حين اقترب الأفغان من قتل الإسكندر الأكبر

فريق التحرير

لطالما اشتهرت أفغانستان بكونها “مقبرة الإمبراطوريات”، ليس لأنها دمرت الجيوش في ضربة واحدة، بل لاستنزافها قوى عظمى لا حصر لها. في هذا البلد الذي تتشابك فيه الجبال الوعرة مع مجتمع عنيد، تحول الشعب الأفغاني عبر الزمن إلى خصم لا يُقهر. غزوات الإسكندر الأكبر، والبريطانيين، والسوفيات، وصولًا إلى الأمريكيين، جميعهم خرجوا بقناعة واحدة: هزيمة الإسكندر الأكبر في معركة غوغميلا عام 331 ق.م. كان انتصارًا حاسمًا ضد داريوس الثالث، آخر ملوك الإمبراطورية الفارسية الأخمينية. هذا النصر فتح للإسكندر أبواب السيطرة على غرب ووسط الإمبراطورية الفارسية، لكن طموحاته لم تتوقف عند هذا الحد، إذ ظلت الأقاليم الشرقية، بما في ذلك أفغانستان، خارج قبضته.

الإسكندر في أرض الأفغان

لم تقتصر رؤية الإسكندر على مجرد التتويج ملكًا على بلاد فارس، بل اعتبر نفسه “سيد آسيا”. كان إخضاع الأقاليم الشرقية، خاصة باكتريا (شمال أفغانستان) وسغديانا (أوزبكستان وطاجيكستان)، ضرورة عسكرية وسياسية. واجه الإسكندر في هذه المناطق تحديات لوجستية هائلة بسبب تضاريسها الجبلية القاسية وصحاريها الواسعة، وبُعدها عن مراكز الإمداد.

خلال فترة وجوده في أفغانستان، تحولت حملة الإسكندر من غزو سريع إلى حرب استنزاف طويلة. واجه مقاومة محلية عنيدة تحصنت في الجغرافيا، مما هدد مشروعه الإمبراطوري. استغرقت جهوده لإخضاع المقاومة في ولايات النظام الفارسي السابق ما يقرب من ثلاث سنوات شاقة.

في أعقاب معركة غوغميلا، قامت قوات الإسكندر بحرق ونهب برسبوليس، العاصمة الفارسية، كرسالة سياسية عن انتقال السلطة. استولت القوات على ثروة هائلة، لكن هدف الإسكندر الأساسي كان القبض على الملك الفار المنهزم داريوس الثالث. هذا ما كان سيمنح الإسكندر مكاسب سياسية حاسمة، أهمها شرعنة حكمه.

في يوليو 330 ق.م، وبعد مطاردة استمرت عامًا، وصل الإسكندر متأخرًا ليجد أن داريوس قد قُتل على يد والي باكتريا، بيسوس. أمر الإسكندر بنقل جثمان داريوس إلى برسبوليس لإقامة جنازة ملكية.

أجرى الإسكندر إعادة هيكلة لجيشه، معتبرًا أن حملته ضد الإمبراطورية الفارسية قد اكتملت. ثم بدأ حملات في شرق إيران وأفغانستان لقمع بؤر المقاومة المحلية ضد الوجود المقدوني.

أدت مقاومة غرب أفغانستان إلى تحدٍ علني لنظام الإسكندر السياسي الجديد. ومع أن الهيمنة العسكرية المقدونية كانت كافية ظاهريًا لإخضاع معظم شعوب الإمبراطورية الفارسية، إلا أن صغر حجم الحاميات المقدونية جعلها عرضة للانهيار السريع خلال الانتفاضات.

واجه الإسكندر صعوبات لوجستية عند التقدم شرقًا. أمر بحرق الأمتعة الزائدة لتسريع الحركة لمواجهة المقاومة الأفغانية والفارسية المتزايدة. سار الجيش على طول الطريق الملكي الفارسي القديم.

وردت أنباء للإسكندر بانقلاب والٍ فارسي أبقاه في منصبه، ساتيبارزانيس، الذي أباد القوة المقدونية المرافقة له ودعا إلى انتفاضة عامة. اتخذ من مدينة أرتاكونا القديمة مركزًا لقواته، محولًا الحملة من مطاردة سياسية إلى حرب استنزاف مكلفة.

المستنقع الأفغاني

هشاشة الوضع الأمني في أفغانستان ووسط آسيا كانت واضحة، حيث كانت هذه المناطق في حالة مقاومة مستمرة حتى للسيطرة الفارسية. اعتبر المقدونيون احتلالاً جديدًا لا يختلف عن سابقيه. صغر حجم الحاميات المقدونية جعلها عرضة للانهيار السريع أثناء الانتفاضات.

تحرك الإسكندر بقوة لقطع مسافة طويلة نحو أرتاكونا في غضون يومين. انسحب الثائر ساتيبارزانيس مع ألفي فارس للانضمام إلى بيسوس في بلخ، شمال أفغانستان. لجأ العديد من سكان آريا (غرب أفغانستان) إلى حصن طبيعي شديد المناعة.

أسند الإسكندر مهمة حصار الحصن إلى قائده كراتيروس، بينما واصل هو التقدم نحو عاصمة الإقليم. فشلت محاولات اقتحام الحصن بسبب المنحدرات الصخرية الحادة. أثناء محاولة إنشاء منحدر اصطناعي، اندلع حريق أسفر عن مقتل عدد كبير من اللاجئين داخل الحصن.

