دييغو غارسيا.. “المستعمرة” التي تشن أمريكا منها الحروب في الشرق الأوسط

فريق التحرير

دييغو غارسيا: آخر قلاع الغرب في الشرق، صراع السيادة والعودة

في فبراير 2026، شهد شاطئ جزيرة “إيل دو كوان” عودة رمزية لأربعة رجال من أبناء أرخبيل تشاغوس، حاملين معهم آمال العودة إلى وطنهم الذي هُجِّروا منه قبل عقود. هذه الرحلة، رغم خطورتها واحتمالية ترحيلهم مجدداً على يد القوات البريطانية، تعكس التركة المعقدة للاستعمار البريطاني في المحيط الهندي، وتحديداً حول جزيرة دييغو غارسيا، التي أصبحت قاعدة عسكرية أمريكية حيوية.

أكد ميسلي ماندارين، أحد العائدين، أن وصولهم لا يهدد القاعدة العسكرية، وأنهم يسعون للتعايش مع وجودها ضمن وطنهم المستعاد. هذه التصريحات تأتي في سياق مفاوضات معقدة تشمل بريطانيا، أرخبيل تشاغوس، ودولة موريشيوس، التي تدعي تاريخياً أحقيتها بالسيادة على الأرخبيل.

نقل السيادة والمعضلات الجديدة

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أقرت بريطانيا العام الماضي قانونياً بادعاءات موريشيوس، وبدأت عملية نقل السيادة. يقضي الاتفاق بمنح حق التوطين للتشاغوسيين الراغبين بالعودة، باستثناء جزيرة دييغو غارسيا، مقابل الحفاظ على حقوق استخدام القاعدة البريطانية الأمريكية لمدة 99 عاماً. هذا الشرط يثير قلق غالبية التشاغوسيين الذين يفضلون العودة إلى وطنهم تحت السيادة البريطانية، رغم دورها التاريخي في تهجيرهم، ويرفضون الانضمام قسراً إلى موريشيوس.

آخر قلاع الغرب.. في الشرق: قصة القاعدة السرية

يعود تاريخ القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا إلى اتفاق سري وقع عام 1966 بين بريطانيا والولايات المتحدة في السفارة الأمريكية بلندن. بهدف إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية، تم تهجير سكان الأرخبيل الأصليين، المعروفين بالتشاغوسيين، والذين كان عددهم يبلغ 2000 نسمة. تم ذلك في مقابل خصم قدمته الولايات المتحدة لبريطانيا على غواصات نووية بقيمة 14 مليون دولار.

فرضت السلطات البريطانية قيوداً على وصول السلع الأساسية، ومنعت عودة من يغادر الجزيرة، بهدف دفع السكان للرحيل. بحلول عام 1971، بدأ الجيش الأمريكي في بناء القاعدة، وتم ترحيل السكان قسراً بين عامي 1971 و1973، حيث تم احتجاز حيواناتهم الأليفة وقتلها أمامهم قبل مغادرتهم. كتعويض متأخر، دفعت الحكومة البريطانية 6000 دولار لكل تشاغوسي، وهو مبلغ اعتبر زهيداً لم يعوض عن تدهور أوضاعهم.

دييغو غارسيا: موقع استراتيجي ذو تاريخ طويل

تقع جزيرة دييغو غارسيا في وسط المحيط الهندي، وقد وطأتها قدماء المستكشفين البرتغاليين الذين أطلقوا عليها اسمها. ظلت الجزيرة غير مأهولة حتى أواخر القرن الثامن عشر، قبل أن يستوطنها فرنسيون قادمون من موريشيوس. بعد الحروب النابليونية، استولى البريطانيون على الجزيرة، وجلبوا معهم عمالاً أفارقة للعمل في مزارع جوز الهند.

