قال حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، إن البنك نجح في التغلب على التحديات الاقتصادية بثبات من خلال جهود سياسية مستدامة ومنضبطة.
وفي التقرير السنوي للبنك المركزي، أشار عبد الله إلى أن البنك، على المستوى المحلي، ظل يركز على تحقيق الهدف النهائي للسياسة النقدية، ألا وهو استقرار الأسعار. وفي هذا السياق جاءت القرارات التي اتخذتها لجنة السياسة النقدية خلال اجتماعاتها في العام المالي 2023/2024 متوافقة تماما مع تطورات التضخم وتوقعات الضغوط التضخمية.
وأشار إلى أن المخاطر لا تزال تحيط بمسار التضخم المتوقع، بما في ذلك تصاعد التوترات الجيوسياسية، والظروف المناخية غير المواتية محليا وعالميا، فضلا عن تأثير إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة.
وعلى الصعيد العالمي، شهد النظام المالي تحسنا خلال السنة المالية 2023/2024، مدفوعا بتزايد التوقعات بأن البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى ستبدأ في خفض أسعار الفائدة الرئيسية في النصف الثاني من عام 2024 مع انحسار الضغوط التضخمية تدريجيا.
وعلى الرغم من التشديد النقدي واسع النطاق لمواجهة التضخم، أظهر الاقتصاد العالمي مرونة ملحوظة. تشير التقديرات الأولية إلى ارتفاع متوسط النمو العالمي إلى 2.9% خلال السنة المالية 2023/2024، مقارنة بـ 2.7% في العام المالي السابق.
وواصلت معظم البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة تشديد سياساتها النقدية، بقيادة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من 23 عاما. كما رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة عبر عمليات إعادة التمويل الرئيسية وتسهيلات الإقراض الهامشية وتسهيلات الودائع لليلة واحدة إلى مستويات قياسية، قبل أن يخفضها مرة أخرى بمقدار 25 نقطة أساس في يونيو 2024 للمرة الأولى منذ ما يقرب من خمس سنوات. وعلى نحو مماثل، رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي إلى أعلى مستوى له منذ 15 عاماً.
ومع ذلك، تباينت مسارات السياسة النقدية في الاقتصادات الناشئة الكبرى خلال هذه الفترة. وواصل بنك الشعب الصيني خفض أسعار الفائدة، في حين بدأ البنك المركزي البرازيلي في تخفيف موقف سياسته. وفي المقابل، تحول البنك المركزي للاتحاد الروسي نحو رفع أسعار الفائدة بسرعة، وواصل البنك المركزي التركي رفع أسعار الفائدة عدة مرات للحد من الارتفاع الحاد في التضخم. وفي الوقت نفسه، أبقى بنك الاحتياطي الهندي وبنك الاحتياطي الجنوب أفريقي على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة.
وبعد انتهاء السنة المالية قيد المراجعة، خفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية لأول مرة منذ عام 2020، حيث خفضه بمقدار تراكمي قدره 75 نقطة أساس في سبتمبر ونوفمبر 2024 لتحفيز النمو ودعم سوق العمل. كما واصل البنك المركزي الأوروبي خفض أسعار الفائدة الرئيسية في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، في حين خفض بنك إنجلترا سعر الفائدة مرتين، في أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني 2024. وعلى العكس من ذلك، واصل بنك اليابان رفع سعر الفائدة على الاحتياطيات الفائضة التي تحتفظ بها المؤسسات المالية في يوليو/تموز 2024، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
وعلى هذه الخلفية، أكد العبد الله أن لجنة السياسة النقدية لن تتردد في استخدام كافة الأدوات المتاحة للحفاظ على الأوضاع النقدية المتشددة، بهدف خفض معدلات التضخم الشهرية بشكل مستدام وتحقيق استقرار الأسعار على المدى المتوسط.
وبناء على ذلك، تبنى البنك المركزي موقفا نقديا متشددا من خلال سبعة اجتماعات للجنة السياسة النقدية خلال السنة المالية 2023/2024، مما أدى إلى زيادة تراكمية قدرها 900 نقطة أساس في أسعار الفائدة الرئيسية.
