لا نفط رخيصا للصين.. الهدف “الخفي” للحرب الأمريكية على إيران

فريق التحرير

يشهد العالم حالة من عدم اليقين المتزايد في أسواق الطاقة، حيث تلعب التوترات الجيوسياسية دورًا محوريًا في تحديد مسارات الأسعار وسلوكيات اللاعبين الرئيسيين. وفي خضم هذه التطورات، تبرز الولايات المتحدة والصين كقوتين متنافستين تسعيان لفرض هيمنتهما على النظام الاقتصادي العالمي، مع دخول النفط والمعادن النادرة كأدوات رئيسية في هذا الصراع.

الحرب الاقتصادية: النفط كأداة للنفوذ

بدأت بزوغ بوادر تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما أثر بشكل مباشر على حركة الملاحة في مضيق هرمز. يُعد هذا المضيق شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، حيث يمر عبره حوالي 20% من النفط العالمي و20% من الغاز المسال. وقد أدى التوتر في المنطقة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، مما ألقى بظلاله على الاقتصادات العالمية.

تعتمد الاقتصادات الآسيوية بشكل كبير على النفط القادم من منطقة الخليج، حيث تستورد اليابان وكوريا الجنوبية والصين نسبة كبيرة من احتياجاتها النفطية من هذه المنطقة. هذا الاعتماد يجعل هذه الدول أكثر حساسية للأزمات التي قد تنشأ في مضيق هرمز، والتي بدورها تؤثر على أسعار الطاقة عالميًا وتساهم في ارتفاع معدلات التضخم.

تشير التحليلات إلى أن الولايات المتحدة تراهن على استراتيجية طويلة الأمد لإعادة فرض هيمنتها على سوق الطاقة العالمي. لا يقتصر الأمر على كونها أكبر منتج للنفط والغاز، بل يمتد ليشمل التحكم في تدفقات النفط الرخيص المتجه إلى الصين، سواء من إيران أو فنزويلا. وقد اتخذت واشنطن خطوات لزيادة أسعار توريد النفط الروسي للصين، عبر السماح مؤقتًا ببعض الصفقات، في محاولة للسيطرة على السوق العالمي.

بالإضافة إلى ذلك، أعلنت الولايات المتحدة عن رفع مؤقت للعقوبات على النفط الإيراني العالق على متن الناقلات، بهدف إتاحة الإمدادات لآسيا والتحكم في الأسعار. هذا يعني توفير المزيد من النفط للاقتصادات الآسيوية، ولكنه يأتي بأسعار أعلى. يُنظر إلى هذا الإجراء على أنه جزء من هدف أوسع وهو حرمان الصين من النفط الرخيص الذي كانت تحصل عليه عبر السوق الموازية التي خلقتها العقوبات الأمريكية.

ورقة النفط الرخيص

منذ منتصف القرن العشرين، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في استقرار أسواق الطاقة العالمية، ليس فقط بكونها قوة عظمى، بل من خلال ضمان تدفق النفط من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الصناعية الكبرى. واليوم، تسعى واشنطن إلى الهيمنة على أسواق الطاقة العالمية من جديد، وتعتبر الحرب الحالية فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى في صراعها مع الصين.

على المدى القصير، ستشهد أسواق الطاقة هزات عنيفة نتيجة توقف الملاحة في مضيق هرمز. لكن الولايات المتحدة تعتمد على الاحتياطيات النفطية الكبيرة، بما في ذلك الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي، لتعويض الفارق وامتصاص الصدمات السعرية. في غضون ذلك، تستفيد شركات النفط الصخري الأمريكية من طفرة الأسعار.

يبقى الهدف الأمريكي الأهم على المدى الطويل هو السيطرة على تدفقات النفط الرخيص إلى الصين. يُنظر إلى هذا النفط على أنه ميزة نسبية كبيرة لبكين في ظل الحرب التجارية، ويمكن استخدامه لاحقًا كورقة تفاوضية في ملفات أخرى، مثل هيمنة الصين على قطاع الطاقة المتجددة والمعادن الأرضية النادرة.

يمثل النفط في الحرب الحالية ورقة تفاوض تسعى الولايات المتحدة لاستعادتها. فبعد عقود من سياسات العقوبات، نزحت روسيا وإيران وفنزويلا إلى بيع منتجاتهم بأقل من السعر العالمي للصين. وقد نشأ هذا السوق الموازي بفعل العقوبات الأمريكية، وهي استراتيجية أعيد استخدامها في السنوات الأخيرة لمعاقبة الصين نفسها.

من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحرب على إيران على أنها خطوة مكملة للعمليات الأمريكية في فنزويلا. كلتاهما جزء من سياسة أمريكية أوسع لإعادة تشكيل شروط تداول الطاقة عالميًا. الهدف الأمريكي الأعمق هو السيطرة على البنية المؤسسية التي تحكم عمليات إنتاج ونقل وتداول النفط عالميًا، بما في ذلك النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار في تجارة النفط.

