“بالنسبة للعديد من الإنجيليين في الولايات المتحدة، فإن حروب الشرق الأوسط ليست إلا جزءا من رواية دينية يؤمنون بها حول نهاية الزمان.”
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يبدو أن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين يصدرون تصريحات ذات طابع سياسي وديني في آن واحد. بينما يصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو القيادة الإيرانية بأنها “رجال دين شيعة متطرفون” يتخذون قراراتهم الجيوسياسية بناءً على رؤاهم الدينية، ويؤكد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث على استحالة امتلاك أنظمة متطرفة لأسلحة نووية، يوجه قادة عسكريون أمريكيون رسائل مختلفة لجنودهم. فقد حث أحد القادة ضباطه على إخبار قواتهم بأن الحرب جزء من خطة الرب، مستشهداً بآيات من الإنجيل عن معركة هرمجدون وعودة المسيح الوشيكة، ومشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اختاره الرب لإشعال هذه الحرب كنقطة انطلاق لنهاية الزمان.
في إسرائيل، استشهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتوراة في معرض الحرب على إيران، حيث شبه إيران بـ “العjustice” (العماليق)، عدو توراتي قديم يمثل الشر المطلق في التراث اليهودي. قارن نتنياهو بين بلاد فارس القديمة والنظام الإيراني الحالي، مستذكراً قصة تراثية سعى فيها العدو الفارسي إلى تدمير الشعب اليهودي، لكن مردخاي والملكة أستير أنقذا الشعب، وهو ما يتوقع نتنياهو أن يحدث مع النظام الإيراني الحالي.
في سبيل عودة يسوع
بالنسبة للكثير من الإنجيليين في الولايات المتحدة، فإن أحداث الشرق الأوسط تندرج ضمن رواية دينية عن نهاية الزمان، حرب لطالما انتظروها وشجعوا عليها، لا سيما فيما يتعلق بإيران. تشير استطلاعات مركز بيو لعام 2022 إلى أن نسبة كبيرة من الأمريكيين، وخاصة البروتستانت الإنجيليين، يعتقدون أننا نعيش عصر نهاية الزمان، وهي نسبة يُرجح أنها ارتفعت مع تنامي خطاب نهاية الزمان في السنوات الأخيرة.
لا يبدو هذا الأمر غريباً في عهد وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، القومي المسيحي الإنجيلي، الذي عزز المسيحية الإنجيلية في أعلى مستويات الجيش الأمريكي. يقوم هيغسيث بتنظيم اجتماعات صلاة شهرية في البنتاغون ويحضر حلقة دراسية أسبوعية للكتاب المقدس في البيت الأبيض. يذكر أن البيت الأبيض نفسه شهد لقاءات لقساوسة إنجيليين يصلون من أجل انتصار ترامب في الحرب. وقد تلقت مؤسسات الحرية الدينية العسكرية شكاوى عديدة من أفراد عسكريين اتهموا قادتهم باستخدام خطاب ديني متطرف لتبرير الحرب على إيران.
على الصعيد الإعلامي، سارعت رموز مسيحية إنجيلية إلى التأكيد على أن الحرب على إيران مهمة دينية مقدسة تنذر بالمجيء الثاني للمسيح. أشادت وسائل الإعلام اليمينية بقرار الرئيس ترامب، وشبهته بقورش الكبير وقسطنطين العظيم، مؤكدة أن الحرب علامة على اقتراب معركة هرمجدون وأن الله يستخدم ترامب في لحظة مفصلية.
على سبيل المثال، شبه مقدمو برامج إنجيليون بارزون، مثل جين بيلي ولانس والناو، ترامب بقورش الكبير الذي أنهى السبي البابلي لليهود. أما القس اليميني أندرو سيدرا، فقد شبهه بقسطنطين العظيم وقورش في الوقت ذاته، مؤكداً أن ترامب يستهدف الإسلام وأن الله يستخدمه لمعاقبة الحضارات الفاسدة. ويرى القس غريغ لوري أن الحرب علامة على اقتراب هرمجدون، بينما ترى الواعظة جولي غرين أن ما يحدث في إيران يحقق نبوءات الرب، وأن ذلك أمر يدعو للفرح والطمأنينة.
وعبر القس جون هاغي، مؤسس جماعة “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل”، عن شكره لترامب، مشيراً إلى نصوص سفر حزقيال التي تكشف عن غضب الله تجاه أعداء إسرائيل.
خطوة للوراء.. قادة أم أنبياء؟
تشير الخطابات التي تتحدث عن نهاية الزمان ورؤى المجيء الثاني للمسيح إلى عمق التأثير الذي أصبح للخطاب الديني في السياسة الأمريكية والإسرائيلية. تتجلى هذه الظاهرة في وصف القادة السياسيين، مثل ترامب ونتنياهو، كجنود ينفذون خطة الرب، وهو ما يعززه القادة أنفسهم بتعزيز تلك الرؤى الدينية.
يستغل ترامب الخطاب الديني لتقديم نفسه كحامٍ للمسيحية، مما ساعده في الحصول على دعم كبير من الإنجيليين البيض. وفي خطابه بمناسبة تنصيبه الثاني، قدم نفسه كمن أنقذه الرب ليعيد الولايات المتحدة عظيمة، وهو ما يربطه أنصاره بـ”العناية الإلهية” وبـ”سلاح الله”.
في إسرائيل، تصاعد الخطاب اليميني الذي يتحدث عن نهاية الزمان واقتراب مجيء المسيح، خاصة بعد حرب غزة. يعتبر بعض الحاخامات اليمينيين أن نتنياهو يمهد الطريق لمجيء المسيح، ويرون أن الشعبية الحالية لأفكار التعجيل بنهاية التاريخ غير مسبوقة.
تغلغل الطائفة الحريدية المتشددة دينياً في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويسعى أتباعها إلى تطبيق شريعة التوراة على كامل أرض إسرائيل. يعتبر بعض أنصار هذه الطائفة نتنياهو “مسيحاً منتظراً” يتدخل الرب من خلاله لتغيير مجريات الأحداث.
البحث عن المجد
تضفي الأجواء الدينية في الولايات المتحدة وإسرائيل بعداً يتعلق بالبحث عن المجد الشخصي على تحركات القادة السياسيين. فبالنسبة لقطاعات واسعة من قواعدهم الانتخابية، أصبحوا بمثابة “أنبياء” بدلاً من قادة عاديين.
يسعى نتنياهو من خلال حرب ناجحة على إيران إلى استعادة صورته التي اهتزت بعد أحداث 7 أكتوبر، مستغلاً اعتبار إيران التهديد الأكبر لدولة الاحتلال. ويهدف إلى تقديم نفسه لشعبه بأنه لا يزال قادراً على منحهم الأمان.
بالنسبة لترامب, فإن الحرب على إيران ترضي مؤيديه المتدينين المتعطشين لمثل هذه الأحداث، والتي يرونها ممهدة لنهاية التاريخ. بالإضافة إلى ذلك، يسعى ترامب إلى ترك إرث عظيم، يضاهي إرث رؤساء أمريكيين سابقين مثل رونالد ريغان وجيمي كارتر، وهو ما قد يدفعه لتغيير الأنظمة التي عاندت الولايات المتحدة لعقود.
ماذا بعد؟
يظل مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، ودور الرؤى الدينية في توجيه القرارات السياسية، محل متابعة دقيقة. وتبرز المخاوف من أن يؤدي التصعيد العسكري، المدفوع بعوامل دينية وسياسية، إلى عواقب وخيمة وغير متوقعة في المنطقة.