تصف إسرائيل، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، الشعب الكردي بأنه “أمة كبيرة” و”حليف طبيعي”، داعية إلى تعزيز العلاقات الدبلوماسية معه. يأتي هذا الموقف، الذي عبر عنه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ليعكس استراتيجية “عقيدة الطوق” التي تفضلها تل أبيب، والتي تقوم على التحالف مع دول وثقافات غير عربية على حدود الدول العربية لتأمين أمنها.
إسرائيل تدعم الأكراد في سياق الحرب على إيران
يدعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدوره فكرة استقلال الأكراد، واصفًا إياهم بأنهم “أمة محاربة” سياسيًا معتدلة وجديرة بإقامة دولة. تتواءم هذه التصريحات مع استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد، خاصة بعد فقدان تحالفاتها مع إيران وتركيا، للسعي نحو تحالفات جديدة مع حركات كردية وتنظيمات درزية.
تأتي محاولة تل أبيب توظيف الورقة الكردية في سياق الحرب الحالية مع إيران، حيث تشير تقارير إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تعمل مع إسرائيل على تسليح التنظيمات الكردية المعارضة في غرب إيران وكردستان العراق لفتح جبهة داخلية ضد طهران.
وقد تواصل دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق، مع عدد من القادة الأكراد في العراق وإيران، بدفع من نتنياهو، لتبني استراتيجيته في إسقاط النظام الإيراني. ورغم تراجع نشاط هذه التحركات مؤقتًا، قد تعود بقوة إذا طال أمد الحرب.
يعزز هذا السيناريو تكثيف الغارات الأمريكية والإسرائيلية في شمال غرب إيران، مستهدفة البنية التحتية العسكرية والأمنية للحرس الثوري الإيراني. يهدف التركيز على هذه المناطق إلى خلخلة السلطة في كردستان إيران وتشجيع تشكيل جبهة كردية تدعم أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل.
قدرات محدودة ورهانات خطيرة
تُقدر قوة الأحزاب الكردية الإيرانية القادرة على الانخراط في مجهود عسكري منظم بما يتراوح بين 5 و8 آلاف مقاتل، يعتمد معظمهم على الأسلحة الخفيفة. هذه القدرات محدودة على فرض سيطرة واسعة، مما يجعل دورهم تكتيكيًا في أفضل الأحوال.
أما بالنسبة للتحديات البنيوية، فإن التركيبة العرقية المتعددة داخل إيران تجعل من دعم الأكراد عسكريًا “قنبلة موقوتة” قد تؤدي إلى تصاعد نزعات انفصالية لدى أقليات أخرى، مما يهدد بزعزعة استقرار أوسع يؤثر على المنطقة.
كما تعاني النخب والتنظيمات الكردية من انقسامات داخلية وضعف قدراتها العسكرية مقارنة بالدولة الإيرانية، ما يجعل مهمتها المرجوة بعيدة المنال دون دعم عسكري ولوجستي موسع.
يُضاف إلى ذلك، قلق تركيا البالغ من أي تحرك كردي واسع في المنطقة، خشية امتداد آثاره إلى جنوب شرق تركيا. وتنظر أنقرة إلى تحركات التنظيمات الكردية كتهديد مباشر لاستقرارها.
تمارس إيران وتركيا ضغوطًا على الحكومة العراقية لتقييد تحركات الأكراد، مع توقيع اتفاقيات أمنية لمواجهة التنظيمات الكردية المسلحة. وتُظهر ضربات إيران لمعسكرات كردية داخل العراق، وحتى مواقع تابعة لقوات البشمركة، جديتها في هذا الصدد.
التنظيمات الكردية.. تضارب الأيديولوجيا
يكمن تعقيد التعامل الأمريكي مع الملف الكردي في عدم إدراك واشنطن، أو ربما عدم رغبتها في أخذ ذلك في الاعتبار، لتفاصيل المشهد الكردي الإيراني المتسم بالتعددية. يضم هذا المشهد أحزابًا سياسية ذات تاريخ طويل، وتنظيمات مسلحة، وشبكات مجتمع مدني نشطة، يعود إرثها إلى القرن العشرين.
يُعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، الذي تأسس عام 1945، أقدم التنظيمات. وعلى الرغم من الانقسامات التي تعرض لها، عاد للاندماج مؤخرًا، ويمتلك حضورًا واسعًا.
برزت أيضًا جمعية كادحي كردستان إيران “كومَله”، التي تمزج بين الخطاب القومي الكردي والرؤية اليسارية. وفي العقدين الأخيرين، نشأت تنظيمات مسلحة أكثر ارتباطًا بالحركات الإقليمية، مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، الامتداد الإيراني لحزب العمال الكردستاني.