لا تحتاج واشنطن إلى امتلاك النفط الإيراني أو الفنزويلي بشكل مباشر، بل يكفي أن تمارس نفوذًا يجعل بيعه للصين بأسعار مخفضة صعبًا، مما يرفع تكلفته عليها. وتستهدف وزارة الخزانة الأمريكية ما تسميه “أساطيل الظل” الشاحنة للنفط المحاصر بالعقوبات إلى الصين، بهدف رفع تكلفة التهرب من العقوبات وتقليص الإيرادات الصافية للمصدرين. وعلى الرغم من تكثيف العقوبات، استمرت الصين في الاعتماد على نفط رخيص من الدول الخاضعة للعقوبات، بخصم يصل إلى 10-20 دولارًا للبرميل أقل من السعر العالمي.

يتم توريد هذا النفط لشركات ومصافي صينية عبر ترتيبات لوجستية معقدة، تشمل شركات وسيطة ونقل النفط في عرض البحر وتغيير أعلام الناقلات. وقد أصبحت هذه الشبكات غير الرسمية لتداول النفط أكثر أهمية مع تزايد وتيرة العقوبات الأمريكية. تشير التقديرات إلى أن الصين وحدها تستورد حوالي 2.6 مليون برميل يوميًا من النفط الخاضع للعقوبات، مما يمثل حوالي 21-22% من وارداتها النفطية.

يمكن للعالم أن يتعايش مع هذا السوق الموازي، بل قد يلعب دورًا إيجابيًا في استقرار أسعار الطاقة. لكن الولايات المتحدة وحدها لا يمكنها التعايش مع هذا الوضع، خاصة مع تزايد المشتريات الصينية منذ عام 2022. تستخدم بكين هذه الثغرة لمراكمة احتياطيات استراتيجية من النفط، مما رفع احتياطيها الاستراتيجي إلى ما بين 900 مليون ومليار برميل، أي ما يعادل مرتين ونصف إلى ثلاث مرات إلى إجمالي الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي.

تهدف الحرب الحالية جزئيًا إلى فرض واقع جديد على واردات النفط الرخيصة للصين، والتي منحتها قوة أكبر في سوق الطاقة العالمي. ولم تعد الصين مجرد أكبر مستهلك ومستورد للنفط، بل أصبحت تتحدى العقوبات الأمريكية وتستفيد منها. وبالتالي، فإن إعادة هيمنة الولايات المتحدة على أسواق النفط ضرورة أمريكية في ظل التنافس مع الصين.

نجحت الصين في الاستفادة من هذا النظام المزدوج لتداول النفط، ورغم أنه صُمم لرفع تكلفة استيراد النفط والإضرار بالدول الخاضعة للعقوبات، فإن الصين استفادت على المدى الطويل. فحصول بكين على طاقة أرخص من منافسيها لفترة طويلة يعطيها ميزة تنافسية في القطاعات الصناعية، خاصة كثيفة الاستهلاك للطاقة.

في المقابل، لم تكن العقوبات استراتيجية ناجحة في تأمين المصالح طويلة المدى للولايات المتحدة في صراعها مع الصين. لذا، تحاول واشنطن الآن استغلال النفط من دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا للضغط على الصين، وتحويل ميزة الأسعار المنخفضة إلى ورقة تفاوضية في لعبة القوة المستمرة مع بكين.

ورقة المعادن النادرة

ليس النفط وحده ساحة الصراع بين الولايات المتحدة والصين. فالصراع ممتد على جبهات اقتصادية وتكنولوجية أعقد، لكن النفط يبقى سلاحًا جيدًا في يد الولايات المتحدة على الأقل في المستقبل القريب. وتسعى الصين للتحوط ضد هذه الاستراتيجية الأمريكية بكل الطرق، مما قد يفسر جزئيًا مفارقة كونها أكبر مستهلك للفحم وأكبر منتج للطاقة المتجددة في العالم. تهدف بكين إلى ضمان أمنها الطاقي وتقليل هشاشتها أمام تقلبات أسعار النفط ومواجهة استغلال الولايات المتحدة لهيمنتها على أسواق الطاقة.

يشهد مزيج الطاقة الصيني تحولًا تدريجيًا نحو مصادر متجددة. وفي عام 2024، بلغت نسبة الطاقة المتجددة حوالي 19.7%، لتصل في السنة التالية إلى 21.7%. وتُعد الطاقة المتجددة مهيمنة في قطاع الكهرباء، حيث بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة حوالي 1.89 تيرا واط بنهاية عام 2024، أي 56% من إجمالي القدرة المركبة. ومع ذلك، فإن الطاقة المنتجة فعليًا من المصادر المتجددة تبلغ حوالي 35% من إجمالي الكهرباء المنتجة في الصين عام 2024.

هذا التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة يرتبط بجهود خفض الانبعاثات وأمن الطاقة في آن واحد. تدرك الصين أن اعتمادها على واردات النفط، التي تمر عبر نقاط اختناق عالمية، يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار.

