تتشكل النظرة المستقبلية للجنيه المصري في عام 2026 من خلال تفاعل معقد بين القوى الداعمة وعوامل المقاومة، مما يخلق مشهدًا غنيًا بالفرص ولكنه محفوف بالمخاطر. تتقاطع الديناميكيات المحلية – وأبرزها السياسة النقدية والمالية – مع التأثيرات الخارجية مثل الظروف المالية العالمية، وتدفقات رأس المال، وتحركات أسعار السلع الأساسية، مما يجعل مسار الجنيه حساسًا للغاية لكل من القرارات المحلية والتطورات الدولية.
تمثل قرارات الإصلاح النقدي التاريخية التي أعلنها البنك المركزي المصري في 6 مارس 2024 نقطة تحول حاسمة. وأدت هذه الإجراءات إلى إعادة هيكلة سوق الصرف الأجنبي في مصر بشكل أساسي، واستعادة الثقة في العملة الوطنية، ووضع الأسس للاستقرار النسبي لسعر الصرف طوال عام 2025.
وبدعم من نظام سعر صرف مرن مدعوم بقوة ومجموعة من مؤشرات الاقتصاد الكلي المحسنة، استعاد الجنيه المصري قوته مقابل الدولار الأمريكي، حيث ارتفع بنسبة 6.01% على مدار عام 2025. وجاء ذلك في أعقاب انخفاض تاريخي في أبريل 2025، عندما وصل الدولار إلى مستوى غير مسبوق عند 51.72 جنيه مصري.
ومع بداية عام 2026، يحمل الجنيه الاسترليني ثقل تحديات الماضي إلى جانب الوعد بالفرص الناشئة. لذا فمن المعقول أن نصف العام المقبل بأنه “اختبار حقيقي” لقدرة العملة على الصمود ومتانة المكاسب السياسية الأخيرة. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان الجنيه الاسترليني قادراً على تحمل ضغوط المقاومة الحالية والمحتملة، وما إذا كانت عوامل الدعم المتاحة ستكون قوية بما يكفي لتحقيق النصر.
إن أي تقييم لمستقبل الجنيه يجب أن يبدأ بقوى الدعم التي تجسدت بالفعل وتظهر عليها علامات الاستدامة.
ومن بين هذه التحديات عودة تحويلات المصريين من الخارج إلى القنوات المصرفية الرسمية، مما يعكس تجدد الثقة في النظام المالي بعد توحيد سعر الصرف. خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، وصلت التحويلات المالية إلى مستوى قياسي بلغ 33.9 مليار دولار، مما يوفر مصدرًا مهمًا ومستقرًا للعملة الأجنبية.
واستكمل ذلك بتوقعات بحدوث انتعاش تدريجي في السياحة واحتمال تخفيف التوترات الإقليمية التي أثرت بشكل كبير على إيرادات قناة السويس. وفي الوقت نفسه، أدى تعزيز صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي إلى تعزيز قدرته على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، مما عزز الثقة في الجنيه. وارتفع صافي الأصول الأجنبية إلى 20.783 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مما يعكس قوة المركز الخارجي بشكل ملحوظ.
وبالتوازي مع ذلك، استمرت احتياطيات النقد الأجنبي في الارتفاع بشكل مطرد، متجاوزة عتبة 51 مليار دولار. ويزود هذا المستوى البنك المركزي المصري بأداة قوية لامتصاص الصدمات، مما يمكنه من إدارة تقلبات السوق بمرونة أكبر ودون تدخلات مزعزعة للاستقرار.
وفي مواجهة هذه العوامل الداعمة تقف مجموعة من قوى المقاومة القوية. والأكثر إلحاحاً هو جدول خدمة الدين الخارجي لمصر لعام 2026، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه الأكثر تطلباً في السنوات الأخيرة. ويقدر إجمالي الأقساط – أصل الدين والفائدة – بنحو 32.3 مليار دولار، مما يولد طلبًا مستدامًا على العملات الأجنبية عندما تستحق الالتزامات.
وتؤدي مثل هذه الضغوط إلى زيادة تعرض الاقتصاد لتدفقات المحافظ الاستثمارية، أو “الأموال الساخنة”. وفي حين يمكن لهذه التدفقات الداخلة أن توفر سيولة سريعة، فإنها تمثل أيضا نقطة ضعف هيكلية، نظرا لميلها إلى الخروج بسرعة خلال فترات الاضطرابات العالمية أو المحلية – مما يترك الجنيه عرضة لتقلبات مفاجئة.
