector) وأنظمة الاستطلاع الهجومي مثل “درويد تي دبليو” (Droid TW) المزودة بأنظمة ذكاء اصطناعي للتعرف المستقل على الأهداف. أثبتت هذه المنظومة فعاليتها في مواجهات سابقة، مما أجبر أحيانًا القوات الروسية على الاستسلام، بحسب إعلانات أوكرانية مدعومة بمقاطع فيديو.

لا يعني الاستيلاء على موقع عسكري بالضرورة دخول روبوت أرضي، بل انعدام قدرة القوة المدافعة على المقاومة، مما يفقدها السيطرة على الموقع. في القطاعات شديدة الخطورة، تولت الأنظمة غير المأهولة المهام اللوجستية، مما قلل من الخسائر البشرية في صفوف القوات الأوكرانية.

سياسات واقتصاديات الحرب

يُعزى هذا التطور السريع للقوات الأوكرانية جزئيًا إلى التغيرات في السياسة الخارجية الغربية، وخاصة مع عودة إدارة أمريكية متحفظة تجاه التدخل العسكري في أوروبا. أدت هذه التغيرات إلى تقليص المساعدات العسكرية التقليدية، مما دفع كييف لتسريع وتيرة الابتكار التكنولوجي والصناعي.

في ظل حرب استنزاف طويلة، واجهت أوكرانيا نقصًا في القوى البشرية مقارنة بروسيا. بلغ متوسط عمر الجندي الأوكراني في الصفوف الأمامية بين 40 و45 عامًا، مما يشير إلى استنزاف القوة الشابة. أصبح تبني التكنولوجيا غير المأهولة ضرورة وجودية لتحويل طبيعة المعركة من الاعتماد على “الكتلة البشرية” إلى “الكتلة التكنولوجية”.

شهد عام 2024 تسليم حوالي 2000 مركبة برية غير مأهولة لأوكرانيا، وقفز هذا الرقم إلى 15 ألف مركبة في عام 2025. أصبحت أوكرانيا مركزًا صناعيًا للروبوتات، حيث تعمل أكثر من 270 شركة دفاعية على إنتاج نماذج متنوعة.

تتميز التجربة الأوكرانية باللامركزية في الإصلاح والصيانة، مع ورش ميدانية قريبة من خطوط الجبهة تستخدم الطابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج قطع الغيار الفورية، مما يتحدى النماذج الغربية التقليدية. هذا النهج يمنح “الحق في الإصلاح” ويسمح بالتكيف السريع مع التكتيكات المتغيرة.

روسيا و”التكيف الاستراتيجي”

رغم التفوق الأوكراني في الابتكار التكتيكي، فإن التقارير الغربية حول “انهيار روسي” قد تكون مفرطة في التفاؤل. أدركت القيادة العسكرية الروسية الحاجة إلى التكيف، ودعت في ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى تأسيس “قوات الأنظمة غير المأهولة” كفرع مستقل للقوات المسلحة.

ترصد الاستخبارات الأوكرانية خطة روسية لزيادة حجم قوات الأنظمة غير المأهولة إلى حوالي 165 ألف عنصر بنهاية عام 2026. كما كشفت تقارير عن حوافز مالية في روسيا للطلاب والعمال للانضمام إلى وحدات المسيّرات.

تتبع روسيا نهجًا يعتمد على دمج الحلول الجاهزة والمفتوحة المصدر في تطبيقات عسكرية قابلة للتوسيع. وتبدأ الابتكارات غالبًا على المستوى المدني والمجموعات التطوعية، ثم تتدخل الدولة لتمويل النماذج الناجحة وتوسيع إنتاجها، فيما يُعرف بنظام ابتكار “لامركزي في الاكتشاف، مركزي في التوسيع”.

على جبهة المعركة، غيَّرت روسيا نهجها في استخدام المسيّرات، مستخدمة إياها لاكتشاف مواقع الحرب الإلكترونية الأوكرانية ومراكز القيادة، ثم استهدافها بوسائط متكاملة. يهدف هذا النهج إلى إجبار مشغلي المسيّرات الأوكرانيين على الابتعاد عن خط الجبهة، وهو ما يمثل تكيّفًا روسيًا من استهداف المنصات إلى استهداف “منظومة التشغيل” بأكملها.

وسعت روسيا هذا التحول الروبوتي ليشمل البحر، من خلال بناء مجموعة واسعة من الأنظمة البحرية غير المأهولة. كما أنها تعتمد على شبكة “هارموني” للمراقبة والاستشعار تحت الماء.

