العملية “لينكس”.. كيف يحاول الأوروبيون “صيد” الروس في قلب أوكرانيا؟

فريق التحرير

تزايد القلق من التهديدات النووية الروسية وسط تحولات استراتيجية في الحرب الأوكرانية

تزامنًا مع تصاعد التكهنات حول التفكير الاستراتيجي في موسكو، تصدرت التصريحات التي أدلى بها سيرغي كاراغانوف، الرئيس الفخري لمجلس السياسة الخارجية والدفاعية الروسي، المشهد السياسي والدولي. في مقابلة حديثة، قدم كاراغانوف سيناريو تصعيد بالغ الخطورة، محذرًا من احتمال لجوء روسيا إلى الخيار النووي إذا شعرت بأنها تقترب من الهزيمة في حربها ضد أوكرانيا. وأشار إلى أن هذا التصعيد قد يستهدف النخب الأوروبية لدفعها نحو “العودة إلى جادة الصواب” خلال عام أو عامين، محددًا ألمانيا والمملكة المتحدة وبولندا كدول محتملة ضمن دائرة التهديد.

هذا الخطاب، وإن لم يكن جديدًا كرسالة ردع، تميز هذه المرة بمستوى من التفصيل والحدة غير المعتادين. أثارت هذه التصريحات تساؤلات مقلقة حول ما إذا كانت مجرد مناورة ردعية محسوبة أم مؤشرًا على أن الخطوات المتخذة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها قد تمس ما تعتبره موسكو “خطوطًا حمراء”.

“الوشق” الألماني في أوكرانيا: تعزيز القدرات المستدامة

في خطوة تعكس تحولًا في الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، أعلنت شركة راينميتال الألمانية عن تسليم خمس مركبات مشاة قتالية من طراز “لينكس كيه إف 41” (Lynx KF41) إلى كييف. هذه المركبات، المعروفة بتصميمها المرن والقابل للتكيف مع مختلف سيناريوهات المعركة، تمثل قفزة في فلسفة التصميم، إذ تتيح إمكانية تبديل التدريع والتجهيزات بسرعة. يكمن تميز “الوشق” في منصتها الرقمية المحدثة وبرج “لانس” ثنائي الطاقم، والذي يعزز قدرتها على الاستطلاع والاشتباك السريع، ويقلل زمن رد الفعل تحت النار.

تأتي هذه الصفقة بعد اختبارات ميدانية أجرتها أوكرانيا بنفسها، مما يجعل القرار المبني على اختبار عملي. وتتجه الأعين نحو إمكانية التصنيع المحلي لهذه المركبات مستقبلًا، مما يشير إلى انتقال الدعم الغربي نحو بناء قدرات مستدامة لأوكرانيا، وليس مجرد تزويد بالسلاح.

المسيرات في سماء التشويش: سباق التحديث والتصنيع

في ظل الحرب المعقدة، برزت المسيرات كأحد العوامل الحاسمة. نجحت كييف في توظيف مسيرات أكثر ذكاءً وقدرة على مقاومة التشويش، مع التركيز على تقنيات “التوجيه الطرفي” (Terminal Guidance) التي تعتمد على الرؤية الحاسوبية في المراحل الأخيرة للتعامل مع التشويش. وتشمل هذه الجهود عقودًا لتعزيز قدرات المسيرات بـ 33 ألف عدة توجيه مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى جهود أوكرانية محلية لتصميم أنظمة توجيه متقدمة.

يمثل هذا التحول نحو المسيرات، بأنظمتها وتقنياتها المتطورة، نقلة نوعية في الحرب، حيث أصبحت المنافسة تدور حول الشيفرات والتحديثات المستمرة، بدلًا من الصدام التقليدي للقذائف والدروع. وتتسابق الدول على تطوير وسائل التشويش واستراتيجيات المقاومة، مما يجعل الحرب أشبه بدورة مغلقة من التحديثات لا متناهية.

خلف خطوط الجبهة: استهداف العمق الروسي

شهدت الحرب مؤخرًا تكثيفًا للضربات الأوكرانية خلف خطوط الجبهة الروسية، مستهدفة البنية الداعمة للمجهود الحربي، وخاصة قطاعات الطاقة والوقود. يأتي ذلك بالتزامن مع استخدام صواريخ بعيدة المدى، مثل “ستون شادو” و”أتكامز”، لضرب منشآت نفط وغاز روسية، مما يعكس استراتيجية تهدف إلى تقليص المخزون الروسي وتعقيد لوجستيات الإمداد.

يعكس هذا التحول نحو استهداف العمق الروسي، مدعومًا بمشاريع تطوير صواريخ باليستية أرضية، رغبة في بناء قدرة ضرب مستدامة، مع تزايد التلميحات الغربية بعدم فرض قيود على مدى الأسلحة الموردة لأوكرانيا، مما يشير إلى دمج منطق “العمق” في استراتيجية الغرب لإجبار روسيا على دفع كلفة أعلى.

حلول هجينة ودفاع جوي طبقي: تكتيكات مستحدثة

في مواجهة الهجمات المتكررة بالمسيرات والصواريخ الروسية، تتبنى أوكرانيا نموذج “الدفاع الجوي الطبقي”. يهدف هذا النموذج إلى توزيع الأدوار، حيث تخصص الأنظمة الأكثر تكلفة وقوة للأهداف الأخطر، بينما تتعامل الطبقات الأقرب والأرخص مع المسيرات وصواريخ كروز.

برز برنامج “فرانكن سام” كمثال عملي لهذه الحلول الهجينة، حيث يجمع بين صواريخ غربية ومنصات إطلاق سوفياتية قديمة لسد فجوات الدفاع الجوي. يسعى هذا البرنامج إلى توسيع قاعدة الاعتراض بالاعتماد على القدرات المتاحة، مع إمكانية توطين هذه الاستراتيجيات محليًا.

الرد الروسي: استنزاف وتحصين

تراقب روسيا هذه التطورات عن كثب، وتتخذ إجراءات لمواجهتها. بدلًا من الاكتفاء بالدفاع، تراهن موسكو على استنزاف الدفاعات الأوكرانية عبر موجات مكثفة من المسيرات والصواريخ، خاصة مسيرات “شاهد” الإيرانية، مع تطوير نسخ أسرع لتضييق زمن رد الفعل.

تعديل آخر يشمل نقل الأصول عالية القيمة إلى الخلف، وإحاطتها بحرب إلكترونية، بالإضافة إلى مضاعفة التحصينات والدفاعات الميدانية. كما تتوسع روسيا في تشغيل مسيرات منظور الشخص الأول (FPV) التي تعمل بالألياف الضوئية، كوسيلة لتجاوز التشويش، على الرغم من التحديات اللوجستية التي تنطوي عليها.

ماذا بعد؟

تبرز المعالم لحرب مستمرة وطويلة، تتسم بالاشتباكات البرية الموضعية، وحرب يومية في الأجواء، وسباق صناعي محموم. تبدو روسيا وكأنها تعيد ضبط استراتيجيتها للدخول في “حرب أبدية”، بينما يواصل الغرب دعم كييف خوفًا من امتداد التوغل الروسي. توفر الحرب للغرب فرصة لرصد التطورات العسكرية الروسية، واستنزاف موسكو، واختبار حدود الكرملين، بما في ذلك مدى استعداده للتصعيد النووي. في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم هو كيف ستتطور استراتيجيات الدفاع والهجوم، وما هي العوامل التي ستحدد مسار هذه الحرب المعقدة.

شارك المقال
اترك تعليقك