هل تعيد واشنطن هندسة العملية السياسية في العراق؟

فريق التحرير

بغداد – تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق تحولات لافتة، إذ تعرب دوائر أمريكية عن رغبتها في “إعادة تقييم العلاقة” مع بغداد، خاصة فيما يتعلق بملفات السلاح، القرار المالي، وعودة شخصيات تعتبرها واشنطن مصدر توتر إقليمي. منذ إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، سيطرت واشنطن على المشهد السياسي والأمني في العراق، وتأثيرها لا يزال قائماً.

تعود جذور التأثير الأمريكي في العراق إلى فترة الاحتلال التي أعقبت الغزو عام 2003، حيث قادت واشنطن عملية إعادة بناء الدولة الجديدة. ورغم الانسحاب العسكري عام 2011، عادت القوات الأمريكية عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية. اليوم، ورغم تراجع الدور القتالي، تحتفظ واشنطن بأدوات نفوذ قوية، أبرزها السيطرة على حركة الدولار عبر الاحتياطي الفيدرالي.

من الاحتلال إلى النفوذ المالي

شكل الوجود العسكري الأمريكي الركيزة الأساسية للنفوذ في العراق بين عامي 2003 و2011. وبعد الانسحاب العسكري الرسمي نهاية 2011، عادت القوات الأمريكية عام 2014، بطلب من بغداد، للمشاركة في الحرب على تنظيم الدولة، ضمن ما عرف بـ”التحالف الدولي”.

ورغم تراجع الوجود القتالي وتحوله إلى دور استشاري، لا تزال واشنطن تحتفظ بأدوات ضغط مؤثرة، أبرزها إشرافها على حركة الدولار عبر الاحتياطي الفيدرالي، حيث تُودع عائدات النفط العراقي. وقد برز هذا النفوذ بوضوح أواخر 2022 حين فرضت وزارة الخزانة الأمريكية قيودا على تحويلات الدولار، مما تسبب باضطراب في سعر الصرف داخل العراق.

يقول المتحدث باسم “ائتلاف النصر” عقيل الرديني إن “آثار مرحلة الاحتلال لا تزال قائمة من خلال ارتباطات مالية وقانونية وسياسية”. ويضيف أن الولايات المتحدة “لا تزال تمتلك أدوات ضغط واضحة، لكنها ليست اللاعب الوحيد اليوم”. وأكد الرديني أن العراق “بحاجة إلى علاقات متوازنة مع واشنطن وسائر القوى الدولية، شرط أن تتم ضمن الأطر الدبلوماسية والقانون الدولي، لا بمنطق فرض الإرادات”.

لغة “إعادة التقييم” ما الذي تعنيه؟

لم تتحدث التصريحات الأمريكية الأخيرة عن تغيير النظام في العراق، لكنها ركزت على ملفات محددة مثل حصر السلاح بيد الدولة، ومنع تهريب الدولار، وضمان استقلال القضاء. وتأتي هذه التصريحات وسط تحذيرات غير مباشرة من تمكين “قوى موالية لإيران” من مفاصل القرار.

ويرى الباحث في الشأن العراقي والدولي مجاشع التميمي أن هذه اللغة لا تعني وجود خطة شاملة لإعادة صياغة النظام السياسي، بل “ضغط مركّز لإعادة ضبط سلوك الدولة العراقية في ملفات تراها واشنطن حساسة، خصوصا المال والسلاح”. ويضيف أن المطالب الأمريكية “تتعلق بتنظيم عمل البنك المركزي، وضبط التحويلات المالية، وإعادة ترتيب وضع هيئة الحشد الشعبي، وحصر السلاح بيد الدولة”، مشيرا إلى أن هذه القضايا “تمسّ جوهر السيادة، لكنها لا تعني بالضرورة مشروع إسقاط أو استبدال للنظام”.

نقطة التماس الأخطر

يتركز القلق الأمريكي حول فصائل عراقية مسلحة قريبة من إيران، وبعضها مصنف على لوائح الإرهاب الأمريكية. وقد تبنت فصائل ضمن ما يُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق” هجمات استهدفت قواعد تضم قوات أمريكية في العراق وسوريا خلال العامين الماضيين.

