في منعطف وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنه “لحظة عصيبة”، طوى العالم اليوم الخميس صفحة معاهدة “نيو ستارت”، آخر القواعد الملزمة للترسانتين النوويتين الروسية والأمريكية. تزامن ذلك مع إعلان واشنطن وموسكو استئناف الحوار العسكري بين الجانبين لأول مرة منذ عام 2021.
عبر 7 أسئلة، تضع هذه المادة التطورات الأخيرة في سياق ممتد من العلاقات الروسية الأمريكية، وتقرأ مستقبل تلك العلاقات في ضوء الملفات الشائكة بين الجانبين وأبرزها السباق النووي والحرب في أوكرانيا.
ما هي معاهدة “نيو ستارت”؟ ولماذا يمثل انتهاؤها “لحظة خطيرة” للعالم؟
تعد معاهدة “نيو ستارت” (New START)، التي وُقّعت عام 2010، آخر اتفاقية متبقية للحد من التسلّح بين القوتين النوويتين الرئيسيتين، الولايات المتحدة وروسيا. وضعت المعاهدة سقفا محددا لكل طرف بـ 1550 رأسا نوويا إستراتيجيا منتشرا، و800 منصة إطلاق وقاذفة ثقيلة، مع آلية دقيقة للتحقق.
ويمثل انتهاؤها “لحظة خطيرة” لأنها المرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن التي يواجه فيها العالم غيابا تاما للقيود الملزمة قانونا على الأسلحة النووية الإستراتيجية. هذا الغياب يعمق مخاوف زيادة خطر استخدام هذه الأسلحة، ويهدد بعودة “عدم اليقين الإستراتيجي” الذي قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
لماذا فشلت واشنطن وموسكو في تمديد المعاهدة قبل انتهاء صلاحيتها؟
رغم اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سبتمبر/أيلول 2025 تمديد المعاهدة لعام واحد، وهو ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حينها بأنه “فكرة جيدة”، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تتخذ إجراءات نهائية لإتمام التمديد. أعلنت وزارة الخارجية الروسية أن محاولتها للتمديد لم تلقَ استجابة إيجابية من الجانب الأمريكي، مما أدى إلى انتهاء صلاحية المعاهدة. وبناءً عليه، أكدت موسكو أنها “لم تعد ملزمة” بأي تعهدات متبادلة، معربة عن أسفها لما وصفته بـ “الخطوة السلبية” من جانب واشنطن التي تصر على إشراك أطراف أخرى كالصين في أي حوار مستقبلي.
لماذا تصر الولايات المتحدة على إشراك الصين في أي اتفاق جديد؟
تتبنى إدارة ترمب رؤية مفادها أن أي نظام دولي جديد للحد من التسلح يجب ألا يقتصر على واشنطن وموسكو. أشار مسؤولون أمريكيون إلى ضرورة إشراك الصين في المناقشات، وهو ما أكده نائب الرئيس جيه دي فانس بسابق استعداده للعمل مع الصين وروسيا لتقليل السلاح النووي العالمي. من جانبها، أعلنت الصين بوضوح نيتها عدم المشاركة “في المرحلة الراهنة”، معتبرة أن قدراتها النووية تختلف جذريا عن القوى الكبرى الأخرى. ترى واشنطن أن هذا الموقف الصيني يمثل تحديا لاستقرار النظام الأمني العالمي، الذي يتطلب “ضبط النفس والتحلّي بالمسؤولية” من جميع الدول.
ما عواقب “سباق التسلّح الجديد” بعد طي صفحة المعاهدة؟
يحذر خبراء من أن انتهاء “نيو ستارت” قد يعيد إطلاق سباق تسلّح غير محكوم بقواعد. يشجع غياب القيود القوى النووية على توسيع ترساناتها. يحذر حلف الناتو من أن روسيا والصين تعملان فعليا على تعزيز قدراتهما النووية في ظل غياب آليات التحقق التي كانت توفرها المعاهدة.
كيف يبدو الموقف الروسي الرسمي تجاه انتهاء “نيو ستارت”؟
عبّر الكرملين عن “نظرة سلبية” وأسف شديد لانتهاء المعاهدة، محملا واشنطن مسؤولية هذا التطور. ومع ذلك، أكدت موسكو أنها ستتصرف بـ “حكمة ومسؤولية”، وستحافظ على “نهج دقيق” تجاه قضية الاستقرار الإستراتيجي رغم توقف التزاماتها القانونية. أشار المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف إلى أن بلاده تظل منفتحة للبحث عن سُبل للتفاوض، لكنها في الوقت ذاته أعلنت صراحة أنها لم تعد مقيدة بعدد الرؤوس الحربية التي يمكنها نشرها، مما يمنحها مرونة عسكرية كاملة لم تكن متاحة قبل هذا التاريخ.
ما علاقة محادثات السلام الأوكرانية في أبو ظبي باستئناف الحوار العسكري؟
جاء الاتفاق على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى نتيجة لتقدم وصفته القيادة الأمريكية بأنه “مثمر وبنّاء” في محادثات السلام الأوكرانية التي استضافتها العاصمة الإماراتية أبو ظبي. استغل المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب ومستشاره، وجود مسؤولين عسكريين روس وأوكرانيين في أبو ظبي لفتح قناة اتصال عسكرية كانت معطلة منذ عام 2021.
يرى الجانب الأمريكي أن الحفاظ على هذا الحوار بين الجيوش هو وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد في وقت تتفاوض فيه الأطراف على قضايا محورية مثل السيطرة على منطقة دونباس الصناعية.
ما وظيفة “قناة الاتصال العسكري” الجديدة التي تم الاتفاق عليها؟
تهدف هذه القناة، التي تم تفعيلها إثر اجتماعات أبو ظبي بمشاركة القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) الجنرال أليكسوس جرينكويتش وويتكوف وكوشنر، إلى توفير “اتصال عسكري مستمر” بين الولايات المتحدة وروسيا. تتمثل وظيفتها الأساسية في زيادة الشفافية ومنع وقوع أخطاء حسابية قد تؤدي إلى صدام نووي غير مقصود، خاصة في ظل انتهاء المعاهدة. تعتبر القيادة الأمريكية أن هذا الحوار يمثل “عنصرا مهما للسلام” لا يمكن تحقيقه إلا عبر القوة، ويوفر وسيلة لخفض التصعيد الميداني ريثما يتم التوصل إلى إطار جديد يقلل الأخطار، ويعزز الأمن المشترك بين القوى الكبرى.