سقوط “الاستثناء”.. لماذا لم تعد “قسد” خيارا دوليا؟

فريق التحرير

تعد مسألة توحيد الجغرافيا السورية من أهم أولويات الدولة السورية التي ورثت جغرافيا منقسمة خلَّفتها سنوات الصراع. شكَّلت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أكبر تحدٍّ أمام السلطات لإعادة توحيد الجغرافية السورية، نظرًا لامتلاكها هياكل إدارية وعسكرية وأمنية منفصلة منذ عام 2015، فضلًا عن استحواذها على أهم المناطق الغنية بالموارد في شمال البلاد وشرقها، مما منحها استقلالية اقتصادية كبيرة.

في أغسطس/آب 2025، احتضنت قسد ما سمته “مؤتمر المكونات” في الحسكة، مقدمة نفسها كمنافس للحكومة السورية. كما فتحت أبوابها لعناصر وضباط سابقين بالنظام ومطلوبين أمنيين، متمسكة بمطلب عدم دخول القوات الحكومية للمناطق الخاضعة لسيطرتها.

تبنى قسد خطاباً تصعيدياً ضد الحكومة السورية عقب المواجهات في محافظة السويداء في يوليو/تموز 2025. وخلال الأشهر الأخيرة، اشتدت المواجهات بين قسد والقوات الحكومية، خصوصاً بعد هجمات لـ”تابعين” لقسد على قوات حكومية في حلب مطلع يناير/كانون الثاني 2026. دخلت العلاقة بين الطرفين مساراً جديداً يزاوج بين القوة الخشنة والتفاوض.

حصيلة 3 أسابيع من المواجهة العسكرية ونتائجها

مرت المواجهات العسكرية الأخيرة بين الحكومة السورية وقسد، والتي امتدت من 7 إلى 21 يناير/كانون الثاني 2026، بثلاث مراحل رئيسية. في المرحلة الأولى، سيطرت القوات الحكومية على 3 أحياء في مدينة حلب كانت تتمركز فيها قسد، وهي: الأشرفية، والشيخ مقصود، وبني زيد. تلتها عمليات لإخراج قسد من كامل محافظة حلب وصولًا إلى دير حافر وسد تشرين قرب منبج، باستثناء منطقة عين العرب (كوباني) التي بقيت تحت سيطرتها.

شهدت المرحلة الثانية انتفاضة عشائرية في الرقة ودير الزور ضد سيطرة قسد، مع عدم تدخل مباشر للقوات الحكومية في الأيام الأولى. أما المرحلة الثالثة، فقد جاءت بعد سيطرة القوات العشائرية على كامل محافظتي الرقة ودير الزور، حيث توغلت القوات الحكومية شرق النهر لتسلم المناطق التي انسحبت منها قسد، ودخلت معبر اليعربية مع العراق.

شددت القوات الحكومية الخناق على ما تبقى من مناطق تحت سيطرة قسد، مثل القامشلي والدرباسية والمالكية وبعض أحياء الحسكة، ومنطقة كوباني بريف حلب، لكن دون اقتحامها، على ما يبدو لتجنب دفع الأكراد للصِدام مع الحكومة. بعد ذلك، دخل الطرفان مرحلة خفض التصعيد دون وقف كامل لإطلاق النار.

استطاعت الحكومة السورية تأمين مدينة حلب بالكامل بعد إخراج عناصر قسد المتمركزين في أحياء مرتفعة، واستكملت ذلك بالسيطرة على دير حافر ومسكنة. ومن شأن سيطرة الحكومة على محافظتي الرقة ودير الزور توحيد القرار الأمني وإغلاق الفجوات المحتملة، وتقليص عمليات التهريب عبر الحدود السورية مع العراق.

على الصعيد السياسي، أدت العمليات العسكرية إلى تآكل شرعية قسد، حيث انفض عنها المكون العربي الذي انحاز للحكومة، وكشفت عن رفض المجتمع المحلي لهيمنتها. كما أظهرت قسد استعدادها للتخلي عن مهمة حماية سجون تنظيم الدولة، مما دفع المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس براك، في 20 يناير/كانون الثاني 2026، للإعلان عن انتهاء المهمة الرئيسية لقسد والمتمثلة بمكافحة تنظيم الدولة.

حققت الحكومة السورية مكاسب اقتصادية مهمة باستعادة السيطرة على مناطق تضم الغالبية العظمى من احتياطيات سوريا من النفط والغاز، مثل حقلي الهول والعمر. في المقابل، فقدت قسد موارد اقتصادية هامة مكنتها من توطيد أركان إدارتها الذاتية.

التداعيات المحتملة لتطورات المشهد بين دمشق وقسد

من المتوقع أن تؤدي التطورات الأخيرة إلى تداعيات على ثلاثة أصعدة رئيسية: المحلي، الإقليمي، والدولي.