تضم إيران أقلية كبيرة من الأكراد الشيعة، ويتركز وجودهم في محافظتي كرمانشاه وإيلام، مما أثّر على ارتباطهم بالدولة المركزية وضعف انخراطهم في الحركات القومية الكردية التي غلب عليها المكوّن السني.
شهدت كردستان إيران، خلال موجة الاحتجاجات عام 2022، تحول مناطقها إلى مراكز تعبئة سياسية واجتماعية ضد النظام، مما أعاد تسليط الضوء على المسألة الكردية كملف حساس.
ورقة الأكراد.. من السوفيات إلى صدام
ارتبطت الحركة الكردية في إيران منذ نشأتها بتفاعلات القوى الكبرى. كان الاتحاد السوفياتي مرجعيتها في القرن العشرين، حيث وفر البيئة السياسية لظهور جمهورية مهاباد عام 1946.
لكن مع انسحاب السوفيات، انهار مشروع جمهورية مهاباد. وعلى الرغم من اتصالات قادة كرديين بمسؤولين سوفيات، تعاملت موسكو بمنطق براغماتي، ضاغطة نحو صيغة حكم ذاتي.
مع قرب انهيار الاتحاد السوفياتي، تراجع التأثير الروسي المباشر، واقتصر دور موسكو على مراقبة التحركات الكردية ضمن سياق التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة.
في المقابل، تتابع واشنطن الحراك الكردي في إيران ضمن سياق الحرب الباردة، مع قلق من احتمال وقوع الحركة الكردية تحت النفوذ الشيوعي. لكن المساعي لطلب الدعم الأمريكي لم تسفر عن دعم ملموس، حيث ركزت واشنطن على تثبيت حكم الشاه.
من جانبه، لعب نظام صدام حسين في العراق دورًا في دعم التنظيمات الكردية الإيرانية، ووظفها ضمن صراعه مع طهران.
لكن مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية، بدأ توجس صدام من الحراك الكردي، متهماً القوى الكردية بالتعاون مع طهران، مما أدى إلى شن عملية الأنفال والهجمات الكيميائية، بهدف ترسيخ سلطته وتذويب الهوية الكردية.
كردستان وواشنطن
انتقال الأحزاب الكردية الإيرانية إلى إقليم كردستان العراق جاء نتيجة ضغوط عسكرية وسياسية من النظام الإيراني بعد نهاية حربه مع العراق، حيث كثفت إيران عملياتها لتقويض نشاط التنظيمات الكردية.
تزامن هذا الانتقال مع انتفاضة 1991 في كردستان العراق، حيث تجنبت قيادة الإقليم الناشئ أي ذريعة لتدخل طهران العسكري، مما دفع الأحزاب الكردية الإيرانية إلى تقليص نشاطها العسكري والتحول نحو العمل السياسي.
لم يمنع ذلك من انفجار الصراعات، حيث نفذت القوات الإيرانية عملية عسكرية داخل كردستان العراق عام 1996، وأجبرت الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني على وقف العمليات المسلحة عبر الحدود.
وشملت استراتيجية النظام الإيراني ملاحقة القيادات السياسية في الخارج، من أبرزها اغتيال عبد الرحمن قاسملو وصادق شرفكندي، مما استنزف قدرات الأحزاب التنظيمية.
تحت وطأة الضغوط، تحولت الحركة الكردية تدريجيًا من العمل المسلح إلى العمل المدني والسياسي، خاصة مع صعود التيار الإصلاحي في عهد الرئيس خاتمي.
لكن مع وصول أحمدي نجاد، عادت المقاربة الأمنية الصارمة، مما دفع بعض الأحزاب الكردية إلى إعادة تنشيط العمل المسلح.
عملت التنظيمات الكردية على الانخراط في الحركات الاحتجاجية داخل إيران، وأدت دورًا أكثر تنظيمًا في معارضة النظام من الداخل.
في أتون الحرب
في فبراير/شباط الماضي، أعلنت 5 تنظيمات كردية معارضة تشكيل “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”، بهدف الانخراط في مواجهات مع قوات النظام الإيراني.
رغم الأجندة اليسارية للائتلاف، لم يقاوم أعضاؤه فرص الانفتاح على الولايات المتحدة، طمسًا للتناقضات الداخلية.
ظهرت هذه التناقضات في الصدام العلني بين الائتلاف الكردي ورضا بهلوي، نجل الشاه، الذي اتهم الائتلاف بزعزعة وحدة إيران.
تواصل الولايات المتحدة مع القادة الأكراد دون تنسيق شامل، ظلًا لذاكرة مريرة للحركات الكردية مع وعود واشنطن.
يجعل هذا الإرث التاريخي الأكراد متحفظين في رهاناتهم، خاصة في ظل التماسك الواضح للنظام الإيراني.