حرب “المستضعفين” ضد “المستكبرين”.. أصول العداء الإيراني لأمريكا وإسرائيل | سياسة

فريق التحرير

يُعد مجتبى ميرلوحي، المعروف باسم نواب صفوي، شخصية محورية في تحول الحركات الإسلامية الإيرانية، حيث مثل نقطة تحول من التشيع التقليدي إلى ما يُعرف بالتشيع الثوري الجهادي. في عام 1946، اتخذت جماعة “فدائيو الإسلام” التي أسسها صفوي خطوات جريئة، بما في ذلك اغتيال المفكر الإيراني أحمد كسروي، كرمز لمعارضة العلمانية. وشكلت أفكار صفوي، المتأثرة بالتيارات الإسلامية السنية، وخاصة أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، والواقع السياسي في فلسطين، أساساً لمفهومه عن “الجامعة الإسلامية”.

نواب صفوي: قصة نضال وجهاد

لم تكن أفكار نواب صفوي عن الجهاد المسلح وليدة فراغ، بل نبعت من تلاقح فكري عبر المذاهب، تأثر فيه بالتيارات الإسلامية السنية الحركية، وبواقع فلسطين المؤلم. اعتبر صفوي أن جماعة الإخوان المسلمين هم “مجددون حقيقيون” قادرون على النهوض بالأمة، ووجد فيهم ضالته الفكرية. تجاوز صفوي الطائفية نحو رؤية “الجامعة الإسلامية”، مؤمناً بضرورة إقامة الحكومة الإسلامية ومقارعة الغرب كواجب ديني.

بدأت جماعة “فدائيو الإسلام” نشاطها في إيران باغتيال المفكر العلماني أحمد كسروي عام 1946. ولم تتردد الجماعة في التورط باغتيال رئيس الوزراء الإيراني رزم آرا عام 1951، بسبب معارضته لتأميم النفط، مما اعتبره صفوي وجماعته “واجباً شرعياً” لقطع يد الاستعمار البريطاني. يذكر هذا السلوك بعملية اغتيال وزير المالية المصري أمين عثمان عام 1944، الذي عارضت مجموعته تصريحاته عن علاقة مصر ببريطانيا.

كانت نكبة فلسطين عام 1948 الشرارة التي فجرت “الطاقة الجهادية” لدى صفوي، وحوّلت مسار الصراع من الداخل الإيراني إلى “الجهاد المقدس” ضد الصهيونية والغرب. ففي أعقاب تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلي، عقد صفوي تجمعاً حاشداً في طهران لفتح باب التطوع للجهاد في فلسطين، مسجلاً 5 آلاف متطوع. ولم يكتفِ بالشعارات، بل طالب الحكومة الإيرانية رسمياً بالسماح له وللمتطوعين بالسفر، وهو ما رفضته حكومة الشاه.

أدت نكبة فلسطين دوراً محورياً في أفكار الإخوان المسلمين أيضاً، مما قد يكون أسهم في نشوء رابطة روحية بين “فدائيي الإسلام” والإخوان، تجاوزت الخلاف المذهبي نحو وحدة الهدف السياسي “الجهادي” ضد الاستعمار الغربي. وتوج هذا التأثر بزيارة صفوي لمصر عام 1953، حيث التقى بقيادات الجماعة، وفي مقدمتهم سيد قطب، إضافة إلى رئيسي مصر السابقين محمد نجيب وجمال عبد الناصر.

نواب صفوي مع محمد نجيب (يمين) وجمال عبد الناصر عام 1953 (وكالة الأنباء الإيرانية)

خلال زيارته، ألقى صفوي كلمات حماسية في جامعة القاهرة والأزهر، دعا فيها إلى تأميم قناة السويس وتطبيق الشريعة. كما زار القدس، التي كانت تحت الإدارة الأردنية آنذاك، والتقى تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير، وشارك في مؤتمر إسلامي، حيث ألقى خطابات باللغة العربية تدعو لتحرير القدس والثورة ضد الحكومات الموالية للغرب، مما أدهش الحاضرين بجرأته.

