“الهالاخاه” و”الدارما”.. تاريخ “الغرام” الأيديولوجي بين الهند وإسرائيل

فريق التحرير

يشهد العالم اليوم تحالفات استراتيجية متنامية تشكل مستقبل العلاقات الدولية، ومن أبرز هذه التحالفات التقارب بين الهند وإسرائيل، وهو ما يعكس تحولات جيوسياسية وأيديولوجية عميقة. يعمق هذا التعاون، الذي يتجاوز المصالح الاقتصادية والأمنية ليشمل أبعاداً ثقافية وسياسية، منسوجات تحالف الشرق الأوسط الجديد، ويشير إلى تحولات كبيرة في النظام العالمي.

التقارب الهندوسي-الإسرائيلي: شراكة استراتيجية

يُعد التقارب المتزايد بين الهند وإسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أحد أبرز ملامح الجغرافيا السياسية المعاصرة. تمثلت هذه الشراكة في زيارة مودي الأخيرة إلى إسرائيل، حيث ألقى كلمة أمام الكنيست قبيل شن هجمات جوية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة على إيران. لم تكن هذه الزيارة مجرد لقاء سياسي، بل كانت تتويجاً لعلاقات استراتيجية عميقة اتسمت بالنمو والتطور في السنوات الأخيرة.

تحت قيادة مودي، برزت الهند كأكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي في العالم، مع تزايد التعاون في تصنيع الصواريخ والطائرات بدون طيار وتكنولوجيا التجسس. امتد هذا التعاون الصناعي العسكري والأمني إلى ما هو أبعد من مجرد استيراد وتصدير، حيث أصبحت الهند شريكاً رئيسياً في إنتاج المعدات العسكرية، مما وفر لإسرائيل مخرجاً قانونياً وسياسياً لتصنيع مكونات بتكنولوجيا إسرائيلية بتكاليف أقل، بعيداً عن القيود التي قد تفرضها الدول الغربية.

التكامل التكنولوجي والعسكري

أظهرت الحرب المدمرة على قطاع غزة كيف لعبت الهند دوراً حاسماً في دعم سلاسل التوريد الإسرائيلية. فبينما واجهت إسرائيل تباطؤاً في سلاسل التوريد الأوروبية، ظلت القنوات الهندية مفتوحة لتزويدها بالمكونات الحيوية للطائرات بدون طيار، وأنظمة الدفاع الدقيقة، ومواد الدفع للصواريخ. أصبحت هذه المكونات الهندية جزءاً لا يتجزأ من “سلسلة القتل الرقمي” الإسرائيلية، مع دمجها في أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة لتحديد الأهداف بدقة فائقة.

على الجانب الآخر، استفادت الهند من برمجيات التجسس الإسرائيلية المتقدمة في مراقبة المعارضين السياسيين، بما في ذلك قادة المعارضة ونشطاء حقوق الإنسان. كما امتد التعاون إلى تطوير قاعدة بيانات سكانية في كشمير، بالاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجال “الإغلاق الرقمي” ومراقبة المحتوى عبر الإنترنت.

مبادرة “I2U2” والرؤية المشتركة

جاءت مبادرة غرب آسيا “I2U2” في عام 2022، والتي تضم الهند وإسرائيل والولايات المتحدة والإمارات، لتعزيز هذا التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، وربط الهند بمنظومة أمنية واقتصادية متنامية في الشرق الأوسط. تهدف هذه المبادرة إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا، مما يعكس رؤية مشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

بالإضافة إلى التعاون العسكري والتكنولوجي، تتشارك الهند وإسرائيل في رؤى أيديولوجية وسياسية متشابهة، تتمحور حول مفهوم “الدولة الحضارية” التي تعتمد على الهوية الدينية والثقافية كأساس لها. يجد رئيس الوزراء مودي، في الخطاب السياسي الإسرائيلي، صدى لرؤيته حول “الهندوتفا” – أيديولوجية القومية الهندوسية – كإطار جامع للهوية الوطنية.

“اليهود الجدد” والهجرة إلى إسرائيل

تتجلى الأبعاد الدينية والروحية لهذا التقارب في الجهود المبذولة لتهويد قبائل “بني ميناشيه” في شمال شرق الهند وتوطينها في إسرائيل. منظمة “شافي إسرائيل” الإسرائيلية، بالتعاون مع السلطات الهندية، تعمل على تسهيل هجرة هذه القبائل، التي تزعم أنها من نسل بني إسرائيل الضائعين. تسعى إسرائيل إلى تعزيز تجمعات يهودية جديدة في مناطق استراتيجية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

يُشكل هذا التقارب بين رؤيتين قوميتين دينيتين – الهندوتفا والصهيونية – نموذجاً لظاهرة “الدول الحضارية” التي تسعى إلى تأسيس هويتها على أسس دينية وثقافية عميقة. بينما تواصل إسرائيل مسيرتها في تعزيز هويتها اليهودية، تسعى الهند، تحت قيادة مودي، إلى بناء “دولة هندوسية” تعكس التوجهات الدينية والثقافية للأغلبية الهندوسية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العلمانية والتعددية في كلا البلدين.

تحديات مستقبلية

على الرغم من هذه الشراكة المتنامية، تواجه العلاقة بين الهند وإسرائيل تحديات كبيرة، بما في ذلك التوقعات المتباينة بشأن الدور الإقليمي لكل منهما، والتوازنات السياسية الدقيقة في منطقة الشرق الأوسط. كما أن التحولات الداخلية في كل من الهند وإسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالدين والسياسة، قد تلقي بظلالها على مستقبل هذه العلاقة. يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التقارب سيقود إلى استقرار إقليمي ودولي، أم أنه سيزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي العالمي.

شارك المقال
اترك تعليقك