تتمثل استراتيجية روسيا في تبني تقنيات سريعة وعملية، وتكييف قواعد صناعية ومدنية لخدمة الأغراض العسكرية. هذا النهج يهدف إلى تسريع الإنتاج وتجاوز اختناقات التصنيع الدفاعي.

في مجال الحرب الإلكترونية، تواصل روسيا تفوقها النسبي. بدلًا من الدخول في سباق مباشر على المسيّرات والخوارزميات، تعمل موسكو على إفساد الوسط الكهرومغناطيسي الذي تعتمد عليه هذه الأنظمة. تطور الروس القدرة على تتبع إشارات التحكم بالمسيّرات وصولًا إلى مواقع المشغلين، مما يحولها أحيانًا إلى أداة تكشف صاحبها.

يشير هذا التكيف الاستراتيجي الروسي إلى أن ساحة المعركة تتحول إلى بيئة متكافئة من “الصدامات الآلية”، حيث تتصارع الخوارزميات وتتزاحم إشارات التشويش الإلكتروني. يهدف كل طرف إلى شل “العمود الفقري الرقمي” للآخر.

صعود الحرب الخوارزمية

تعتمد الحرب الحديثة بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي، مما يشكل تحولًا جذريًا نحو ما بات يُعرف بـ “الحرب الخوارزمية”. يعتمد هذا المفهوم على “ثالوث الذكاء الاصطناعي”: البيانات، والخوارزميات التي تحلل هذه البيانات، وقوة الحوسبة التي تدعم عملها.

في أوكرانيا، تُستخدم ملايين الساعات من لقطات الفيديو والبيانات الميدانية لتغذية خوارزميات التعلم الآلي. أتاحت هذه التقنية لأنظمة مثل “درويد تي دبليو” التعرف على الأهداف وتوجيه النيران تلقائيًا. دفع هذا التحول حلف الناتو إلى إعادة تقييم عقيدته العسكرية، مؤكدًا على أهمية الهيمنة على الطيف الكهرومغناطيسي.

يتوقع أن تتداخل التكنولوجيا العسكرية مع الاستراتيجيات البشرية، مغيرًا من “شخصية الحرب” عبر زيادة سرعتها ونطاقها، دون تغيير “طبيعتها” الأساسية. يمثل هذا تحولًا نحو “الانتهازية الحذرة” اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي.

يشير تقرير صادر عن المجلس الأطلسي إلى وجود سيناريو خطير محتمل يتمثل في أن يؤدي الاعتماد غير المدروس على الذكاء الاصطناعي إلى دورات تصعيد غير قابلة للسيطرة، مما قد يدفع نحو اللجوء إلى الأسلحة النووية.

ضد الروبوتات

لا يبدو أن الروبوتات ستلغي دور الجنود البشريين بالكامل في المستقبل المنظور. تبقى القاعدة البشرية أساسية للسيطرة على المناطق. لذا، من المتوقع أن تتعايش الروبوتات مع البشر في هياكل تنظيمية وعملياتية هجينة، تعتمد على “التآزر البشري-الآلي”.

يقوم هذا المفهوم على توزيع الأدوار، حيث يحدد الإنسان الأهداف الاستراتيجية، بينما تتولى الخوارزميات المهام التكتيكية السريعة. يجمع النظام الهجين بين حدس الإنسان وسرعة الآلة، مما يمنح الجيوش قدرة غير مسبوقة على التعامل مع بيئات معقدة.

في الولايات المتحدة، يمثل “مشروع ميفن” تطبيقًا لهذا المفهوم، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل صور المسيّرات والتعرف على الأهداف تلقائيًا، مما يقلل الوقت بين الرصد والضرب.

تتجه الصين نحو مفهوم “الحرب الذكية”، حيث يُدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مستويات القيادة والسيطرة. يجري تطوير أنظمة قادرة على إدارة أسراب من المسيّرات تعمل بتنسيق شبه ذاتي.

تتضمن استراتيجية تحديث جيش التحرير الشعبي الصيني مراحل الميكنة، والمعلوماتية، والذكاء الاصطناعي. تسعى المرحلة الأخيرة إلى دمج تقنيات ناشئة مثل الحوسبة الكمومية والبيانات الضخمة.

يغير الذكاء الاصطناعي سلسلة القتل العسكرية، حيث تنتقل الجيوش من اكتشاف الهدف إلى ضربه في غضون ثوان. يمنح هذا التسارع ميزة حاسمة لمن يمتلك خوارزميات أسرع وأكثر تطورًا.

شارك المقال
اترك تعليقك