في تطور لافت يعكس التقارب المتزايد بين عمالقة التكنولوجيا ووزارة الدفاع الأمريكية، أبرمت شركة “غوغل” الأمريكية اتفاقية جديدة مع وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في مختلف الأغراض الحكومية. تأتي هذه الخطوة لتؤكد انضمام “غوغل” إلى قائمة متعاقدي الذكاء الاصطناعي الذين يسعون لتعزيز القدرات الدفاعية للولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب.
تشير التقارير إلى أن الاتفاقية الجديدة تمنح البنتاغون مرونة وحرية كاملة في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استخدامها في تشغيل الأسلحة ذاتية التشغيل أو تطوير أنظمتها. وتأتي هذه الصفقة ضمن سلسلة من الاتفاقيات التي أبرمتها الوزارة مؤخراً مع شركات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك “أوبن إيه آي” و”إكس إيه آي” المملوكة لرجل الأعمال إيلون ماسك.
صفقات تخدم الحرب أولاً
وقد شهدت العلاقات بين البيت الأبيض وشركات الذكاء الاصطناعي تقلبات، أبرزها ما يتعلق بشركة “أنثروبيك”. تدهورت العلاقات بين “أنثروبيك” والبنتاغون بشكل كبير بعد تصريحات الشركة التي رفضت فيها استخدام تقنياتها في تطوير أسلحة ذاتية التشغيل أو مراقبة المواطنين. ووصل الأمر إلى حد إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغيسث ضم “أنثروبيك” إلى قائمة سوداء لشركات تشكل خطراً على سلاسل التوريد العسكرية.
جاءت صفقة “أنثروبيك” مع البنتاغون في أعقاب أزمة “أنثروبيك”، مما يشير إلى سعي البنتاغون لضمان توفر تقنيات الذكاء الاصطناعي لديه دون قيود أخلاقية صارمة. وفي المقابل، أعلنت شركات مثل “أوبن إيه آي” و”غروك” عن اتفاقيات مع البنتاغون تسمح باستخدام تقنياتها عسكرياً وبمرونة عالية.
يُذكر أن أنظمة “أنثروبيك” قد استُخدمت في الماضي في عمليات تخطيط معقدة، بما في ذلك التخطيط لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والحرب على إيران، وفقاً لتقارير سابقة.
100 ألف وكيل ذكاء اصطناعي حربي
تعتمد وزارة الحرب الأمريكية بشكل كبير على منظومات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل منصة “جين إيه آي. ميل” (GenAI.Mil)، والتي تهدف إلى تطوير أكثر من 100 ألف وكيل ذكاء اصطناعي. هذه الوكلاء، المعززون بتقنيات من “أوبن إيه آي” و”غروك”، سيمتلكون القدرة على الوصول إلى الأنظمة السرية للوزارة.
تستقطب هذه المنصة حالياً أكثر من مليون مستخدم، وتُعد إحدى الركائز الأساسية في خطط البنتاغون لتحديث قدراته الدفاعية عبر الذكاء الاصطناعي، حتى قبل اكتمال دمجها وتشغيلها بالكامل.
فلسفة الانتفاع من الحرب والواجب الوطني
تُعد شركة “بالانتير” الأمريكية شريكاً استراتيجياً أساسياً للبنتاغون، حيث تتبنى فلسفة راسخة ترى في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية واجباً وطنياً على الشركات. يؤكد مؤسس الشركة، أليكس كارب، في كتاباته على ضرورة تطوير هذه التقنيات لمواجهة خصوم الولايات المتحدة الذين يسعون بدورهم إلى احتوائها.
وتعتمد أنظمة وزارة الحرب الأمريكية بشكل كبير على منصات “بالانتير” ودمج بياناتها مع خدمات الذكاء الاصطناعي، مما ساهم في قفزة ملحوظة في قيمة أسهم الشركة وأرباحها. يثير هذا التقارب انتقادات من بعض الموظفين، كما حدث في احتجاجات سابقة على مشروع “مايفين” الخاص بجوجل.
انتقادات لاذعة من الموظفين
لم تمر صفقة “غوغل” الجديدة مع البنتاغون دون ردود فعل، حيث وجه موظفون في قسم أبحاث الذكاء الاصطناعي بشركة “غوغل” رسالة إلى الرئيس التنفيذي للشركة، مطالبين برفض الصفقة أو وضع قيود صارمة عليها. وتذكر هذه الاحتجاجات بما حدث مع مشروع “مايفين” سابقاً، والذي اضطرت “غوغل” إلى إيقافه بعد ضغوط داخلية.
يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستضع حدوداً صارمة لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، أم ستستمر في استغلالها لتعزيز مواقفها في معاركها المختلفة. وتنتظر الأوساط المعنية المزيد من التطورات والشفافية حول هذه الاتفاقيات.