وترى واشنطن أن استمرار وجود سلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة يهدد استقرار العراق ومصالحها في المنطقة. في المقابل، تؤكد قوى سياسية منضوية في “الإطار التنسيقي” أن “الحشد الشعبي” مؤسسة رسمية أُقرت بقانون عام 2016، وأن أي معالجة لملفه يجب أن تتم داخليا.

يوضح الباحث التميمي أن واشنطن “لا تعترض على وجود الحشد كمؤسسة رسمية، بل على ازدواجية القرار الأمني، وعلى أي نشاط عسكري خارج توجيه الدولة”.

فيتو غير معلن

يتقاطع التصعيد الأمريكي مع حراك سياسي داخلي واستعدادات للاستحقاقات المقبلة، مما يثير تساؤلات بشأن وجود “فيتو غير معلن” على شخصيات بعينها، وفي مقدمتها رئيس الوزراء الأسبق وزعيم ائتلاف دولة القانون ومرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الحكومة المقبلة نوري المالكي، الذي ترى واشنطن -بحسب مراقبين- أنه يمثل نهجا أكثر تقاربا مع طهران.

يقول أستاذ العلوم السياسية خالد العرداوي إن “التحفظ الأمريكي على بعض الشخصيات لا يمكن فصله عن الصراع مع إيران”، معتبرا أن “واشنطن تسعى إلى إعادة هندسة توازنات القوة في المنطقة، والعراق جزء أساسي من هذه المعادلة”. ويرى العرداوي أن المسألة “ليست شخصية بقدر ما هي مرتبطة بخيارات سياسية وإستراتيجية، ومدى انسجامها مع الرؤية الأمريكية للأمن الإقليمي”.

في المقابل، يقدم سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي قراءة أوسع، إذ يقول إن “الضغوط الأمريكية على العراق تأتي ضمن مشروع إقليمي أشمل لإعادة ترتيب المنطقة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، بما يضمن أولوية المصالح الأمريكية”. ويضيف أن أي حديث عن “إعادة هندسة العملية السياسية” يجب فهمه في سياق هذا المشروع، لا بوصفه إجراء معزولا داخل العراق.

العراق بين واشنطن وطهران

يبقى العامل الحاسم في قراءة السلوك الأمريكي هو طبيعة الصراع مع إيران. فالعراق يشكل ساحة تداخل حيوية بين الطرفين، سواء عبر الفصائل المسلحة أو عبر النفوذ السياسي والاقتصادي.

يؤكد الباحث التميمي أن واشنطن “لا تريد انهيار النظام في بغداد، بل نظاما أقل تصادما معها، وأكثر انضباطا ماليا وأمنيا”. لكنه يحذر من أن أي تصعيد مباشر بين الولايات المتحدة وإيران قد ينعكس اقتصاديا على العراق، الذي يعتمد على تصدير نحو 3 ملايين برميل يوميا، وتشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيراداته العامة.

ويضيف أن أي اضطراب في الخليج أو في حركة التحويلات المالية قد يضع بغداد أمام أزمة مالية حادة، مما يجعلها أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية.

هل تملك واشنطن أدوات إعادة الهيكلة؟

نظريا، تمتلك الولايات المتحدة أدوات مؤثرة: كالعقوبات، والتحكم بالنظام المالي العالمي، والدعم العسكري، والتأثير في المؤسسات الدولية. لكن في المقابل، تغيّر العراق كثيرا منذ 2003. فقد ترسخت قوى سياسية ذات امتدادات إقليمية، وتوسّعت علاقاته مع الصين وروسيا ودول الجوار، وتنامت حساسية في الشارع تجاه أي تدخل خارجي مباشر.

لذلك، يرى مراقبون أن الحديث عن “إعادة هندسة شاملة” قد يكون مبالغا فيه، وأن ما يجري أقرب إلى إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى ضبط المسارات، لا إلى إعادة كتابة قواعد اللعبة.

في المحصلة، لا تبدو واشنطن في طور إطلاق مشروع سياسي جديد في العراق، كما فعلت عام 2003، لكنها في الوقت ذاته لم تغادر موقع التأثير.

وتوحي المؤشرات بمحاولة لإعادة ترتيب أولويات العلاقة مع بغداد، بما يضمن -من وجهة نظر أمريكية- نظاما أقلّ تصادما مع سياساتها، وأكثر انسجاما مع منظومة الاقتصاد العالمي.

شارك المقال
اترك تعليقك