العملة “المستقرة”.. هل هي مخطط جديد لتجفيف منابع تمويل المقاومة بغزة؟

فريق التحرير

عملة مشفرة مستقرة لغزة: فرصة أم أداة سيطرة؟

أثارت تقارير صحفية حول إمكانية إطلاق عملة مشفرة مستقرة لاستخدامها في إدارة الوضع الاقتصادي في قطاع غزة تساؤلات حول طبيعة هذه العملات وأهدافها. ويرى محللون أن هذه العملة، إذا اعتمدت، قد تمثل أداة للسيطرة الإسرائيلية والأمريكية وتجفيف منابع تمويل المقاومة، لا سيما وأن الفكرة اقترحها ضابط إسرائيلي سابق.

ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن مسؤولين يعملون في “مجلس السلام”، الذي يقوده الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يبحثون إمكانية إطلاق عملة مشفرة مستقرة في غزة. ويأتي هذا الطرح لمعالجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بالنظام المصرفي التقليدي وأنظمة المدفوعات في القطاع نتيجة الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023.

ما العملة المشفرة المستقرة (Stablecoin) وكيف يتم إصدارها؟

يعرّف بنك إنجلترا العملة المشفرة المستقرة بأنها “نوع من الأصول الرقمية التي يمكن استخدامها للمدفوعات”، وتختلف عن الأموال التقليدية من حيث أنها مدعومة بأصل أو سلة من الأصول، غالباً بعملة رئيسية مثل الدولار الأمريكي. هذا الدعم يضمن قيمة مستقرة لها، على عكس العملات المشفرة الأخرى مثل البيتكوين، التي تتسم بتقلبات عالية بسبب عدم وجود أصول داعمة لها.

يتم إصدار العملة المستقرة عبر آلية تتضمن شركات متخصصة. تقوم شركة بإصدار العملة مع الاحتفاظ بقيمتها بما يعادلها بعملة دولية. ثم تُصدر العملة للجمهور عبر سجل معاملات، وترتبط قيمتها بالأصول لدى الشركة المصدرة، مما يسمح لحاملها باستبدالها بأموال في حسابه المصرفي بسهولة. لاحقاً، قد تصدر شركة أخرى محفظة رقمية تسمح بإنجاز المعاملات عبر الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، متجاوزة بذلك الأنظمة المصرفية التقليدية.

ماذا نعرف عن العملة المشفرة المستقرة المقترحة لقطاع غزة؟

تفيد تقارير “فايننشال تايمز” بأن المحادثات حول هذه العملة ما تزال في مراحلها الأولية، وأن تفاصيلها التنفيذية غامضة. ومن المتوقع أن ترتبط العملة المقترحة بالدولار الأمريكي، وأن تدعمها شركات فلسطينية وخليجية متخصصة في العملات الرقمية.

وأحد المصادر أشار إلى أن هذه العملة لن تكون عملة غزة أو عملة فلسطينية جديدة، بل وسيلة لسكان القطاع لإجراء المعاملات رقمياً. ويقود هذه المبادرة رجل الأعمال والضابط الإسرائيلي السابق ليران تانكمان. تشمل الأطراف المنخرطة في المشروع اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة ومكتب الممثل السامي لغزة في مجلس السلام.

كيف ستؤثر هذه العملة -إذا اعتمدت- على اقتصاد غزة؟

من المبكر التكهن بتأثير هذه العملة على اقتصاد غزة، خاصة في ظل التوترات الإقليمية. يرى خبراء أن هناك عدة دوافع محتملة وراء هذا المقترح، منها سعي إسرائيل لاستغلال التكنولوجيا المالية للتجسس على غزة، وطموح الولايات المتحدة لتجربة العملات المشفرة في سياق عملي، وتحويل غزة إلى “مختبر تجارب اقتصادية وتجسسية” بتكلفة منخفضة.

من ناحية أخرى، قد يؤدي إطلاق العملة المستقرة إلى تعميق الفصل الاقتصادي بين غزة والضفة الغربية، حيث لن تكون للسلطة الوطنية الفلسطينية سيطرة على العملة المقترحة. ويعتبر البعض أن هذا التحول النقدي الرقمي قد يضعف دور سلطة النقد الفلسطينية، ويزيد من عدم اليقين النقدي، خاصة في بيئة تفتقر للاستقرار المؤسسي والتقني.

هل لهذه الخطوة أبعاد أخرى تتجاوز الاقتصاد؟

يرى باحثون أن طرح عملة مشفرة في غزة يتجاوز البعد الاقتصادي ليلامس أبعاداً سياسية. قد يهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة الاقتصادية بين غزة والضفة الغربية، وخلق فصل اقتصادي ونقدي له تداعيات بعيدة المدى. كما يمكن اعتباره جزءاً من تصورات لمرحلة ما بعد الحرب، تركز على رقمنة الاقتصاد والاعتماد على جهات خارجية.

التحكم بأدوات الإصدار النقدي وآليات الدفع يمنح الجهة المصدرة للمحافظ الرقمية قدرة على الرقابة الدقيقة على حركة الأموال والسكان، وهو بالضبط ما قد يستهدف تجفيف مصادر تمويل المقاومة أو فرض قيود مالية جماعية. وفي حال تنفيذ الخطوة خارج الإطار النقدي الفلسطيني الرسمي، قد يؤسس ذلك لواقع اقتصادي جديد يعزز تبعية القطاع لجهات خارجية.

هل ستؤثر هذه العملة على المقاومة في غزة؟

تشير تقارير سابقة إلى أن العملات المشفرة كانت أحد أساليب التمويل التي اعتمدتها الفصائل الفلسطينية في غزة. تلقت محافظ مرتبطة بحماس والجهاد الإسلامي مبالغ مالية كبيرة بين عامي 2020 و2023.

لذلك، يرى بعض المحللين أن العملة المستقرة المتوقعة قد لا تؤثر كثيراً على قدرة المقاومة على التمويل، وأن العملات المشفرة ستظل وسيلة لمواجهة الضغوط. بالإضافة إلى ذلك، قد تواجه العملة صعوبات في التطبيق بسبب الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في غزة، مثل محطات الكهرباء، والانقطاع المستمر للإنترنت، وهما عاملان أساسيان لعمل أي عملة مشفرة.

شارك المقال
اترك تعليقك