أسس صفوي بذلك مدرسة “الجهادية الشيعية”، التي تقوم على الصدام المباشر مع الغرب وأدواته المحلية. تمثلت الأصول النظرية والعملية لهذه المدرسة في عدة نقاط: أولها، رفض الهيمنة الغربية، حيث اعتبر صفوي الغرب، متمثلاً في بريطانيا وأمريكا وروسيا، العدو الأول للإسلام. وقد تجلى ذلك في معارضته الشرسة لحلف بغداد عام 1955، الذي اعتبره أداة استعمارية لربط إيران بالعجلة الغربية، حتى إنه حاول أحد أعضاء “فدائيي الإسلام” اغتيال رئيس الوزراء حسين علاء لمنعه من توقيع المعاهدة.

نواب صفوي أسس المدرسة
نواب صفوي أسس المدرسة “الجهادية الشيعية” التي تقوم على الصدام المباشر مع الغرب وأدواته المحلية (الصحافة الإيرانية)

المعلم الثاني والأكثر عملية في تجربة صفوي هو الاعتماد على التصفية الجسدية، أو ما أطلق عليه “الاغتيال المقدس”. فخلافاً للمرجعية التقليدية، شرعن صفوي الاغتيال السياسي كأداة ثورية “جهادية”، وأسس جماعته على مبدأ الفداء والتخلص من رؤوس الفساد. أما الأصل الثالث، فهو مسألة الحكومة الإسلامية، حيث سبق صفوي الخميني في طرح فكرة الحكومة الإسلامية ببرنامج مفصل. في كتابه “برنامج فدائيي الإسلام”، طرح صفوي رؤية شاملة لمجتمع يُحكم بالشريعة، رافضاً القوانين الوضعية المستوردة من الغرب، ومطالباً بتطهير المجتمع من المظاهر الغربية مثل السفور، والخمور، والسينما “الماجنة”.

نتيجة لأفكاره، دخل صفوي في صدام مع مرجعية قم، متمثلة في آية الله البروجردي، الذي اعتبر صفوي “شاباً متهوراً ينقصه التعمق في الدين” وعارض نهجه المسلح. عندما تم القبض على صفوي وحكم عليه بالإعدام، رفض البروجردي التوسط لدى الشاه لتخفيف الحكم، وهو ما اعتبرته الجماعة “خذلاناً” أدى إلى إعدام صفوي عام 1956.

ورغم انتهاء حركة نواب صفوي تنظيمياً بإعدامه، إلا أنها مهدت الطريق للثورة الإسلامية في إيران. فقد اعتبرته العديد من التيارات الإسلامية الإيرانية اللاحقة “مجاهداً رائداً”. وأعلن الخميني لاحقاً تبنيه لنفس المنطلقات التي نادى بها صفوي، وعلى رأسها “الحكومة الإسلامية” و”مقارعة الاستكبار” (الغرب)، وأعاد التأكيد على “فلسطين كقضية مركزية”.

تحليلياً، يمكن القول إن الخميني في تلك الفترة كان “قلبه مع نواب صفوي” ومع الثورة والجهاد ضد “الغرب”، لكن “عقله كان مع البروجردي” احتراماً لتراتبية الحوزة ووحدة الصف الشيعي. ومع وفاة البروجردي وصعود نجم الخميني، انفجرت “البذرة الجهادية” التي زرعها صفوي، لتتحول إلى ثورة شاملة عام 1979.

ماذا بعد؟ يثير إرث نواب صفوي تساؤلات حول استمرارية وتطور الفكر الجهادي في الحركات الإسلامية المعاصرة. يتوقع المراقبون استمرار الأبحاث حول تأثيره وتجلياته في الخطاب السياسي والتعبئة الشعبية، مع التركيز على التحديات المستقبلية المتعلقة بالتوفيق بين الأيدولوجيا الجهادية والواقع الإقليمي والدولي المتغير.

شارك المقال
اترك تعليقك