الصعيد المحلي: عززت الإنجازات العسكرية للحكومة السورية زخمها الشعبي، وجاءت بعد موجة انتقادات للحكومة بشأن التفاوض مع قسد. سجلت مراكز تجنيد الأمن والجيش إقبالاً كبيراً من أبناء المناطق التي سيطرت عليها الحكومة، مما عكس ازدياد الثقة الشعبية. كما أضعفت الحكومة مشروع “الإدارة الذاتية المستقلة” لقسد، وتبدو آفاق تأسيس أقاليم ذاتية قد تراجعت.

أحدثت العمليات العسكرية حالة من التشنج في بعض الأوساط الكردية، خاصة مع دعاية قسد التي صورت العمليات كاستهداف للكرد. وللتخفيف من هذا الاحتقان، أصدرت الحكومة المرسوم رقم 13 لعام 2026، الذي تضمن الاعتراف بالحقوق الثقافية والمدنية للمكون الكردي. ساهم هذا المرسوم في خلق مزاج إيجابي لدى شريحة من القوى السياسية والمجتمع المدني الكردي، خاصة مع تسهيل عودة نازحين أكراد إلى مناطقهم.

أظهرت الحكومة اهتماماً بمعالجة الآثار الإنسانية خلال عملياتها العسكرية، من خلال فتح ممرات آمنة وإيواء النازحين. أعطت هذه الإجراءات انطباعاً بأن المؤسستين العسكرية والأمنية في تطور مستمر، وأن القيادات عززت السيطرة المركزية، مما أدى لانخفاض الانتهاكات.

الصعيد الإقليمي: للملف امتدادات إقليمية، لارتباط وحدات حماية الشعب بعلاقات مع أحزاب كردية في العراق وتركيا. دخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، الحاكم في إقليم كردستان العراق، في وساطة بين الجانبين. في المقابل، دفع كل من حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعناصر للقتال إلى جانب وحدات حماية الشعب.

حرمان وحدات الحماية من عائدات النفط والغاز يقلص قدرتها على تمويل حزب العمال الكردستاني. كما أن سيطرة الحكومة السورية على الحدود مع العراق قد تقطع خطوط الاتصال بين الوحدات ومنطقة سهل سنجار التي ينشط فيها حزب العمال الكردستاني، مما يضعف موقف الحزب.

ازداد حضور تركيا في المشهد السوري، وربطت قيادات في حزب العمال وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب مصير مسار السلام مع تركيا بتطورات شمال وشرق سوريا. تدخلت حكومة إقليم كردستان العراق رسمياً في الملف، ورعت وساطة بين قسد والحكومة السورية.

ساهم وصول القوات السورية إلى الحدود العراقية في قرار قوى الإطار التنسيقي العراقي، بدعم من إيران، بترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة. يعكس هذا الخيار قلق إيران وأطراف شيعية عراقية من تبدل موازين النفوذ.

الصعيد الدولي: لوحظ تراجع الدعم الأمريكي لقسد، بالتوازي مع زيادة الثقة بالحكومة السورية. يعود ذلك لسلوك قسد التفاوضي وعجزها عن الوفاء بالاتفاقيات، وتقليص التزاماتها بحماية سجون تنظيم الدولة. بدأت القوات الأمريكية بنقل سجناء تنظيم الدولة إلى العراق.

تدفع سيطرة الحكومة السورية على مساحة واسعة من سوريا روسيا لإعادة تقييم سياساتها وبقاء قاعدتها في مدينة القامشلي، وبدأت عملية نقل طواقم منها باتجاه قاعدة حميميم.

ثالثًا: المآلات المستقبلية لملف قسد وآثاره على إعادة بناء الدولة

لم يعد من الممكن بقاء قسد على صيغتها السابقة، فقد فقدت مساحات واسعة من سيطرتها ونُزعت عنها الشرعية الدولية. كما لا يمكنها الاعتماد طويلاً على دعم عابر للحدود من قبل أحزاب كردية أخرى.

يطالب المجتمع الدولي عموماً باندماج قسد في الدولة السورية. تبدو قسد أمام استحقاق حاسم يتمثل في الاندماج ضمن الدولة السورية وفق صيغة مقبولة لمختلف الأطراف، سواء عبر التفاوض أو بعد جولة جديدة من المواجهات.

من المرجح أن تواصل الحكومة اتباع مسارها المنفتح بالإقرار بخصوصية المكونات السورية، وتقبل مشاركة المكون الكردي في إدارة المناطق التي يشكل فيها ثقلاً سكانياً، مع ربط مهمة حفظ الأمن بالسلطة المركزية.

آلية الحكومة السورية في معالجة ملف قسد، مع ترك هوامش للمجتمع المحلي للمشاركة في إدارة شؤونه، قد تُعمَّم لاحقًا كنموذج لحل في محافظة السويداء.

قد يكرس ملف قسد نموذج حكم لا مركزي إداري جغرافي يراعي المشاركة المحلية في الإدارة والأمن، ليعزز ثقة المجتمع المحلي والأطراف الدولية بقدرة الحكومة على إدارة البلاد. أظهرت الحكومة عدم رغبة في الصدام مع المكون الكردي خلال المواجهات الأخيرة.

شارك المقال
اترك تعليقك