وهنا تتجلى أهمية علاقة مصر مع صندوق النقد الدولي بشكل خاص. ويمتد التعاون مع صندوق النقد الدولي إلى ما هو أبعد من التمويل؛ فهو بمثابة إشارة قوية للمصداقية السياسية للمستثمرين الدوليين. وأي انقطاع في هذه العلاقة يمكن أن يحد بشكل حاد من الوصول إلى التمويل الخارجي ويدفع أقساط المخاطر السيادية وتكاليف التأمين على الديون إلى مستويات حرجة.
ومن الممكن أن يؤدي استمرار ارتفاع قيمة الجنيه إلى تحقيق فوائد ملموسة، خاصة فيما يتعلق باستقرار الأسعار وتحسين القوة الشرائية. ومع ذلك، فإن القوة المفرطة تنطوي أيضاً على مخاطر، ولا سيما بالنسبة للسياحة والصادرات، حيث أن ارتفاع التكاليف بالعملة الأجنبية يمكن أن يقوض القدرة التنافسية في الأسواق الخارجية.
ولهذا السبب، ينبغي تقييم توقعات الجنيه الاسترليني من خلال سيناريوهات متعددة، يتطلب كل منها استجابات سياسية مصممة لإدارة المخاطر وتعظيم المكاسب المحتملة في بيئة عالمية غير مؤكدة.
الأول، وهو الأرجح، هو السيناريو الأساسي، والذي بموجبه يظل الجنيه مستقرًا على نطاق واسع في نطاق 46 إلى 50 جنيهًا مصريًا للدولار طوال عام 2026. وتفترض هذه النتيجة استمرار النجاح في إعادة تمويل الالتزامات الخارجية، والتدفقات المطردة للاستثمار الأجنبي المباشر، وانتعاش إيرادات قناة السويس، وصرف الشريحتين الخامسة والسادسة لمراجعة صندوق النقد الدولي، وغياب تصعيدات جيوسياسية كبيرة.
ويتوقع السيناريو المتفائل انتعاشًا أقوى، مع ارتفاع سعر الجنيه إلى ما بين 44 و48 جنيهًا للدولار. ويتطلب تحقيق ذلك تسريعاً حاسماً لبرنامج الخصخصة الحكومي، والتطبيع الكامل لعائدات القناة، وانخفاض حاد في التضخم، والتزام لا يتزعزع بمرونة سعر الصرف، والنمو المستدام في القطاعات التقليدية المدرة للعملة الأجنبية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن سيناريو المخاطرة قد يتحقق في حالة حدوث صدمات خارجية غير متوقعة أو انعكاس مفاجئ لتدفقات المحفظة، مما قد يدفع الجنيه مؤقتًا إلى ما فوق 55 جنيهًا للدولار.
إن الإبحار بنجاح في عام 2026 يتطلب أكثر من مجرد السيولة التكتيكية أو إدارة سعر الصرف؛ فهو يتطلب إعادة هيكلة اقتصادية أعمق. ويعتمد استقرار العملة المستدام في نهاية المطاف على تحويل السيولة إلى استثمار إنتاجي – وخاصة في الصناعات التحويلية والقطاعات الموجهة للتصدير – مما يقلل الاعتماد على الواردات، وخلق طلب حقيقي طويل الأجل على الجنيه.
ولابد من دعم هذه العملية من خلال تمديد آجال استحقاق الديون، ومواصلة التحول من أدوات التمويل القصيرة الأجل إلى أدوات التمويل الأطول أجلا، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتخفيف الضغوط المالية. ويتطلب ذلك أيضاً تجديد التركيز على اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يبني القدرة الإنتاجية ويخلق فرص العمل، بدلاً من الاعتماد بشكل مفرط على تدفقات المحافظ الاستثمارية المتقلبة.
ومن المهم بنفس القدر الحفاظ على الشفافية واتساق السياسات، خاصة من خلال نظام موثوق ومرن لسعر الصرف يشجع المستثمرين على العمل ضمن النظام الرسمي.
يدخل الجنيه المصري عام 2026 بفرصة نادرة وقيمة لتعزيز الاستقرار. إن تحقيق هذه الفرصة سوف يعتمد على الحفاظ على المرونة كمبدأ توجيهي والانتقال بشكل حاسم من مرحلة امتصاص الصدمات إلى مرحلة النمو الشامل القائم على الإنتاجية.
محمد عبد العال – خبير مصرفي