لا تسعى الصين فقط لتصبح أكبر منتج للتكنولوجيا النظيفة، بل تحاول أيضًا إعادة تشكيل هيكل اقتصادها ليصبح أقل اعتمادًا على الأسواق الخارجية للطاقة. ويعني هذا أن أمن الطاقة في الصين أصبح يُعرف بقدرته على تقليل الحاجة للإمدادات الخارجية للطاقة بحد ذاتها، عبر توسيع قاعدة الطاقة المحلية منخفضة الكربون.

في ظل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة، قد يكون هذا التحول أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الصين لتقليل تعرضها لصدمات الطاقة في المستقبل، ولإعادة صياغة موقعها داخل نظام الطاقة العالمي. لا تقوم الحرب على إيران على النفط في المقام الأول، لكن النفط حاضر كورقة تفاوضية في الصراع الصيني الأمريكي الممتد على جبهات عدة، أهمها السباق التكنولوجي للهيمنة على صناعة الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصلات، وكذلك السيارات والبطاريات الكهربائية، وسوق المعادن النادرة الذي تسيطر عليه الصين بوضوح.

تعتبر المعادن الأرضية النادرة عنصرًا حيويًا في الاقتصاد الحديث، حيث تدخل في صناعات تكنولوجية متقدمة مثل الهواتف الذكية والبطاريات وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية، بالإضافة إلى الصناعات العسكرية. تنتج الصين حوالي 60% من الإنتاج العالمي من المعادن الأرضية النادرة، وتسيطر على ما يقرب من 85-90% من القدرات الصناعية لمعالجتها وتكريرها.

تفرض الصين قيودًا على تصدير المعادن النادرة ردًا على الحرب التجارية. وفي هذا السياق، يمكن فهم دور الطاقة في الصراع الأمريكي الصيني. فإذا كانت الصين تمتلك نفوذًا في سلاسل توريد المعادن النادرة، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يمتلكون نفوذًا أكبر في أسواق الطاقة العالمية والبنية التحتية المالية والبحرية التي تحكم هذه الأسواق، بما في ذلك السيطرة على نظام التسويات المالية المعتمد على الدولار.

لعبة الطاقة والمعادن

هنا يظهر الترابط بين الطاقة والمعادن النادرة. تعتمد الصين بدرجة كبيرة على واردات الطاقة لتشغيل اقتصادها الصناعي الضخم، وقد استفادت في السنوات الأخيرة من شراء النفط الرخيص من إيران وروسيا وفنزويلا. ولكن إذا تمكنت واشنطن من تضييق هذه القنوات، فإن الصين قد تضطر لشراء نسبة أكبر من احتياجاتها النفطية بأسعار أعلى، مما يرفع تكلفة الإنتاج الصناعي ويقلل جزئيًا من الميزة التنافسية للمصانع الصينية.

غير أن هذه المعادلة ليست ثابتة. تعمل كل من الولايات المتحدة والصين على تقليل نقاط الضعف في سلاسل التوريد الخاصة بهما. بدأت واشنطن دعم مشاريع استخراج ومعالجة المعادن النادرة خارج الصين، بينما تسعى بكين لتنويع مصادر الطاقة عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة ومشاريع النفط والغاز محليًا وخارجيًا.

مع ذلك، يظل التداخل بين أسواق الطاقة والمعادن الاستراتيجية عنصرًا مهمًا في الصراع الجيوسياسي. فكلما زاد اعتماد التقنيات المتقدمة على المواد النادرة أو الطاقة الكثيفة، ازدادت أهمية السيطرة على سلاسل الإمداد الخاصة بها. لا يمكن فهم الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين بمعزل عن هذه الشبكة المعقدة من الموارد الاستراتيجية.

تسيطر بكين على المعادن النادرة، وتحاول واشنطن فرض سيطرتها على أسواق الطاقة. يتوالى فصول التنافس على من يدير دفة الاقتصاد العالمي، الذي لم يعد يعتمد على التنافس على النفط والغاز وحدهما، بل يعتمد أيضًا على التنافس على المعادن النادرة التي تقوم عليها معظم الصناعات التكنولوجية الحديثة. هذا التنافس على الموارد هو الفصل الأهم في الصراع على النفوذ في العالم المعاصر.

ماذا بعد؟

تستمر التوترات في مضيق هرمز، مع استمرار العقوبات الأمريكية على إيران وفنزويلا. المدى الزمني للحرب وتأثيرها النهائي على أسعار الطاقة ومواقع القوى الاقتصادية يبقى غير مؤكد. ستراقب الأسواق عن كثب تطورات الملاحة في المضيق، وردود الفعل الصينية على ضغوط أسعار الطاقة، بالإضافة إلى جهود كل من الولايات المتحدة والصين لتعزيز أمنهما الاستراتيجي في مجال الطاقة والمعادن النادرة.

شارك المقال
اترك تعليقك