في الستينات، ومع أفول عصر الاستعمار، لم تتخل بريطانيا عن هذا الموقع الاستراتيجي، الذي شهد إنشاء مهبط للطائرات خلال الحرب العالمية الثانية. في عام 1965، فصلت لندن جزر تشاغوس عن موريشيوس، ممهدة الطريق لعملية التهجير بالتنسيق مع واشنطن.

تزايدت أهمية القاعدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979، مما عزز القلق الأمريكي من تأثر الملاحة عبر مضيق هرمز. استخدمت القاعدة بكثافة في العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والعراق، وعادت للظهور في العام الماضي خلال التصعيد مع إيران.

الجزيرة القاعدة: تحولات وتوازنات جيوسياسية

في عام 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية حكماً استشارياً لصالح موريشيوس، ما دفع لندن للدخول في مفاوضات أدت إلى توقيع معاهدة تشاغوس في مايو 2025. تقتضي المعاهدة تنازل بريطانيا عن السيادة لموريشيوس، مع ضمان استمرار عمل القاعدة العسكرية.

لم تسلم الصفقة من جدل، حيث أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البداية دعمه، قبل أن يعتبرها “تخلياً بلا سبب”. قرأت لندن هذا الموقف كتكتيك للضغط بشأن دعم بريطانيا لحق غرينلاند في تقرير المصير. تجادل واشنطن بأن السيادة القانونية هي الضمانة الوحيدة لحماية القاعدة من قوانين قد تعيق العمليات العسكرية مستقبلاً.

تعد القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا بنية ضخمة مجهزة بأحدث الأنظمة الدفاعية، وتوفر مرافق اتصالات فضائية، وقدرة استيعابية لحاملات الطائرات، ومدرج طويل لقاذفات القنابل. استُخدمت القاعدة طوال العقود الماضية في العديد من العمليات العسكرية، بما في ذلك حرب الخليج الثانية، وحربي أفغانستان والعراق، وصولاً إلى العمليات الأخيرة ضد الحوثيين في اليمن.

التشاغوسيون غاضبون: معركتهم من أجل تقرير المصير

في خضم المصالح الدولية والصراعات الجيوسياسية، يظل مصير التشاغوسيين وحقوقهم موضع تهميش. يعتبر الكثيرون منهم الاتفاق بين بريطانيا وموريشيوس “نصف انتصار” فقط، نظراً لاستثناء جزيرة دييغو غارسيا، وهو ما يثير استياءهم وعدم رضاهم عن تداول حقهم في تقرير المصير بين الحكومات.

تظل القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا العائق الأكبر أمام عودة شاملة، حيث تضمن الاتفاقية استمرار سيطرة بريطانيا والولايات المتحدة عليها لمدة 99 عاماً. يدرك التشاغوسيون أن وجود القاعدة هو ما جعل جزرهم “عملة مقايضة” دولية، ويطالبون بضمانات بعدم استخدام النشاط العسكري للغرب لمنعهم من بناء مجتمعاتهم في الجزر المجاورة.

مع بدء عودة المجموعات الأولى إلى جزر مثل “بيروس بانوس” في 2026، يبدو أن الباب قد فُتح فعلياً أمام العودة، خاصة بعد صدور حكم قضائي بريطاني يمنع ترحيل السكان مرة أخرى. يواجه الحليفان الغربيان الآن معضلة السيادة والأسلحة النووية، حيث يلتزم اتفاق 2025 بموريشيوس بمعاهدة “بليندابا” لمنطقة خالية من الأسلحة النووية، مما يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن على نشر أسلحتها النووية في القاعدة.

لا تزال واشنطن تسعى للحفاظ على وجودها في دييغو غارسيا، سواء عبر اتفاقيات خاصة مع موريشيوس، أو عبر استغلال ملف التشاغوسيين كذريعة لترسيخ نفوذها. يبقى مستقبل القاعدة مرهوناً بالتوازنات الجيوسياسية، والتعقيدات القانونية التي يضيفها حق تقرير المصير الذي يطالب به سكان تشاغوس.

شارك المقال
اترك تعليقك