وفي اجتماع استثنائي للجنة السياسة النقدية عقد في 6 مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري أنه سيسمح بتحديد سعر الصرف من خلال قوى السوق. وقد سهّلت هذه الخطوة القضاء على تراكم العملات الأجنبية بعد سد الفجوة بين أسعار السوق الرسمية والموازية.
ونتيجة لذلك، شهد المركز الخارجي لمصر تحسنا ملحوظا، مدعوما بتدفقات غير مسبوقة من الاستثمار الأجنبي المباشر واستثمارات المحافظ. وساهم القرار أيضًا في ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وزيادة عائدات الصادرات السلعية غير النفطية، وتعزيز إيرادات السياحة. وساعدت هذه التطورات مجتمعة في إعادة بناء احتياطيات البنك المركزي المصري من النقد الأجنبي وتعزيز المراكز الخارجية للبنوك.
وقال عبد الله إن الأزمات والتحديات التي واجهها العالم خلال العامين الماضيين أكدت مرونة النظام المصرفي المصري وقدرة البنك المركزي المصري على دعم الاقتصاد الوطني مع الوفاء بمهمته الأساسية المتمثلة في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمصرفي.
وخلال السنة المالية 2023/2024، توسع المركز المالي الإجمالي للبنوك – باستثناء البنك المركزي – بنسبة 40.1%، في حين ظلت مؤشرات السلامة المالية الرئيسية قوية. وصلت نسبة كفاية رأس المال، بما في ذلك احتياطي الحفاظ على رأس المال، إلى 18.6% في نهاية يونيو 2024، وهو أعلى بكثير من الحد الأدنى المطلوب وهو 12.5%. وبلغت نسبة الرفع المالي 7.5%، مقارنة بالحد الأدنى الإلزامي البالغ 3%.
وسجلت العوائد على متوسط الأصول وحقوق الملكية 2.0% و32.2% على التوالي، بناءً على أرقام السنة المالية 2023 المعتمدة. وبلغت نسبة القروض المتعثرة إلى إجمالي القروض والتسهيلات 2.7% في يونيو 2024، مع مخصصات تغطي 86.2% من الانكشافات المتعثرة.
وفي إطار تعزيز البيئة التشريعية والتنظيمية وتنفيذ قانون البنك المركزي والقطاع المصرفي رقم 194 لسنة 2020 – المصمم للتوافق مع أفضل الممارسات الدولية – أصدر البنك المركزي المصري العديد من اللوائح الاحترازية، بما في ذلك الإطار التنظيمي والترخيص الشامل للبنوك الرقمية. كما مدّدت توجيهاتها التي تشترط على البنوك تخصيص 25% من محفظة التسهيلات الائتمانية الخاصة بها لتمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
وأشار عبد الله إلى أن البنك المركزي لا يزال ملتزمًا بشدة بدوره الرائد في النهوض بأهداف التنمية المستدامة وأهداف رؤية مصر 2030. ونتيجة لمبادرات الشمول المالي، ارتفع معدل الشمول إلى 71.5% من السكان في يونيو 2024، وهو ما يمثل 48.1 مليون مواطن تبلغ أعمارهم 16 عامًا فما فوق ولديهم حسابات مصرفية نشطة.
وبالتوازي مع ذلك، أدت جهود تعزيز البنية التحتية المالية الرقمية إلى زيادة حادة في قيمة معاملات التحويل الفوري المنفذة من خلال شبكة المدفوعات الفورية (IPN)، التي تم إطلاقها في مارس 2022، لتصل إلى ما يقرب من 1.8 تريليون جنيه في يونيو 2024.
وقال عبد الله: “أخيرًا، أود أن أعرب عن ثقتي العميقة في قدرة البنك المركزي المصري على التغلب على كافة التحديات، مدعومًا بكوادره التقدمية وقدراته المؤسسية المتنوعة”.
“كما أتقدم بخالص التقدير لجميع العاملين بالبنك المركزي المصري على تفانيهم وعملهم الجاد. وأتطلع إلى مواصلة جهودنا، مدفوعًا بالعمل الجماعي والتعاون، لتحقيق مكانة متميزة تكون قدوة للبنوك المركزية على المستويين الإقليمي والدولي.”