على مدى أسابيع، شن الإسكندر حملة واسعة لإخضاع إقليم آريا، معتمدًا على الطريق الملكي الفارسي القديم. قسّم قواته لملاحقة المقاومين، وأعدم قادتهم. استسلمت آخر معاقلهم عند وصول أبراج الحصار.

أسس الإسكندر مدينة “الإسكندرية الآريونية” لتنشئة جيل أفغاني وإيراني متشبّع بالثقافة اليونانية-المقدونية، وجاهز للخدمة العسكرية. عيّن واليًا فارسيًا على غرب أفغانستان في محاولة لإعادة ضبط الاستقرار الإداري والأمني.

اضطر الإسكندر للتوجه جنوبًا لمواجهة مقاومة جديدة في أراكوزيا (قندهار) بقيادة والٍ آخر شارك في قتل داريوس الثالث. فر هذا الوالي إلى الهند، ودخل المقدونيون عاصمة الإقليم، فرادة، في غضون تسعة أيام.

اتسمت هذه المرحلة بعنف بالغ، حيث اعتمدت الحرب على الاستئصال المنهجي، والتهجير القسري، والغارات الليلية. رغم صغر حجم الحصون الأفغانية، إلا أنها قاومت بشدة، دون أن تؤدي حملات الإسكندر إلى مكاسب مجدية باستثناء ارتفاع التكلفة البشرية والمالية.

سقطت مدن في باكتريا وسغديانا بعد مقاومة عنيفة. كانت مدينة كيروبوليس، في سغديانا، الأكثر صمودًا. أثار استمرار مقاومتها غضب الإسكندر، فأمر باقتحامها وتدميرها وارتكب مذبحة بحق سكانها.

خلال هذه المعارك، أصيب الإسكندر إصابة خطيرة كادت أن تودي بحياته. أدت هذه الحرب إلى تحولات عميقة في شخصيته وسلوكه القيادي، بما في ذلك تفاقم إدمانه على الشراب والميل إلى التفكير الغيبي.

واجه الإسكندر اختبارًا عسكريًا خطيرًا عند صدامه مع قبائل السكيثيين. أرسلت قبائل السكيثيين خطابًا ساخرًا ينتقص من طموحات الإسكندر، لكنه قرر مهاجمتهم وتدميرهم.

تظاهر الإسكندر بالقبول، ثم شرع في عبور نهر سيحون. تمكنت القوات المقدونية من دفع قوات السكيثيين إلى التراجع. أدار الإسكندر المعركة بمنطق الاستدراج المخطط له، مما أسفر عن هزيمة السكيثيين.

نهاية أحلام الإسكندر في أفغانستان

لم يُترجم نجاح الإسكندر المقدوني إلى استقرار دائم. اندلعت أزمة جديدة في سمرقند، حيث حاصر أحد الزعماء المحليين، سبيتامنس، الحامية المقدونية. أُبيدت قوة إغاثة محدودة في كمين محكم، مما كشف خطورة حروب العصابات.

أثار هذا الفشل غضب الإسكندر، الذي قاد حملة عقابية سريعة. اكتفى بإقامة مراسم لجنوده القتلى، وقضى شتاء عام 328 ق.م في بلخ. استمرت أساليب المقاومة المحلية في الاعتماد على الكر والفر، مما استنزف القوات المقدونية.

أعاد الإسكندر توزيع قواته، ترك جزءًا لتأمين شمال أفغانستان، ودفع بأرتال عبر جبال بامير. رغم جهوده، استعصت عليه بعض القلاع، مثل حصن “صخرة صغديا”.

حاول الإسكندر إخضاع هذه المناطق بالأساليب الدبلوماسية، ولكن بعد فشل التفاوض، لجأ إلى وسائل غير تقليدية. أعقب ذلك قمع واسع شمل قتل القيادات واسترقاق السكان.

واصل الوالي سبيتامنس المقاومة بدعم من قبائل السكيثيين، كاشفًا عن هشاشة السيطرة المقدونية خارج المدن الكبرى. رغم مقتل سبيتامنس، دلت الأحداث على أن إخضاع أفغانستان لم يكن فتحًا خاطفًا، بل صراعًا طويل الأمد.

اضطر الإسكندر في النهاية إلى الزواج من روكسانا، ابنة الزعيم الباختري أوكسيارتيس، في محاولة لتثبيت الولاءات. اعترف ضمنيًا بأن القوة العسكرية وحدها لا تضمن استقرار الإمبراطورية في تلك المنطقة.

كانت السيطرة المقدونية سطحية؛ فبعد وفاة الإسكندر عام 323 ق.م، انفلتت أفغانستان من عقالها. يتساءل الباحثون عما إذا كان هذا النزيف الهائل الذي دفعه الإسكندر ثمنًا مبررًا للنصر المقدوني.

خلفت حملة الإسكندر آلاف القتلى من الجنود والسكان المحليين، وارتبطت بمذابح صريحة. كانت الحملة انتصارًا تم بغلبة، لكن بكلفة فاقت فائدتها.

أثبتت أفغانستان تاريخيًا، منذ الإسكندر وحتى حلف الناتو، أنها -بجغرافيتها الوعرة، وسكانها الشجعان، ومقاومتها التي لم تخمد- كانت ولا تزال واحدة من أعصى الأمم على الخضوع العسكري.

شارك المقال
اترك تعليقك